الأبرز

أسلحة الجو المغاربية زمن “الربيع العربي”

عدد المشاهدات: 437

عادل محمد بلعربي – الجزائر – 

المغرب العربي، منطقة ظلت بعيدة نسبياً عن عدسة الإعلام العربي والعالمي وقليلة الحضور في كتابات المهتمين بالشأن العسكري والأمني حتى في عز الأزمة الأمنية التي عاشتها الجزائر وهي التي تتوسط المنطقة. منطقة الظل هذه تبددت تدريجياً مع بداية الحراك المسمى إعلامياً بالربيع العربي، الذي بدأ من تونس قبل أن تمتد ألسنته إلى ليبيا التي أحدث إسقاط الدولة فيها فوضى سلاح عارمة أشعلت الحدود مع الجزائر وتونس وأجّجت الوضع في مالي التي تتقاسم حدوداً شاسعة جداً مع الجزائر وموريتانيا.

واقع أسلحة الجو المغاربية تأثر سلباً وإيجاباً بالوضع الراهن، فبعض دول المغرب العربي فقدت أغلب عتادها الجوي. ومنها من تدعمت قواتها بعتاد أحدث بغية تلافي الآثار السلبية للفوضى المحيطة، لتشريح هذا الواقع لابد من التعريج على مرحلة ما قبل اندلاع  الثورات الشعبية أي مطلع سنة 2011 وما بعد ذلك التاريخ إلى اليوم.

سلاح الجو المغاربي قبل “الربيع العربي”

تميز المشهد المغاربي العام مطلع القرن الحالي بهدوء نسبي وعودة تدريجية للساحة للجيش الليبي بعد عقد من الركود سبّبه انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي وقف الدعم العسكري لنظام ليبيا الاشتراكي. إضافة إلى حزمة العقوبات الدولية وضعف سعر النفط، العودة تمثلت في عقود صيانة كبيرة وتجديد للعتاد الجوي المتهالك. سلاح الجو التونسي لم يشهد تغيرات تذكر، فقد كان في مرحلة تعوّد وتدريب على العتاد الجديد التشيكي الذي تلقاه سنة 1995 المتمثل في طائرات تدريب وقصف أرضي من طراز أل-59 ألكا وطائرات تيربولت أل-410 .

الجزائر التي بدأت تتعافى تدريجياً بعد عقد دام خلف عشرات الآلاف من الضحايا سجّل سلاحها الجوي عودة حقيقية. فبعد التخلي عن أغلب الطائرات المقاتلة القديمة، وضم طائرات وحوامات أحدث، وطائرات تزويد جوي بالوقود، عكفت على تطوير الأسلحة الموجودة تماشياً مع الحالة الأمنية في الصحراء الكبرى، كتحديث حوامات “مي-24” لتمكينها من العمل ليلاً وتحميلها بوسائل هجوم أكثر فعالية. كما تم اقتناء طائرات مراقبة أميركية من طراز “بيتش كرافت 1900 دي هيزا” (Beechcraft 1900D Hisar). وسجل سلاح الجو الجزائري في منتصف العقد الماضي إحدى أكبر القفزات التقنية في تاريخه بضمه طائرات سيادة جوية وطائرات تدريبية حديثة إضافة إلى عدد من الطائرات غير المأهولة الجنوب أفريقية. هذا وعمل المغرب الأقصى نهاية القرن المنصرف على تطوير عتاده من إلى معايير أعلى، كما عمل على ضم طائرات تدريب نفاثة، مع عدد من طائرات الشحن الإيطالية. مسار التطوير هذا أريد له أن يستمر بضم “ميراج–2000″ و”أف-16” غير أن نقص الموارد أجّل هذا. سلاح الجو الموريتاني لم يكن له تقريباً أي حضور خلال هذه المرحلة.

سيتبدل الجو الهادئ نسبياً بشكل تام مطلع 2011 حيث اجتاحت حمى الثورات الشعبية المنطقة العربية انطلاقاً من تونس لتطوف متنقلة إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا وطارقة أبواب باقي الدول التي تقاسم الدول المذكورة الحدود الجغرافية. ثورات بدأت مدنية استدعت تدخلاً أمنياً فقط قبل أن تصبح عسكرية دموية غيّرت المشهد بشكل كبير.

  مصر تتسلم الدفعة الأولى من المركبات المضادة للألغام الأميركية MRAP

آثار الفوضى الأمنية على أسلحة جو تونس وليبيا

أولى دول “الربيع العربي” تونس، أفرز المسار السياسي الجديد – بشكل من الأشكال – نشوء خلايا إرهابية تركزت أغلبها بجبال غرب البلاد المحاذية للجزائر، ما حذا بالجيش التونسي – الذي كسب رضاً والتفافاً شعبياً بعد دوره الحاقن للدماء أثناء الثورة – إلى تعزيز المراقبة والإسناد الجوي للقوات البرية لمكافحة للإرهاب في جبل الشعانبي المحاذي لإحدى أكبر حواضر تونس “القصرين”  التي تضم قرابة 440 ألف نسمة.

في أعقاب الثورة، تعززت القوات البرية التونسية بأرتال من العربات المضادة للألغام (MRAP)  وشاحنات مدرعة للحفاظ على أرواح الجنود. كما تم توفير معدات إسناد جوية تركزت أساساً على 10 مروحيات “بيل يو أتش-1 أتش” (Bell-205/UH-1H) مستعملة ومحدّثة سلمت كمساعدة أميركية. كما تم الاتفاق على اقتناء 12 حوامة “سيكوريكي S-70/UH-60L” ستسلم نهاية العام الجاري أو مطلع العام المقبل حسب وزير الدفاع التونسي، يضاف هذا إلى طلبية وافقت أميركا على تسليمها، تخص 24 حوامة “بيل OH-58D Kiowa Warrior” الخفيفة مع كامل تسليحها.

يراد من الحوامات المذكورة أن تساهم في الحد من التهديد الإرهابي وأن تسند القوات البرية في عملياتها المضادة للمسلحين غرب البلاد كما يراد لها أن تراقب وتؤمن الحدود الجنوبية مع الجارة ليبيا التي تشهد حرباً ضروساً منذ الإطاحة بنظامها.

ليبيا التي كان جيشها يشهد مرحلة تعاف وإعادة تجهيز جرفها مد الثورات الشعبية، لكن الأمر على خلاف تونس تطور سريعاً بعد تورط الجيش في إراقة دماء كان بإمكانه حقنها كما فعل الجيش التونسي.

الجيش الليبي استعمل أغلب أسلحته في محاولة حازمة لإيقاف الثورة التي أخذت تتسلح شيئاً فشيئاً، ومن هذه الأسلحة سلاح الجو، الذي شن غارات متتالية على بؤر التوتر في الشرق الليبي ودخل في اشتباكات مع الثوار على الأرض الذين أخذ قوام اسلحتهم يتقوى ما سبّب اسقاط العديد من الطائرات المغيرة .

لم يمضِ أول أشهر الثورة بسلام على سلاح الجو الليبي الذي فر طياران من سلاح الجو بطائراتيهما ميراج Mirage F-1 إلى مالطا القريبة قبل أن تتوالى حوادث الإسقاط التي مست طائرات عديدة مثل قاذفات “سو-22 أم” (Su-22M)، “سو-24” (Su-24)، مقاتلات “ميغ-21” و23 “بي أن” (MiG-21 & 23BN) وميراج “أف1” (Mirage F-1) وحوامات “مي-24” (Mi-24)، كما تحطمت طائرتا “ميغ-21”  تابعة للثوار كانتا تستخدمان قاعدة بنينا الجوية.

مقاتلة ميراج أف-1 ليبية

الخسائر في الشهر الأول من الثورة كانت في حدود 10-12 طائرة مقاتلة قبل أن يتضاعف العدد بعد التدخل الغربي- العربي في ليبيا الذي استهدف بالأساس الطائرات القاذفة من طراز “ميغ-23” (MiG-23)، سوخوي سو -22أم، سوكو غالب (SokoGaleb) وحوامات “مي-35” (Mi-35).

سقط النظام الجماهيري واستشعر الليبيون نهاية “الثورة” بانتصار عسكري على الأرض أو هكذا ظنوا، لتشرع حكومة الثورة في إعادة بناء الجيش الليبي بكل أركانه، وتقدم طلباً لاقتناء طائرات غربية حديثة تمثلت في سربين من طائرات “رافال” (Rafale)، كان من شأنهما فك عقدة التسويق التي لاحقت الطائرة الفرنسية، مع عدد من طائرات “يوروفاتر تايفون” (Eurofighter Typhoon) وعدد من طائرات الميراج أف-1، طائرات نقل هيركوليز  C-130 H ومروحيات شينوك CH-47 Chinook الأميركية.

  بالفيديو: مقارنة مفصّلة بين مقاتلتي يوروفايتر تايفون وداسو رافال

لكن الأمور تطورت نحو الأسوأ كاتبة لمأساة سلاح الجو الليبي أن تستمر أكثر، وزادت استفحالاً بعد انقسام الليبين على أنفسهم وتكوين جيشين متحاربين وقوتين جويتين متنافستين، كل صفقات التسليح ألغيت أو أجلت ولم يعد بوسع سلاحي الجو سوى إعادة تأهيل ما تبقى من طائرات معطوبة أو غير صالحة للطيران، لكن عدداً من تلك الطائرات تحطم نتيجة لضعف الصيانة وغياب قطع الغيار وضربات الأخوة الخصوم. كما قضى التناحر الليبي الداخلي على أغلب اسطول النقل الجوي الذي دمر أغلبه في قصف بري على مطار طرابلس.

الإِحجام عن توريد السلاح لليبيا المنقسمة كسرته العديد من الأنظمة العربية والغربية التي لها مصلحة في تفّوق أحد الأطراف، فقد أسهمت مصر بمخزون سلاحها القديم من طائرات “ميغ -21ام أف” (MiG-21MF) و”مي-8″ (Mi-8) بتقوية الذراع الجوية للجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على شرق البلاد، نفس الأمر قامت به الإمارات العربية المتحدة التي مولت اقتناء 4 حوامات “مي-35 بي” (Mil Mi-35P) مستعملة من روسيا البيضاء.

سلاحا الجو الجزائري والمغربي في زمن الثورات العربية

ظلت الدولتان الجارتان الجزائر والمغرب في منأى نسبي عن تداعيات الثورات العربية، فقد تمكن سياسيوهما من ضبط الجبهة الداخلية ما مكّن من امتصاص الانجراف الشعبي التلقائي خلف ما يحدث عربيا، المغرب والجزائر رغم صفة التنافس التي تبدو ظاهريا على مساعي تطوير جيشيهما، إلا أن الدوافع ليست تنافسية دائماً.

فللجزائر حدود شرقية حامية، شمالها جبال الشعانبي المذكورة آنفا وجنوبها ليبيا التي طال أمد غياب الاستقرار بها وحدود جنوبية  طويلة مع النيجر ومالي اللذان تأثرا سلباً بتدفق السلاح غير المراقب عقب انهيار ليبيا. كما أن ما مرّت به الجزائر من سنوات إرهاب وتخلي الجميع عنها لم يمر مرور الكرام.

فقد عملت الجزائر على استكمال تعداداً 60 طائرة “سوخوي سو-30 أم كا أي” (Su-30MKA) وتوزيعها على قواعد متقدمة في أقصى نقاط الصحراء، كما عملت على تدعيم أسراب الحوامات الهجومية بالإضافة
إلى 48 مروحية صياد الليل “مي- 28 يو بي” (Mi-28UB) و14 طائرة شحن مروحية مي-26 (Mi-26)، كما أبرمت عقداً لتوريد قاذفات “سو-34” بعدد 12.

المغرب لا يبدو على صفقات تسلّحه الكثير من روح التنافس مع الجارة الجزائر، فصفقاته تتناسب مع مستوى ميزانية الدفاع التي تقل كثيراً عن ميزانية الجارة الشرقية كما تتناسب أيضاً مع التحديات المحيطة.

أهم الصفقات لسلاح الجو الملكي المغربي كان رفع قدرات 50 طائرة ميراج أف-1 إلى معيار أم أف-2000 (MF-2000) واقتناء 4 طائرات شحن إيطالية من طراز “سي-27جي” (C-27J) وضم 24 طائرة تدريب ذات محركات توربينية مروحية من طراز “بي سي -9 تيكسان” (PC-9 Texan) كما تم ضم 3 طائرات من دون طيار مستعملة من طراز “هارفنغ” (EADS Harfang) وهي النسخة الأوروبية من طائرة هيرون الإسرائيلية. لتبقى الصفقة الأهم هي ضم 24 طائرة “أف-16 سي بلوك 52” (52 F-16 C Block) التي تشكل تعزيزاً نوعياً لقدرات سلاح الجو الملكي المغربي، الصفقة موّلت جزئياً من قبل المملكة العربية السعودية.

  صفقات عسكرية فرنسة ضخمة مرتقبة للمغرب

مقاتلة أف-16 بلوك 52 مغربية

سلاح الجو الملكي المغربي يبقى الوحيد الذي لا يتوانى في المشاركة خارج قواعده في عمليات قتال حقيقية، كانت آخرها الحرب على تنظيم المدعو “تنظيم الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق والحرب على الحوثيين في اليمن التي افقدته أحد طياريه الشباب واحدى طائرات الأف-16 الحديثة.

سلاح الجو الموريتاني، الاستثناء

المؤسسة العسكرية الموريتانية تمسك بزمام كل شاردة وواردة في البلاد، ولم تزل الرقم الثابت الذي لا يتغير بتغير الرؤساء، الذين يأتي أغلبهم من صفوف العسكر عن طريق انقلابات متتالية.

موريتانيا إحدى أكثر دول المنطقة سلامةً من مشاكل الإرهاب وتدفق السلاح، ولا يضم سلاحها الجوي العديد من الطائرات، لكنه استفاد منذ 2011 من 4 طائرات “امبراير سوبر توكانو” (EMB-314 Super Tucano) البرازيلية ذات المحركات التوربينية المروحية القادرة على التعامل الجيد والدقيق مع الأهداف الأرضية المتحركة والثابتة، إضافة إلى 4 طائرات تدريب “امبراير توكانو” (EMB-312 Tucano) كما تم ضم طائرة بيلاتوس “تيربوبورتر” (Pilatus PC-6 turboporter)، إضافة إلى طائرة “كازا سي 212 أم بي” (C-212MP) إسبانية مستعملة لمهام البحث والانقاذ وطائرتي سيسنا كارافان (Cessna-208 Caravan)، مع هذا تبقى القوات الجوية الموريتانية احدى أكثر الأسلحة الجوية العربية تواضعاً.

طائرة سوبر توكانو موريتانية

آفاق الساحة الجوية المغاربية

العشرية المقبلة قد لا تحمل الكثير لسلاح الجو الليبي، إذ لابد من حل المشاكل السياسية أولاً وترتيب البلاد ونظام الحكم، قبل ضخ دماء جديدة في أوصال الجيش الليبي، فأي تسليح آني للقوات الليبية المتقاتلة سيعمق الجراح أكثر ويؤخر – لا محالة – موعد نهاية الكابوس.

تونس والجزائر والمغرب أخذت تنحو منحى جدياً نحو التصنيع المحلي، منحى كهذا من شأنه توفير وسائل مراقبة جوية غير مأهولة وغير مكلفة قد تنفي الحاجة لاستخدام معدات ثقيلة وباهظة، كما أن ظهور أسلحة جديدة غربية في كل من تونس والمغرب كالرافال الفرنسية وشرقية في الجزائر كسوخوي-35  (Su-35) أمر غير مستبعد، نظراً لوتيرة التحديث المطّردة المسجلة.

كما قد يحمل المشهد الجوي الموريتاني ظهور طائرات نفاثة منخفضة الكلفة للتدريب والمراقبة والإسناد الجوي، سلاح لابد منه نظراً لشساعة الأرض الموريتانية والتحديات المطروحة.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.