هل ستحقق عملية “درع الفرات” الأمن القومي التركي!

عدد المشاهدات: 32

العميد م. ناجي ملاعب –

بعد الإفتراض الواقعي بنجاح عملية درع الفرات العسكرية التركية في الشمال السوري ماذا حققت تركيا وماذا حقق الأكراد وكيف انعكست العملية على الصفيح الساخن في المنطقة؟

في استعراض سريع للأحداث، فقد بدأت العملية ضد داعش في جرابلس، وعلى هذا الأساس تأمّن الغطاء الجوي لقوى التحالف الدولي. وجاء حضور نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى أنقرة، في اليوم التالي لبدء التوغل التركي – في زيارة كانت أكثر من ضرورية من حيث التوقيت والمهمة بعد اهتزاز العلاقة التركية الأميركية بنتيجة الإنقلاب الفاشل – ومثّلت هذه الزيارة نجاحاً للدبلوماسية التركية باستصراح الزائر الكبير لتأييد العملية وأهدافها – والتي شملت الخطر الذي تمثله قوات سوريا الديمقراطية ذات الأكثرية الكردية على الأمن القومي التركي – لا بل لم يكن بايدن محرجاً بالطلب من تلك القوات المتواجدة في بقعة العمليات التركية الإستجابة للمطلب التركي بالإنسحاب إلى شرقي نهر الفرات.

عبَرت الدبابات التركية الحدود بعد حادث أليم بتفجير إرهابي أمام مركز للشرطة في غازي عينتاب قضى بنتيجته أحد عشر شرطياً عدى الجرحى وتبنى حزب العمال الكردستاني تلك العملية. وهي إحدى عمليات تصاعدية حصلت على الأراضي التركية بعد انهيار التفاهم التركي مع الحزب الكردي المصنف على لائحة الإرهاب الدولي.

وترافق الإرهاب المنسوب إلى الجماعة الكردية المسلحة مع عمليات أخرى استهدفت الساحات العامة والمرافق السياحية ومطار أتاتورك الدولي، وثبت للمحققين الأتراك أن لتنظيم لدولة الإسلامية “داعش” يد ومسؤولية مباشرة فيها، كما أن الأراضي السورية هي المصدر الأساسي للمنفذين وللمتفجرات في جميع العمليات الإرهابية الكردية والداعشية.

أدخلت القوات التركية جماعات مسلحة من التركمان ومن القبائل السورية الشمالية المنضوية في فصائل الجيش السوري الحر المعارضة، ومكنتهم من الحلول مكان داعش في جرابلس والقرى المحيطة، لكن مقاومة شرسة ظهرت في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية دفعت بالدبابات التركية الى خطوط التماس وبالطيران التركي الى تأمين الدعم الجوي، فكانت نتيجة العملية – بعد عشرة أيام على بدئها – ان أصبحت مساحة هذا الجَيب أربع مائة كلم مربع.

  تقرير: الجيش التركي يفقد فعاليته كقوة عسكرية مؤثرة في الناتو

ردود الفعل الدولية

يقول الأتراك إنهم أحاطوا الدول المنخرطة في الداخل السوري (أميركا وروسيا وإيران) علماً بالعملية وأهدافها. ولهذا، تم التوغل “على البارد” دبلوماسياً. ولكن ما أن لامست العملية منجزات لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة أميركياً حتى تبدل السكوت الدبلوماسي إلى تصريحات عالية النبرة. فطلبت إيران وقف التوغل التركي وأعلنت واشنطن عن وجوب الإتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية وحصر المهمة باتجاه داعش فقط، وأبدت موسكو قلقها، ولا بد من الذكر أن الحكومة السورية أعلنت منذ البداية أن عملية التدخل التركي تمثل اعتداءاً من دولة على سيادة وأراضي دولة أخرى.

بدى للكثيرين – لا سيما بعد التريث الأميركي في إعلان موقف واضح من محاولة الإنقلاب التي أُفشلت في تركيا في 15 تموز/يوليو الماضي – أن واشنطن ستكون في حرج كبير إزاء الإشتباك بين الجيش التركي وقوات سوريا الديمقراطية المجهزة والمدربة والمدعومة من قبل الولايات المتحدة، وقد حققت هذه الأخيرة انجازات هامة ضد داعش بتحريرها لمدينة منبج مدعومة من طيران التحالف. لكن واشنطن – وعلى لسان الناطق باسم التحالف الدولي – هددت قوات حماية الشعب الكردية وهي العصب الرئيس لـ “قسد” بوقف الدعم عنها في حال عدم الإمتثال للمطلب التركي بالعودة الى شرق الفرات.

وتزامناً مع تقدم المعارضة السورية متمثلة بالجيش الحر في معظم القرى في مسرح العملية العسكرية، اجتازت بالأمس الدبابات التركية مدينة الراعي الحدودية ممهدة الطريق لإنجاز المهمة المعلنة للعملية؛ باحتلال الشريط الممتد من أعزاز وحتى جرابلس، في عمق لم يتضح حدوده بعد، بما يكفل ابعاد خطر داعش وقوات حماية الشعب التركية عن حدودها وتمكين المعارضة السورية من ادارة منطقة محررة، ما يساعد في خلق منطقة آمنة لاستيعاب لاجئين سوريين على أرض سورية.

  دبابات تركية تدخل إلى الأراضي السورية وتفتح جبهة جديدة

مَن استدرج مَن إلى العملية العسكرية؟

في الجهة الكردية: مما لاشك فيه أن الحلم الكردي بكيان فيديرالي – أعلنت عنه وحدات حماية الشعب الكردية منذ عامين تحت مسمّى “روج أوفا” في الشمال السوري – قد تعرض لخرق قوي وبات تحقيقه عسكرياً صعب المنال بعد العملية التركية. وبذلك، وبعد أن أذعن الأكراد بالقبول بالإنسحاب الى الضفة الشرقية لنهر الفرات، وحتى لو كان انسحاباً صورياً، فذلك يعد انجازاً لتركيا مباركٌ من جيرانها العرب والفرس، ولو لم يعلن على الملأ. ولكن هل يحقق هذا الإنسحاب وتسليم المنطقة الى قوات الجيش الحر المطلب التركي بالأمن القومي للبلاد؟

بعد تجارب كثيرة لقوى الغرب لتنسيب وتجهيز وتدريب قوات سورية تكون نواة العنصر البشري لمقاتلة داعش لم توفق واشنطن –  لأسباب ومجريات كثيرة – سوى باعتماد وحدات حماية الشعب كفصيل متماسك متمرس بالأرض التي يقاتل عليها ذي كفاءة عالية في التدريب والقتال، لامس عديده مع عناصر من القبائل العربية الأربعين ألفاً في غضون سنتين. أن هذه القوى النشطة والتي تعتنق قضيتها بإيمان موصوف في منطقتنا، والتي تحوز حالياً على الدعم الغربي وتمارس سلطتها في منطقة نفوذ كبيرة على الحدود السورية الشمالية، لن تكون حملاً وديعاً على تلك الحدود.

أما لجهة تركيا: فقد كانت تركيا، حتى بدء عملية درع الفرات، ملاذاً وموئلاً لقادة المعارضة السورية بوجهيها السياسي والعسكري، ولاعبًا فاعلاً في جميع المؤتمرات ذات الصلة ولم تتورط بخسارة جنود او عتاد عسكري في الأراضي السورية. اليوم حصرت أنقرة دورها بما يؤمّن لها أمنها القومي ولجأت الى الدخول العسكري لفرض منطقة أمنية تشكل حزاماً أمنياً يبعد عنها الخطر الإرهابي بشقيه داعش والأكراد، واستخدمت لإدارة هذا الجيب قوات نخبة من المعارضة السورية والتي سوف تنحصر مهامها بالقضاء على أي خطر محتمل قد يهدد الداخل التركي. ما يعني إنشغال فصيل هام من قوى المعارضة عن القتال ضد النظام وتحققيق أهداف الثورة السورية.

  بوتين يلمح لإتفاق وشيك.. هل اقتربت التسوية السورية من الصين؟

الدور التركي الإقليمي يتراجع، إذاً، لمصلحة أمنها القومي. وفي المقابل، لم تفقد قوات حماية الشعب الكردية الثقة الروسية – والتي أمنت لها السيطرة في الحسكة مرغمة القوات لحكومية السورية بالإنكفاء في منطقة محصورة –  والدعم الغربي الأميركي عسكرياً ولوجيستياً والفرنسي من خلال التدريب في عين العرب، وهي بنصرها في منبج لم يعد هناك من يضع الفيتو على مشاركتها في الحل السياسي السوري. من هنا يبدأ السؤال: هل كان من الأجدى استيعاب الحركة الكردية المستقوية في الشمال السوري أم وضع الأكراد السوريين مع حزبهم “الإتحاد الديمقراطي” في خانة حزب العمال الكردستاني ومعاداتهم؟

سياسة النفس الطويل التي مارستها تركيا أردوغان بالتفاوض لسنوات مع زعيم حزب العمال الكردستاني القابع في سجونها أذهلت العالم بطي صفحة العنف والعنف المضاد، هل ستوفر عملية درع الفرات الأمن القومي التركي من دون الجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات مع الأكراد؟

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.