قاعدة الناتو في تونس

العميد م. ناجي ملاعب

تونس، مهد الربيع العربي الذي تبوأ بيرقه رايات الشباب العربي الثائر في سبيل الكرامة وحرية الإنسان، البلد غير البترولي، الذي يتحمل هذا الكم من التفجيرات الإرهابية في مراكز سياحية وأمنية والهجمات المتتالية على جباله ومدنه الحدودية مع ليبيا، ويجهد لبناء جدارعلى طول تلك الحدود علّه يقيه الإرهاب وتداعياته، وانتقلت ثورته من بلد الربيع العربي إلى بلد ألزمته المعاناة جرّاء الوضع الإقتصادي الصعب وسوء التنمية، إلى توريد شبابه ليشكلوا خزاناً من المتشددين الإسلاميين – وهم لم يكونوا يوماً – في ساحات القتال العراقية والسورية والليبية، وفق إحصائيات حديثة للأمم المتحدة أكثر من خمسة آلاف مجاهد.

بعد اكتسابهم خبرات قتالية في محاربة القوات النظامية والميليشيات، سوف تربك عودة الآلاف من أولئك التونسيين من سوريا والعراق، وما زالت تعصف بذهن المسؤولين التونسيين تلك “البروفة الأولى” للإرهاب الكامن في بنقردان بتنفيذ من العشرات من الإرهابيين التونسيين الذين قاتلوا في ليبيا. واذا كان الجيش التونسي قد حقق انتصاراً كبيراً في الجولة الأولى من حرب المكاسرة ضدّ “الدواعش” الوافدين، فإنّ المعركة لا تزال مستمرة ومفتوحة أيضاً على كافة الفرضيّات.

وكانت منظمة حلف الأطلسي “الناتو” كشفت عن عزمها إقامة مركز استخباراتي في تونس يعمل على الدعم اللوجستي والتدريبي والتقني للقوات العسكرية التونسية في حربها ضدّ الإرهاب، ما أثار جواّ ينمّ عن اضطراب وعدم وضوح في الأداء السياسي للحكومة التونسية التي أبرمت اتفاقاً مع الأطلسي لإرساء مركز من دون العودة إلى سلطة القرار الأصلية الكامنة في مجلس النواب، وبلا تشريك للفاعلين المدنيين، وبغفلة عن الرأي العام المحلي.

تبتغي تونس من حلف شمال الأطلسي، تجربة عسكرية في محاربة الإرهاب ومعونة استخباراتية في ضرب الجماعات الإسلامية المتشددة التي تمرست في أسلوب حرب العصابات في الهجوم والدفاع وفي تقنية الجيوش النظامية في السيطرة على المدن والقرى، خاصّة وأنّ سعي داعش الإرهابي إلى السيطرة على مدينة بنقردان في آذار/مارس الماضي أثبت أنّ التنظيم يريد قضم جزء من الجغرافيا التونسية، واستنساخ نموذج الموصل وسرت بشكل يستجيب مع الطبيعة الاستراتيجية الإقليميّة.

وفي المقابل، يريد الناتو من تونس بناء قاعدة متقدّمة بهدف معلن هو تدريب قوات الجارة الليبية، لينطلق منها كقاعدة عمليات في حربه ضدّ الجماعات التكفيرية، ويستخدمها كمركز لتبادل المعلومات والتنسيق المشترك مع قاعدة أفريكوم في السنغال، التي نالت قبول الرئيس السنغالي في ظل رفض شعبي ومدني كبيرين، والأهم لدول الناتو خلق فضاء للتدخل المبكر والاستباقي ضدّ قوارب الهجرة غير الشرعية من ليبيا نحو السواحل الأوروبيّة.

هذا التقارب مع دول الشمال الأوروبي، إذا ما ترجم بقاعدة عسكرية، سيثير الكثير من الحساسيات وسيزيد من حالة البرود السياسي بين تونس وباقي دول المغرب العربي التي تتهم تونس بالتفرد في قرار يطال الأمن المغاربي كله. فمن حق تونس أن تبحث عن عوامل مساعدة في تأمين الإستقرار وعن شركاء لمحاربة الإرهاب، على أن يتم التنسيق مع دول الإتحاد المغربي اصحاب المصلحة الجيوسياسية والإستراتيجية في الأمن والإستقرار.

وتعاني المملكة المغربية من ضغوط كبيرة في مسألة الصحراء الجنوبية، فبعد المحاولة الأميركية بفرض قرار قوي في مجلس الأمن، فيه نوع من الإلزامية من خلال إخضاعه لتنفيذ البند المتعلق بقبول رجوع المكون المدني للمينورسو، الذي طرده المغرب بعد وصف الأمين العام “بان كي مون” وجود المغرب بصحرائه بـ”الاحتلال”. قابله الملك محمد السادس في خطاب له بالقمة الخليجية- المغربية، بالقول: “إن المخططات العدوانية، التي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة و لن تتوقف، فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه، وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب”.

وأضاف الملك المغربي في خطابه الجريء: “إننا أمام مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي. فالأمر واضح، ولا يحتاج إلى تحليل، إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية”.

وتنظر المملكة الى الطرق التي يلجأ اليها الغرب في دعم خصوم المغرب الى أنها محاولة لاستدامة حال النزاع حول الصحراء المغربية، ما يحول دون قيام “اتحاد المغرب العربي”، واستمرار جنون التسلح بالمنطقة، واستمرار دول المنطقة محمية خاصة بأمريكا وفرنسا.

يتساءل المراقبون، هل تمّ هذا الاتفاق التونسي الأطلسي ومتى وبأي فاتورة؟ لماذا الأطلسي وليس أي منظمة دولية أخرى؟ لا سيما أن “الناتو” عجز عن حسم أي معركة ضدّ الإرهاب من العراق إلى سوريا إلى الصومال، وليس انتهاء باليمن وأفغانستان وباكستان ومالي؟ لا بل قد يكون الناتو وتدخله من دون موافقة من كامل القوى الليبية جزءاً من المشكلة وليس قوة مؤهلة للحل.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.