الرد السعودي على غاستا: “عاصفة حزم” إقتصادية قد تطيح بالدولار

الريال السعودي والدولار الأميركي
الريال السعودي والدولار الأميركي

أغنس الحلو
أتى الرد السعودي على غاستا – قانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” – حازماً وصارماً حتى قبل أن يرفض الكونغرس الأميركي إعتراض الرئيس على القانون. ففي 26 أيلول/ سبتمبر الفائت دخلت حيز التنفيذ إتفاقية اقتصادية هامة بين الصين والسعودية يتم بموجبها إتمام كافة التبادلات التجارية بين البلدين باليوان الصيني و الريال السعودي. أي بكلام آخر بعد أن كان الدولار هو العملة الوحيدة التي تتم بموجبها معظم الصفقات التجارية العالمية، قامت السعودية بإزاحته من تبادلاتها مع الصين. ويؤكد خبراء إقتصاد عالميون أن المتضرر الوحيد من هذه الخطوة هو الدولار الأميركي لأن هذا الإجراء هو بمثابة تأسيس نظام لأسعار الصرف المباشرة بين عملتي اليوان والريال مما سيتيح لبكين شراء النفط السعودي بعملتها مستقبلا ما سيلحق الضرر بالدولار.
ولمن يجيد القراءة بالأرقام، الصين ذات الوازنة العسكرية البالغة 259 مليار دولار، وتصنف اقتصادياً في الترتيب الثاني بعد الولايات المتحدة، والتي هي رابع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة (9,596,960 كلم2) وأكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان (1.375.170.000 نسمة) ستقوم بكل مبادراتها التجارية مع السعودية أكبر دولة في الشرق الأوسط من حيث المساحة (والموازنة العسكرية) والتي هي الدولة الـ12 في العالم من حيث مساحتها التي تبلغ 2.15كلم2 ، وأهمها المبادلات النفطية بالريال السعودي واليوان. أي ما يعادل 51 مليار دولار (حوالي 191 مليار ريال سعودي) وما يعادل 341.7 مليار يوان صيني عام 2015، و70 مليار دولار عام 2014 (وسبب الانخفاض يعود إلى تراجع أسعار النفط ).
تعود العلاقات التجارية بين السعودية والصين إلى عقود من الزمن، فالصين كانت تاريخيا من أكبر مستوردي النفط عالمياً، فيما السعودية تعتبر من أكبر المصدرين. واللافت أن الميزان التجاري كان يسجل فائضا لصالح السعودية منذ العام 1968 رغم التقلب الكبير في أسعار النفط منذ ذلك الحين.
وصدّرت السعودية إلى الصين سلعا بقيمة 26 مليار دولار في العام 2015، 80% منها من النفط الخام، تليها منتجات بتروكيماوية كمشتقات الايثيلين والبولي ايتيلين والهيدروكربونات. ونذكر هنا أن شركة سابك السعودية تصدر سنويا ما قيمته أكثر من ملياري دولار من منتجات البتروكيماويات إلى الصين. أما مستوردات السعودية من الصين فبلغت 23 مليار دولار، تصدرتها أجهزة الهاتف المحمول بنسبة 12%، تلتها أجهزة الحاسب المحمول فأجهزة التكييف ثم السيارات الصغيرة. وتعد الصين أكبر مستورد للنفط السعودي في العالم، بما يتجاوز 1.1 مليون برميل يوميا، بنسبة تقترب من 15% من صادرات النفط السعودية للعالم إجمالا.
وتجدر الإشارة أن الريال السعودي يرتبط بالدولار الأميركي منذ أكثر من 30 عاما، ويحافظ على سعر صرف بمعدل 3.75 ريال للدولار الواحد، بحسب مؤسسة النقد العربية السعودية ” المركزي السعودي”.
وفي حين أن التخوّف كان على السعودية من قانون غاستا، والذي من المحتمل أن يستغله ذوو ضحايا هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في مقاضاة المملكة العربية السعودية، تحوّل الخوف اليوم على الدولار الذي خسر صفقات كبرى استثنته من حساباتها. وفي حين أن الكلام كثر في الآونة الأخيرة عن تأثر الأوضاع الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، يجب الكلام تحديدا عن العلاقات الإقتصادية بين البلدين وليس أقلّها الصفقات العسكرية. فبدل أن تستورد السعودية دبابة الأبرامز من الولايات المتحدة بقيمة 8.92 مليون دولار للدبابة يمكنها أن تستورد من روسيا مثلا دبابة أرماتا الحديثة بقيمة 4.2 مليون دولار وبمواصفات تتفوّق على نظيرتها الأميركية. ولن يكون عندها مستغربا أبدا إذا تمت هكذا صفقات كبرى بالريال السعودي والروبل الروسي مما سيكمل ما بدأته إتفاقية الصين- السعودية.
وهذا الكلام ليس بالخيال، فقد أعلن مساعد الرئيس الروسي للتعاون العسكري التقني فلاديمير كوجين في 10 أيار/ مايو من 2016 أن السعودية وروسيا تجريان محادثات حول إقتناء السعودية للسلاح الروسي، وأشار إلى توقيع إتفاقيات. كما أعلنت شركة روستيخ أن العديد من الدول بما فيها السعودية راغبة بشراء منظومات الدفاع الجوي الروسية على رأسها اس-400. وعند نضوج هذه الصفقات وخروجها إلى العلن ستكون السعودية هي الرابح الأكبر أما الولايات المتحدة (والدولار الأميركي إذا وقعت هذه الصفقات بعملات الدول الموقّعة) هي الخاسر الوحيد من تداعيات قانون غاستا.
وكما أن الصفقات العسكرية بين الصين والسعودية ليس بالأمر المستبعد فنذكر مثلا أن السعودية ستشتري من الصين طائرات بدون طيار من طراز “ونغ لونغ” التي توفّر خدمات المراقبة والضرب للأهداف الأرضية وحمولة من الأسلحة الفتاكة ب 200 كلغ. وقد تم توقيع العقد في 31 آب/ أغسطس الفائت.
وعلى الرغم من ارتفاع الدولار في 7 تشرين الأول/ أوكتوبر أمام سلة من العملات مسجلا أعلى مستوياته في شهرين بعد أن عززت بيانات مشجعة بشأن الوظائف الأميركية الرأي القائل بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) سيرفع أسعار الفائدة بنهاية هذا العام، إلى أن نتائج الإتفاق السعودي- الصيني ستبدو بعد بدء الصفقات الكبرى بهذه العملات، أي بعد فترة ليست ببعيدة.
الدولار كعملة وسيطة هو بحد ذاته سلاح يدخل في الأمن القومي الأميركي، فكلمة بترول منذ بدء اعتمادها تجارياً، لازمتها كلمة “بترودولار”. وحده الرئيس العراقي السابق صدام حسين هدد الأميركيين بوقف التعامل بالدولار ثمناً لبترول العراق ونفّذ تهديده، ولكنه استبدله باليورو. أهمية ما قررته الصين والسعودية هو في اعتماد العملة الوطنية بديلاً وليس أية عملة أخرى.
وكما أن “عاصفة الحزم” هي عملية عسكرية شنها التحالف العربي بقيادة السعودية لدعم الشرعية اليمنية ضد الإنقلابيين الحوثيين، وكانت ضاربة وحازمة أظهرت المملكة العربية السعودية خلالها كقوة عسكرية لا يمكن الاستخفاف بقدراتها، نحن اليوم نشهد “عاصفة حزم” إقتصادية، تزداد حدتها كلما ارتفعت قيمة العقود الموقّعة بين السعودية والصين، فعملة البلدين مستقرة وقوية وسوف تزداد ثقة دولية بعد هذا الإجراء… ويضع الدولار في مهب ريح هذه العاصفة.

sda-forum
segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.