الطيران البحري المغاربي وتحديات الهجرة غير الشرعية

مروحية مي-14 ليبية
مروحية مي-14 ليبية

عادل محمد بلعربي – 

الواقع الجيو سياسي (ثنائية: الساحل – أوروبا )

المغرب العربي، إحصائياً يشغل 5.78 مليون كلم2 أي حوالي 42 % من مساحة العالم العربي وتعيش به 98 مليون نسمة، أكثر من ربع العرب.  أكبر دوله مساحة الجزائر التي تشغل 41.2 % من المساحة الكلية للمغرب العربي تليها ليبيا التي تشغل 30.4 %، الجزائر أيضاً هي أكثر الدول المغاربية سكانا بـنسبة 41.3 % تليها المغرب بـ 37.6%  وهي أكثر بلدانه سكاناً.

كل الدول المغاربية ساحلية وهي تتقاسم شريطين ساحليين؛ متوسطي وطوله 4416 أغلبه مشكل من السواحل الليبية بـ 40.1 %  وساحل أطلسي طوله 3199 كلم، 41.7 % منه سواحل مغربية.

كل دول المغرب العربي تتقاسم جانباً من الصحراء الكبرى أكبر الصحاري الحارة في العالم، إذ تتقاسم الجرائر وليبيا أكثر من ثلث مساحة الصحراء الاجمالية التي تبلغ قرابة 9 ملايين كلم2  وتشمل دولاً أفريقية أخرى، الصحراء تنتهي شمالا عند السواحل الأطلسية في ليبيا وعند سفوح  جبال الأطلس في كل من تونس والجزائر والمغرب، وجود هذا الفضاء القاسي وسط جغرافيا المغرب العربي حتّم على السكان التوزع بطريقة غير منتظمة، إذ تركزت الغالبية العظمى من سكان المغرب على السواحل وخارج أسوار الصحراء بين جبال الأطلس والساحل الشمالي، ما جعل الصحراء منطقة شبه خالية.

المغرب العربي عكس الشرق الأوسط يقع بين حيزين جغرافيين متباينين، دول الساحل جنوب الصحراء، والضفة الجنوبية للمتوسط، ما جعله يشكل أحد أكبر بوابات النزوح نحو الشمال وجعله امام خليط من التحديات الديموغرافية والسياسية والأمنية فرضها عليه موقعه واتساع صحرائه وخلوها، إضافة الى طول ساحله. هذا الواقع ظل قائما منذ نهاية حروب التحرر وبداية ظهور أوروبا القوية اقتصاديا التي نعرفها اليوم.

الثورات العربية وزوارق الموت

مطلع العام 2011، برز واقع جديد أطل علينا على شكل احتجاجات اجتاحت مدن الجزائر عرفت بـ “ثورة الزيت والسكر” تعاملت معها الجزائر أمنياً فقط وأخمدتها سلميا بأقل الخسائر البشرية (5 ضحايا). في الفترة نفسها كانت احداث تونس تأخذ منحى تصاعديا أدى الى اسقاط النظام وتحكم الجيش بشكل أدى الى استقرار سياسي نسبي وتوقف الاضطراب بعد أسبوعين من انطلاق تلك الأحداث، حصيلة الأحداث التونسية تمثلت في تغيير النظام الحاكم والتمهيد لمسار انتخابي جديد تنافست فيه أطياف المجتمع التونسي وأفرز بطريقة ما بروز جماعات تبنت العمل المسلح الذي أدى إلى سقوط ضحايا من السياسيين والعسكريين والمدنيين، كما أن تعاقب الحكومات والسياسات أشاع الإحباط الواسع لدى الشرائح الهشة من المجتمع التي كانت بالأساس وقوداً للثورة.

التونسيون لم يوقدوا الثورة في بلادهم فقط، بل شجعت ثورتهم الناجحة نسبياً الملايين في مختلف الدول العربية لكي يخرجوا مطالبين بالتحرر من أنظمة حكموا عليها بالفشل في تسيير شؤون حياتهم. الثورات أتت بعد تونس على أنظمة ليبيا واليمن وزارت سوريا ولازالت الأوضاع لم تستتب بعد. لكن نتائجها لم تكن بمستوى نجاح الثورة التونسية.

ليبيا الجارة الشرقية بدأت فيها الاحتجاجات بعد شهر من هروب الرئيس التونسي، وانتهت بعد ثمانية اشهر بسقوط النظام تماماً، وسقوط مفهوم ليبيا كدولة قائمة إذ تقاسمتها المجموعات المسلحة وأضحت بجيشين وحكومتين وسقطت العديد من مدنها في قبضة تنظيمات متطرفة جداً.

المغرب كجيرانه شهد احتجاجات انطلقت بعد ثلاثة أيام فقط من انطلاق الثورة في ليبيا لكنها خفتت بعد خطاب الملك الذي قرر أحداث اصلاحات أفرز دستورا جديداً منتصف عام 2011 ثم انتخابات تشريعية أرست مناخاً سياسياً أكثر هدوءاً وقبولاً في المجتمع.

موريتانيا الدولة الوحيدة البعيدة تقريباً عن كل ما جرى في المنطقة من ارتجاج سياسي وأمني ظل النظام فيها على حاله منذ الإنقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله سنة 2008.

مشهد كهذا ولد الرغبة في الهجرة نحو الضفة الأخرى للمتوسط سواء من المواطنين المغاربيين الذي تعرضوا للعنف أو لفقدان الوظائف أو الأمل أو من سكان منطقة الساحل، جنوب الصحراء، الذين وجدوا فراغاً أمنياً سهّل عليهم عبور الصحراء لخوض تجربة عبور المتوسط.

كما أن انتشار حمل السلاح خارج القانون خلق عصابات تهريب البشر وتسبب في خلق جو مشحون بالترقب في الضفة الأخرى، مشكل الهجرة هذا أخذ بعدا إنسانيا غير مسبوق إذ سجل البحر المتوسط أعلى النسب العالمية لحوادث الغرق أو الاختفاء، فأكثر من ثلاثة أرباع حالات الغرق أو الاختفاء أثناء الهجرة غير الشرعية في كل أرجاء العالم حدثت في البحر الأبيض المتوسط، ونسبة معتبرة أثناء حوادث تحطم لزوارق انطلقت من غرب ليبيا وشرق تونس متجهة لجزيرة لمبدوزا الإيطالية فيما تمكن ما يعادل 121 الف مهاجر من الوصول الى سواحل إيطاليا سنة 2015 فقط.

واقع الطيران البحري المغاربي

مدى الخطورة التي تشكلها السواحل غير المحروسة على اقتصاد وأمن المتوسط وأوروبا جر لاتخاذ اجراء، منذ عام، يقضي باستخدام القوة ضد قوارب من يجزم انهم يستعملونها لتهريب البشر انطلاقاً من سواحل ليبيا. كما حدا بالدول المغاربية المستقرة منها والمضطربة إلى السعي للحد من الظاهرة على الأقل التزاماً بالمطالب الاوروبية، عمل كهذا يقضي بتوفر معدات جوية وبحرية قادرة على الرصد والتعامل مع أهداف صغيرة، هشة وذات حمولة بشرية بكل ما تحمله كلمة بشرية من ضعف وقلة حيلة.

وجود هذه المعدات من عدمه والتحكم في تكنولوجياتها تجلى في القدرة على ضبط السواحل، والخارطة التي نشرتها Le monde الفرنسية تعكس تفاوت المقدرة على رصد وإفشال حركات الهجرة غير الشرعية.

بالعودة قليلاً إلى الوراء كانت ليبيا، ذات السواحل الأطول، تشغل أسطولاً من المروحيات البرمائية من طراز ميل مي-14 Mil Mi-14  المصممة خصيصاً للعمل الساحلي ومكافحة الغواصات، الطائرات الليبية كانت بنسخة الإطفاء ومحاربة الحرائق وعملت كطائرات مراقبة أيضاً، أثناء “الثورة” حُوِّل أغلبها إلى طائرات اجلاء صحي بإخلائها من معدات التصدي للغواصات لتوفير المساحة وأعيد دهنها مرارا، أتى حادث على احداها مطلع العام الحالي، أما الباقية فكانت دائمة التعرض لإطلاق النار لتشابهها الشكلي مع حوامات الـ مي-17 Mi-17  ما حدّ من فعالية المروحيات الثلاثة الباقية. وفي ظل غياب وسائل جوية لمهام خفارة السواحل استعملت طائرات أخرى كالـ مي-24 Mil Mi-24 ، والتي فُقد احداها في عرض البحر قبل عامين.

هذا الواقع سهل من مهمة مهربي البشر والثروات الليبية كما رفع من مؤشر الخطر والخوف من انتقال أفراد ذوي فكر تخريبي إلى أوروبا ضمن سيل المهاجرين.

تونس التي كانت آمنة لزمن طويل تكاد تنعدم فيها أيه طائرات مخصصة للمهام المراقبة الساحلية إلا أن أسطول طائراتها المروحية يحاول تغطية هذا النقص في انتظار تعزيز سلاح البحرية بمعدات جوية مخصصة، هذا السعي تكلل بادماج طائرات سكان إيغل (ScanEagle) غير المأهولة من إنتاج شركة “إنسيتو” (Insitu) ، الطائرات تعمل في سلاح البحرية الأميركية منذ 11 سنة ويُشهد لها بسهولة اطلاقها وتسييريها واسترجاعها ونقلها ما جعلها المفضلة لمهام المراقبة الجوية للسواحل.

كما تدعمت قدرات المراقبة التونسية بـ 12 طائرة خفيفة من طراز ماول أم اكس-7 Maule MX-7 المزودة بمعدات كهرو- بصرية مخصصة للاستطلاع، الطائرات سلّمت في اطار الدعم الأميركي ويمكنها التحليق لثماني ساعات متواصلة وضمان نقل آني للمعلومات الى مراكز الاستقبال الثابتة والمتحركة.

البحرية الجزائرية الأكثر تقدماً في المنطقة لا يُرى عليها بوضوح الانسياق وراء الأحداث بل هي تواصل أعمال التحديث التي بوشرت قبل هبوب رياح “الربيع” العربي، ومنذ 1996 امتلكت الجزائر 5 مروحيات بحرية روسية كاموف-32 تيKa32-T   وشغلتها القوات البحرية لمهام الإنقاذ والمراقبة، لكن نهاية سنة 2004 شهدت حادثاً كان أحد أهم أسباب تحديث سلاج الجو البحري الجزائري. إذ أن رياحاً عاتية تسبب في إغراق إحدى سفن الشحن وتطلب الأمر وقتاً طويلاً قبل وصول مروحية إنقاذ اسبانية وصلت بعد أن فَقد 16 بحاراً حياته، الأمر الذي حتم على البحرية الجزائرية من حينها تقوية معدات الاستطلاع والانقاذ الجوية. حاليا تشغل الجزائر 29 مروحية بحرية تتوزع كالآتي 6 أغوستا ويستلاند 101  مرلين AW101 Merlin (طلبت سنة 2007)، 8 أغوستا ويستلاند 139  AW139 (طلبت سنة 2010)، 4 ويستلاند لينكس 130 Lynx 130 (دخلت للخدمة سنة 2011)، 6 ويستلاند سوبر لينكس 140Lynx 140 Super  (دخلت للخدمة سنة 2014) إضافة إلى خدمات الكاموف 32 التي ألحقت بالقوات الجوية.

يشار إلى أن اقتناء البحرية الجزائرية لثلاث كورفيتات نوع سي 28 آي C28A و 2 تايغر Tigr 20382  و3 فرقاطات ميكو 200 Meko200 وإدراج مركب الانزال والدعم “قلعة بني عباس” يستلزم مرابطة ما بين 11 و 13 مروحية على أسطح هذه القطع، كما أن صناعة سفينة الانزال الثانية وإدراج 4 كورفيتات أخرى من فئةTigr  سيرفع عدد المروحيات المرابطة إلى 18- 24 مروحية وهو ما يبرر توجه الجزائر إلى اقتناء مروحيات أخرى مخصصة للعمل على ظهور القطع البحرية.

المغرب بدوره يشغل أسطولاً جوياً- بحرياً مصغراً Flottille 11F يتكون أساسا من 3 مروحيات بحرية من طراز آي أس-535 بانترAS 535MA Panther سلمت من قبل فرنسا لتشتغل على متن فرقاطات البحث الخفيفة من فئة Floréal  كما يستعين بطائرات القوات الجوية في سد حاجته للعتاد الجوي لمهام خفارة السواحل. ونظراً لتشغيله فرقاطة فريم Fremm  و3 كورفيتات سيغماSigma  وزورق أو في بي 70  OVP-70 واحتساباً لطول ساحله المتوسطي والأطلسي لا بد للمغرب من تعزيز الأسطول المصغر11F  لتمكينه من رصد ومجابهة الأخطار المحدقة وحماية حدود المملكة البحرية.

الساحل الموريتاني اقصر السواحل المغاربية وتعمره مدينتان من أهم المدن الموريتانية، نواكشوط ونواذيبو إلا أن البحرية الموريتانية تبقى جد متواضعة عدة وعديدا وتنعدم فيها أية قطعة جوية بل ان مهام مراقبة السواحل تسند لطائرة باسلر بي تي -67 Basler BT-67  المطورة من هيكل دي سي 3 DC-3 كطائرة نقل وشحن قبل أن تطور مجدداً لتفي بمهام الخفارة البحرية بإضافة معدات رؤية واتصال حديثة. إلا أن انعدام وسائل الإنقاذ الجوية يترك ثغرة لابد من فكها خصوصاً وأن الساحل الموريتاني يعد من أغنى سواحل العالم بالثروة السمكية التي تعد أحد ركائز الاقتصاد الموريتاني، ما يحتم وجوداً دائماً للبحارة في عرض المحيط.

إذا ما انحرفنا بالحديث عن الجانبين الإنساني والأمني اللذان يقتضيان المراقبة ونقل البيانات، واللذان تأثراً سلباً برحى الاقتتال الداخلي الذي حصل بعد “الثورة” الليبية والانفلات الأمني النسبي الذي أتى كعارض جانبي للعملية السياسية التونسية، لا بد من الحديث عن الجانب العسكري الذي يستلزم حضور معدات حديثة للحرب الإلكترونية، ومكافحة الغواصات وغيرها من المهام التي كانت غائبة عن القوات البحرية الليبية – على سبيل المثال- ما سهل من عمل القوات الدولية أثناء عملية “فجر الاوديسيا”، لذا فإن طول الساحل المغاربي وتواجد كل العواصم المغاربية على الساحل يتطلب تطويراً متوازناً للقدرات البحرية بما فيها المعدات الجوية.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.