خطة الدفاع التي يعتمدها تنظيم داعش في الموصل

قوات البيشمركة العراقية بعد معركة مع تنظيم داعش (AFP)
قوات البيشمركة العراقية بعد معركة مع تنظيم داعش (AFP)

العميد (م) ناجي ملاعب –

ثلاثة أسابيع مرت على بدء دحر جماعات “دولة الخلافة” من حول الموصل وصولاً إلى الإعلان عن تحرير خمسة أحياء من أصل ستين حياً تتألف منها المدينة، غير أن القتال مازال مستمراً حتى في الأحياء المحررة، ويضطر الجيش للتراجع في بعض الأحياء ثلاث أو أربع مرات وغالباً ما يحدث ذلك أثناء الليل قبل أن يسترد ما فقد من أرض في اليوم التالي، وذلك بالرغم من الدعم الجوي المتواصل لقوات التحالف الدولي (طلعة جوية كل ثماني دقائق). فما هي خطة التنظيم الإرهابي في التصدي والدفاع؟

عناصر الخطة الدفاعية لداعش تعتمد على:

– مراكز قيادة وسيطرة متطورة تستطيع من خلالها إدارة العمليات الحربية بسهولة وليونة ترتكز على نظام اتصالات متقدم يصعب التشويش عليه. وقد أثبت جهاز القيادة والسيطرة لـ”داعش” فاعليته في مسرح عمليات يمتد من عين العرب غرباً إلى أربيل وخانقين شرقاً ومن سهل نينوى شمالاً إلى جرف الصخر جنوب بغداد جنوبا. كان “داعش” يقاتل على جبهات متعددة في وقت واحد ويناور بالقوات بكفاءة عالية.

– الأسلحة والأعتدة الحديثة والأنظمة والذخائر التي اغتنمها التنظيم من “متروكات” الجيش العراقي الفتي عندما اندحرت ثلاث فرق عسكرية من أمام مجموعات قليلة من المهاجمين من داعش، وهذا ما زال هذا الإنهزام قيد التساؤل بالرغم من التحقيقات المجراة والتي لم تقترن بالتنفيذ بحق المقصرين و”المتآمرين” من المسؤولين المدنيين والعسكريين حتى اليوم.

– العمليات الانتحارية في شاحنات وسيارات مفخخة – ولم تستثنِ مؤخراً آليات الإسعاف والصهاريج والجرافات والدراجات النارية – تفجر في تجمعات القوى المهاجمة وتحصيناتها الأمامية. وتتقدم قوات “داعش” بعد التفجير  مباشرة وتحت تأثير الهول والمفاجأة الى أهدافها.

– الهجوم أثناء الدفاع سبيلاً لإرباك المهاجمين وتنفيذ الإختراقات السريعة والحرفية نحو اهداف خلفية بعيدة عن خطوط المواجهة واختيار اهداف في المناطق المنبسطة لتفادي المعارك في المناطق الجبلية أو الوعرة التي تتطلب وقتا وجهدا لعبور موانعها الطبيعية.

– التدخل بقوة وبعمليات خاطفة باستخدام قوات كبيرة العدد ضد أهداف محدودة الإمكانات وإظهار الشراسة في الهجوم، وأخذ الأسرى العسكريين والمدنيين من أرض المعركة.

هذه العناصر الأساسية التي بانت من استراتيجية التنظيم الإرهابي الدفاعية حتى اليوم، توافقت مع ما نقلته وكالة رويترز عن ضابط بالجيش برتبة عقيد من “إن المعركة التي تستهدف إخراج الجهاديين من معقلهم بمدينة الموصل بدأت تتحول إلى كابوس وذلك بعد أسبوع واحد فقط من اختراق فرقة الدبابات التي يقودها دفاعات تنظيم الدولة الإسلامية على المشارف الجنوبية الشرقية للمدينة”.

ويضيف أن دباباته عديمة الفائدة في مواجهة عدو مدرب تدريباً عالياً وسريع الحركة ويتمتع بكفاءة قتالية شديدة مستغلاً الغطاء الذي توفره الأحياء السكنية والسكان المدنيون أنفسهم ويقول إن رجاله غير مدربين على حرب المدن.

وقال الضابط – الذي طلب عدم نشر اسمه لأنه ليس مخولاً سلطة التحدث لوسائل الإعلام – “في الموصل علينا التقدم داخل مناطق سكنية وتمشيط الشوارع وتطهير البيوت من الإرهابيين والتعامل مع المدنيين. أعتقد أن هذه المهمة في غاية الصعوبة علينا”.

ويمكن بناء عناصر خطة الدفاع المباشر داخل المدن كما يلي:

– شبكة انفاق تمتد أميالاً تحت المدينة – تبلغ أطوالها 70 كيلومتراً على الضفة الشرقية فقط من نهر دجلة الذي يمر عبر الموصل – أذهلت القادة العسكريين من حيث وصفها بمدينة تحتية، ولما تحويه من تجهيزات إقامة دائمة ومستودعات للأسلحة والذخائر وأماكن تصنيع المتفجرات.

– شبكة قنّاصة فوق المباني المشرفة وداخل الطوابق العالية، تعمل في النهار والليل بما يؤدي إلى حرمان الجنود من الراحة وإنهاك أعصابهم. وقال ضابط في جهاز مكافحة الإرهاب لرويترز إن أكبر تهديد يتمثل في القناصة “فأنت لا تعرف أين ومتى سيضرب القناص ضربته”. وقال إن ذلك يمثل مصدرا مستمرا للتوتر بالإضافة إلى الآلاف الذين يحاولون الهرب من القتال.

– القواعد الصارمة للملابس التي فرضت على كافة السكان خلال العامين اللذين سيطر فيهما التنظيم على المدينة. بحيث ألزم الرجال على إطالة لحاهم وفرض النقاب واللباس الشرعي على كافة النساء، ما شكل مسلكاً مبتكراً في تضليل المهاجمين. فهو بذلك تمكن من دمج مقاتليه مع المدنيين بحيث يصعب على القوات المهاجمة التفريق بين المدني أو القنّاص المنسحب بعد أداء مهمته، أو التعرف على عناصر التنظيم إلا بعد فوات الأوان عندما يفجر المهاجم متفجرات سترته أو يلقي بقنبلة يدوية.

– الإنغماسيون وهو التعبير المستخدم للمفجِّر نفسه بواسطة الحزام الناسف – وهذه الطرق لم تكن معتمدة بكثافة في المقاومة الوطنية ضد العدو – واعتماد مفاجأة القوات داخل المدينة بتوجيه الضربات فيما بين الثانية صباحا وساعات الفجر التي تكون الدفاعات فيها عند أدنى مستوياتها ما شكل ارباكاً في معنويات تشكيلات القوى المهاجمة لا سيما داخل الشوارع والأحياء السكنية.

– القتال بإرسال موجات متتالية من الوحدات الصغيرة قوام كل منها 50 مقاتلا للاشتباك مع القوات. وتتكون كل وحدة من مفجرين انتحاريين وقناصة ومقاتلين هجوميين ومقاتلين انغماسيين بالإضافة إلى خبراء في التموين والإمداد واستخدام مدافع المورتر لسهولة حملها ونقلها. وتقاتل كل وحدة لفترة قصيرة فقط ثم تريحها المجموعة التالية، ودون كلل. و”الطريقة الوحيدة التي سيرحلون بها عندما يموتون.” على حد وصف أحد ضباط الجيش، ما يرهق قوى الجيش بحيث لا يمكن أن تغفل عيونها لحظة واحدة.

رغم صعوبة حروب المدن إرادة التحرير أقوى

لم تكن الخطة الدفاعية للتنظيم الإرهابي عاملاً محبطاً لإرادة التحرير فقد توقعت قيادة الجيش العراقي كل الصعوبات وتعاملت معها وفق تطور الأحداث عسكرياً، واستدركت ما يشكله عجز الدبابات عن المناورة في شوارع المدينة الضيقة باستخدام طائرات الهليكوبتر الأميركية من طراز أباتشي لاستهداف المفجرين الذين يستخدمون سيارات ملغومة. وسيستمر الدعم الجوي من قبل طائرات التحالف – وفق تأكيد وزارة الدفاع الأميركية – رغم صعوبة المعركة داخل المدينة في ظل احتجاز التنظيم للسكان كدروع بشرية في مواجهة الغارات الجوية.

يضم تحالف القوى المشاركة في معركة الموصل الجيش العراقي والقوات الخاصة وقوات البشمركة الكردية والفصائل الشيعية المسلحة ويبلغ قوام هذه القوات مجتمعة نحو 100 ألف مقاتل، في مقابل خمسة آلاف مقاتل لتنظيم الدولة يتصدون لتقدم القوات، ومن دون استخدام احتياطياتهم بالكامل.

إرادة التحرير أقوى من خطط واستراتيجية وتكتيكات التنظيم الإرهابي، والأمل بتحقيق النصر تقرأه على جبين قادة القوات المشاركة في العمليات، وما لم يتراخى الدعم المعلن لقوات التحالف الدولي، لا سيما بعد نتائج الإنتخابات الأميركية الأخيرة، فالمعركة باتجاه الحسم ولكن بكلفة عالية.

sda-forum
segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.