الإتحاد الأوروبي ومعالجة الشأن الأمني

هجوم بشاحنة ثقيلة على سوق للميلاد‏ في برلين
هجوم بشاحنة ثقيلة على سوق للميلاد‏ في برلين

عدد المشاهدات: 144

العميد م. ناجي ملاعب 

أسفر هجوم بشاحنة ثقيلة على سوق للميلاد، في برلين، في 18 الجاري، عن مقتل 12 شخصا وجرح العشرات، مخلفا حالة من الاستنفار الأمني بعدد من الدول الأوروبية. وفي الوقت الذي وجهت انتقادات شديدة الى الأجهزة الأمنية اتضحت معلومات أوفى، عن المشتبه في تنفيذه الهجوم، وحُصرت بشاب تونسي يدعى أنيس العامري.

وقالت وسائل اعلام تونسية، إن العامري هذا متورط في سلب بقوة السلاح، في تونس، لكن الأمن التونسي لم يتمكن من إلقاء القبض عليه، ولم يتوصل بمعلومات عنه، حتى الإعلان عن تورطه في هجوم برلين.

وتبين أن العامري هاجر بشكل غير شرعي إلى إيطاليا حيث أمضى ثلاث سنوات قضى معظمها في سجن باليرمو مع سجناء من المافيا الإيطالية كما افاد شقيقه، ومنها غادر في يوليو/ تموز 2015 إلى ألمانيا التي رفضت بداية هذا العام طلبا منه بمنحه اللجوء بعدما تأكدت السلطات من وجود صلة له بجماعات متشددة ولم تتمكن من طرده بعدما فقدت إثره.

بعد حوالي ثماني ساعات من تنفيذه الهجوم نشرت للشاب التونسي (24 عاما) صوراً أمام مركز إسلامي في برلين. وكان آخر تقرير لأمن الدولة الألماني قد كشف أن هذا المسجد المعروف باسم “فصلت 33” في برلين ويعد ملتقى للمتشددين الإسلاميين، مشيرا إلى أن الدروس التي تقدم فيه لمرتاديه وهم غالبا من المسلمين الأتراك ومن منطقة القوقاز تحض على الكفاح المسلح مع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سورية – وفق موقع دي دبليو عربية الألماني.

يفيد تقرير الاستخبارات الألمانية أن الخطورة تكمن أيضا في أن الحركات السلفية الموجودة في ألمانيا بخلاف ما هو عليه الحال في البلدان الإسلامية لا تبالي بالتقاليد الإسلامية، أي أن العناصر القائدة لهذه الحركات يمكن أن تؤثر على صبغتها الدينية بحسب مزاجها الفكري. وهذا في خضم عدم وجود مرجعيات دينية في أوروبا، وتشعر سلطات الأمن الألمانية بالقلق من بعض المنظمات مثل التنظيم المحظور “الدين الحَقّ”. ويقول تقرير المخابرات الألمانية لعام 2015 بأن هذا التنظيم تعاون مع مجموعات تدعو إلى الجهاد.

  وزير الدفاع الفرنسي يعلن أن معركة الرقة في سوريا ستبدأ "في الأيام المقبلة"

ينطلق خطر الإرهاب من وجهتين، كما أوضح وزير الداخلية الألماني: من أولئك الذين يتم تهريبهم من الخارج إلى أوروبا لتنفيذ أعمال إرهابية. ومن أولئك العناصر الذين يتحركون في ألمانيا بمفردهم، ويصعب التعرف عليهم، لأنه قلما تكون لهم اتصالات مع أشخاص آخرين. لكن المجموعتين تشكلان خطرا، وتهديدهما “اليوم واقعي للأسف”.

كما أن جهاز الاستخبارات الألماني يصنف مجموعتين إضافيتين في تقريره لعام 2015 تجندان عناصر خطرة مثل العائدين من مناطق الحروب، وأولئك الذين مُنعوا من السفر إلى مناطق النزاعات في الشرق الأوسط. كما أن التقرير يعتبر أن المخاطر الإرهابية متصلة أيضا بحركة الهجرة إلى أوروبا، إذ “يمكن في زمن الهجرة إلى ألمانيا أن يختبئ عناصر ومناصرون لمنظمات إرهابية بين أفواج اللاجئين”

تشير شرطة الجنايات الألمانية في دراسة صادرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2016 إلى بعض الظواهر المرتبطة بعوامل التطرف. فسلطات الأمن الألمانية تتوفر على بيانات 572 شخصا سافروا منذ 2014 إلى سوريا والعراق. هؤلاء الأشخاص يُعرفون بتواصلهم مع بعض المساجد، كما يترددون على مواقع إلكترونية تدعو إلى المشاركة في الجهاد، كما أن خُمس مجموع هؤلاء الأشخاص تصبح لديهم قناعات متطرفة في أوساطهم العائلية.

تم قتل انيس العامري في تبادل لإطلاق النار بضاحية في مدينة ميلانو بشمال إيطاليا يوم الجمعة 23 كانون الأول/ ديسمبر، وفق إعلان مصدر أمني إيطالي.

ويبقى الحل في اعتماد المزيد من الوحدة الأمنية الأوروبية

في مداخلة له في مؤتمر عقدته مؤسسة كارنيغي في بيروت بداية الشهر الحالي رسم الباحث في كارنيغي أوروبا مارك بيريني، صورة قاتمة لمؤسسات الإتحاد الأوروبي المترهلة والتي تتطلب “الإستبدال” وليس التجديد” فهناك “عدم اهتمام في الخطاب الأوروبي الجامع والملفت أن الأحزاب الكبرى لم تعد تقود الرأي العام، وقد استغل اليمين الذكي وسائل التواصل الإجتماعي ليطرح الحلول البسيطة ولكن الشعبوية، وحتى في داخل الأنظمة السياسية يقود اليمين المتطرف أجندة اليمين التقليدي فالسيد فينيون (المرشح عن اليمين الفرنسي الى رئاسة الجمهورية) يركض خلف ماري لوبن اليمينية المتشددة”، وبرأيه فإن الناخب سوف يختار هذه المرة الأصيل بدل الوكيل، و”سوف نشهد صعود اليمين المتطرف ليس فقط في فرنسا بل في ايطاليا بعد فشل رئيس الوزراء المستقيل رينزي في الإستفتاء على تعديل لصالح الإتحاد وبعد تحقيق اليمين الإلماني نجاحات ملفتة وبعد خروج بريطانيا بنيجة الإستفتاء الذي خذل رئيس وزرائها كاميرون.

  أولى العمليات الجوية من حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول ضد تنظيم داعش

اليوم تدفع أوروبا ثمن عدم تطوير مؤسساتها الإتحادية والأخطر من ذلك أن الثمن الصعب هو نتيجة عدم التوافق على انشاء وكالة موحدة لمراقبة الحدود أقله في “دول الشنغن”، ورفض التعاون المخابراتي الموحد والعراقيل التي وضعت بطريق قيام جيش أوروبي موحد. فالأمن هو تعاون في المعلومات وفي المراقبة والإستطلاع وفي تشريعات موحدة، “فكيف للإتحاد الأوروبي أن يتعهد حماية مخيمات للاجئين في افريقيا مثلاً ولا يستطيع ذلك في تبني سياسة أمنية موحدة في أوروبا” وفق بيرني.

اذا كان نسب لبريطانيا أعاقة تقدم وتطور مؤسسات الإتحاد لأسباب كثيرة، فهي اليوم على طريق المغادرة. والأمل معقود على خطوات جريئة من الجبارين الأوروبيين فرنسا وألمانيا لبذل المزيد من الجهد في تطوير مؤسسات الإتحاد والإقدام على تشريع التكامل الأمني والدفاعي لترسيخ الأمن والإستقرار وعدم الرضوخ للدعوات الشوفينية بإعادة احياء القوميات والعصبيات التي يسعى اليها اليمين المتطرف، فأوربا الموحدة ساهمت في التفاعل الإيجابي مع محيطها العربي والإسلامي، اآسيوي والإفريقي، الى جانب الجار الروسي القريب.

وبذلك تبقى حادثة برلين ومثيلاتها فردية ومسيطر عليها، ولا تساق أوروبا الى محاربة غول هجين أسموه الإرهاب ليحققوا عبره مآرب لم تعد تخفى على أحد.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.