موازين القوى ما زالت لصالح واشنطن التي ستحاول بقيادة ترامب استعادة مكانتها الدولية

sda-forum

عدد المشاهدات: 561

رياض قهوجي –

يشهد العالم اليوم تغيرات كبيرة وفوضى تؤشر إلى احتمال انتهاء النظام العالمي الذي ساد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي وهيمنة الولايات المتحدة كالقوة العظمى الوحيدة في العالم. لكن هذه المتغيرات لم تأت نتيجة تراجع قوة الولايات المتحدة لصالح روسيا والصين بل نتيجة سياسات متعمدة أحياناً وخاطئة أحياناً أخرى من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة. فالمؤشرات الاقتصادية العالمية لا تزال تضع الولايات المتحدة في موقع متقدم جداً من ناحية صلابة اقتصادها وهيمنتها على قطاع التكنولوجيا في جميع مجالاته. فقد تمكنت من النهوض مجدداً من الانهيار المالي لعام 2008، كما حققت إلى حد كبير اكتفاء ذاتيا في قطاع الطاقة ولا تزال المصدر الأول لكثير من الصناعات التكنولوجية.

أما عسكرياً، فالولايات المتحدة لا تزال تتصدر دول العالم من حيث قواتها التقليدية وغير التقليدية، وتحديداً القدرة على فرض قوتها في أماكن عدة حول العالم وخوض أكثر من حرب واحدة في نفس الوقت. ففي حين تملك كل من روسيا والصين وفرنسا حاملة طائرات واحدة لكل منها، تملك أميركا عشر حاملات طائرات منتشرة في محيطات وبحار العالم أجمع. ففي حين احتاجت روسيا أن ترسل معظم أسطولها البحري مع حاملة الطائرات الوحيدة لديها لتظهر قدراتها في سوريا، تستطيع واشنطن أن تنشر أربع حاملات طائرات في آن واحد بين البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي. وفي حين احتاجت روسيا إلى نشر بطاريات صواريخ أس-300 وأس-400 في اللاذقية وطرطوس لتأمين سيطرة على أجواء سورية وبعض الدول المحيطة، فإن معظم المدمرات الأميركية مزودة بمنظومة إيجيس للدفاع الجوي وتغطي راداراتها وصواريخها مساحات كبيرة تشمل كافة الأراضي السورية ومناطق عمل القوات الروسية.

وأظهرت العمليات العسكرية الروسية في سوريا مدى افتقار سلاح جوها للصواريخ والقنابل الذكية حيث استخدمت بنسبة قليلة جداً وشهدنا اعتماداً أكبر على البراميل المتفجرة والقنابل الثقيلة الغير موجهة التي تهدف إلى إحداث دمار أكبر في المباني والمنشآت. حتى الصواريخ الجوالة الروسية البعيدة المدى شهدت استخداماً محدوداً ونتائج ضعيفة. والسبب الأساسي الذي لم تستطع قوى المعارضة السورية من صد هجوم روسيا وحلفائها على حلب هو رفض واشنطن تزويد هذه الفصائل بصواريخ أرض-جو وحتى منعها حلفائها من الإقدام على ذلك. فجميع الخبراء والمراقبين يجمعون على أنه في حال حصول هذه الفصائل على هذا النوع من الصواريخ فإن موازين القوى ستنقلب بسرعة لصالح المعارضة وبأن روسيا ستنسحب بسرعة تفادياً لمواجهتها سيناريو أفغانستان مجدداً، مما سيؤدي إلى انهيار قوات النظام السوري.

  مقاتلات ميغ-29 المصرية ستزوّد بقدرات قتالية متطوّرة

وحتى فيما يخص الترسانة الغير تقليدية من رؤوس نووية وأسلحة دمار شامل، فان أميركا تملك ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية أكثر من مرة، كما هو الحال بالنسبة لروسيا. فكلاهما يملك رؤوساً نووية تكتيكية واستراتيجية، وعليه يملكان قوة رادعة للطرف الآخر ودول نووية أخرى. أما فيما يخص الحرب الالكترونية فان الولايات المتحدة لا تزال تعتبر من أقوى دول العالم وأكثرها تقدما تكنولوجيا على خصومها وحلفائها في أوروبا بسنوات عديدة. وتعتبر الحرب الإلكترونية أو “السيبيرية” من أهم المجالات الجديدة وأحدثها في الحروب بين الدول المتقدمة حيث تستطيع دولة أن تشل البنية التحتية والقدرات الدفاعية لدولة أخرى من دون الحاجة لاستخدام طائراتها وصواريخها أو قواتها العسكرية. وسيكون هذا السلاح أساسي في الحروب المستقبلية بين القوى العظمى لتأمين النصر في أقل خسائر ممكنة.

قرار إدارة الرئيس باراك أوباما الانسحاب من العراق وأفغانستان وتجنبها المواجهة والتدخل لدعم حلفائها حينما هددتهم الثورات في العالم العربي أفسح المجال لخصومها بأن ينتهزو الفرصة ويستعيدو زمام المبادرة. فايران التي كانت حتى عام 2008 تخشى من عمل عسكري ما من إدارة الرئيس جورج بوش الابن والتي استخدمت فائض من القوة باجتياحها العراق وأفغانستان، وجدت (طهران) نفسها تتعامل مع إدارة جديدة تنسحب من المنطقة وتتجنب المواجهة في مياه الخليج ومستعدة للتفاوض وتقديم تنازلات في الملف النووي. أما روسيا فلقد أدى رد الفعل المحدود من واشنطن لاجتياحها جزيرة القرم وأجزاء من أوكرانيا إلى تنامي روح المغامرة لدى الرئيس فلاديمير بوتين الذي زاد من مظاهر أبراز القوة واستخدامها في سوريا لتصبح موسكو القوة الفاعلة الأساسية على الساحتين الدولية والاقليمية (في الشرق الأوسط).

تزايد النزعة الإنعزالية لدى سياسيين في أميركا، خاصة ممن خدمو في إدارة أوباما، جعلت الإدارة الأميركية تركز أكثر على شؤونها الداخلية وتبتعد عن المشاكل الدولية خاصة في الشرق الأوسط المليء بالنزاعات التاريخية. كما أن أوباما آثر استخدام ما يسميه بالقوة الناعمة وهو يعني بذلك قوة أميركا الاقتصادية والدبلوماسية لفرض سياسات واشنطن حول العالم في حين أن خصومه استخدمو القوة العسكرية. سياسة تجنب الانخراط في النزاعات والتراجع عن تهديدات في استخدام القوة وسوء تقدير قوة الحركات الإسلامية المتطرفة من قبل إدارة أوباما أدى الى انتشار الفوضى في المنطقة وتدهور علاقات واشنطن مع العديد من حلفائها في أوروبا والعالم العربي. حتى أن صحف أميركية مرموقة مثل الواشنطن بوست اتهمت سياسة أوباما الخارجية بأنها قوضت زعامة أميركا العالمية بسبب هروبها من مواجهة المشاكل وعدم ممارسة دورها كدولة عظمى. وعليه فان تراجع دور أميركا إقليميا ليس نتيجة تفوق روسيا عسكريا أو اقتصاديا بل نتيجة رفض إدارة أوباما ممارسة دورها كدولة عظمى.

  البحرين مهتمة بتحديث منظومتها للدفاع الجوي بصواريخ أس-300

لكن الوضع في أميركا على وشك أن يتغير إذ أن واشنطن على موعد مع تغير مهم في السلطة بين إدارة ليبرالية إنعزالية أوصلت أميركا إلى أقصى اليسار السياسي وإدارة يمينية يطغى عليها الجنرالات ورجال الأعمال الذين يطمحون لاستعادة عظمة الولايات المتحدة وهم لن يتوانوا عن استخدام أي وسيلة لتحقيق مصالح أميركا وحمايتها بعيدا عن الميثاليات والايديولوجيا ونشر الحريات والديمقراطية. كما أن مجلس الشيوخ والكونغرس يسيطر عليهما الحزب الجمهوري المعروف بدعمه لسياسة التدخل الدولي ومنع صعود قوى منافسة لأميركا، خاصة روسيا والصين. ويتوقع بعض الخبراء المقربين من الرئيس المنتخب دونالد ترامب ومن قيادات ادارته المقبلة أن تمارس واشنطن سياسة التهديد والتصعيد المترافق مع الاغراءات بفرص مثمرة مع من هم مستعدين لتقديم تنازلات بهدف الوصول الى اتفاقيات تناسب أميركا أولا. ويلفت المراقبون الى رد فعل ترامب السريع لطلب بوتين من قادته العسكريين بتعزيز ترسانة روسيا النووية حيث أعلن ترامب عبر تويتر عن نيته تحديث ترسانة أميركا النووية، مما يشير إلى استعداده إلى التصعيد المتوازي والمباشر ضد أي جهة ستحاول تحدي زعامة أميركا الدولية.

المؤشرات من تصريحات ترامب وتعييناته الأولية، خصوصا منصبي وزير الدفاع والخارجية، توحي بأنه سيسعى الى فك الارتباط بين روسيا وايران والى تعزيز دور أميركا في العراق وسوريا عبر لعب دور أكبر في الحرب ضد داعش وفي مستقبل سوريا ذات الأهمية الاستراتيجية الى إسرائيل، حليف أميركا الأول والأهم في المنطقة. فوزير الخارجية المقبل معروف بأنه من أقرب أصدقاء بوتين في أميركا وعليه فمن المنتظر أن يلعب دورا أساسيا في ردم الهوة بين البلدين والتوصل الى تفاهمات استراتيجية، في وقت سينفذ وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي سياسات أكثر تصادمية مع ايران لوقف تمدد نفوذها في المنطقة وتعطيل برنامج صواريخها الباليستية. كما أن ترامب من المرجح ألا يقبل بأي اتفاقيات تخص مستقبل سوريا والعراق لا تكون واشنطن جزءا منها وتضمن مصالحها ومصالح إسرائيل، كما تحاول أن تفعل موسكو اليوم عبر محادثاتها مع أنقرة وطهران وسعيها لعقد مؤتمر الأستانة دون أي تنسيق مع الولايات المتحدة.

  طائرة عسكرية روسية تحصّن بكافة أنواع الصواريخ

تشير المعلومات من مصادر خليجية مطلعة بأن اللقاءات الأولية بين مسؤولين من دول مجلس التعاون الخليجي مع فريق ترامب للسياسة الخارجية كانت مشجعة جدا وتتوقع تحسنا كبيرا في العلاقات بين الطرفين والتي تزعزعت نتيجة سياسات أوباما. وتنتظر القيادات الخليجية بفارغ الصبر استلام إدارة ترامب مراسم الحكم في 20 كانون ثاني المقبل آملة بأن تصدق توقعاتها بحصول تغيير جذري بسياسة أميركا الخارجي لتكون أكثر فاعلية وتضامناً مع مصالح حلفائها في المنطقة. إن الأشهر المقبلة ستشهد تطورات دراماتيكية تأتي نتاجاً للفوز الغير المتوقع لترامب والذي تعهد بإعادة أميركا إلى عظمتها السابقة وبأن تكون الدولة الأقوى عالمياً. فهل يبقى العالم بلا تنظيم وبالفوضى الحالية أو يعود ضمن نظام عالمي أحادي أو ثنائي القطب مجدداً؟         ​

 

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.