في عهد أوباما.. دور البنتاغون في السياسة الخارجية الأميركية (1)

الرئيس السابق أوباما مع جنود أميركيين
الرئيس السابق أوباما مع جنود أميركيين

عدد المشاهدات: 33

في مواكبة انتقال السلطة في واشنطن بين إدارتي الحزبين الديمقراطي والجمهوري وما تمثله الشخصية المثيرة للرئيس الجديد، يسلط العميد ناجي ملاعب الضوء في هذا البحث على – دور المؤسسة العسكرية “البنتاغون” في السياسة الخارجية الأميركية – نعرضه في أربع حلقات تتضمن الأولى منها: مدى تأثير مجلس الأمن القومي والبنتاغون ووكالة الإستخبارات المركزية، ودور لجنة الشؤون الخارجية داخل مجلسي الكونغرس الأميركي (الشيوخ والنواب) إضافة إلى لجنتي القوات المسلحة والإستخبارات وكذلك الصحافة والرأي العام في صورة السياسة الأميركية الخارجية في عهد الرئيس أوباما.

صورة السياسة الأميركية الخارجية في عهد أوباما

فتح الرئيس الأميركي باراك اوباما، صفحة جديدة مع العالم عندما تولى مهامه بصورة دستورية وذلك بعد أن تضررت صورة الولايات المتحدة في الخارج كثيراً بسبب سياسات الرئيس جورج بوش التي اعتمدت على عسكرة السياسة الخارجية عبر اعتمادها على الخيار العسكري بدلاً من القوة الناعمة في معالجة الأزمات على الصعيد الدولي.

وفي معرض بحث هذه القضية، صدرت دراستان في الفترة الأخيرة، الأولى عن مركز السياسة العالمية بعنوان”تغيير المسار: مقترحات تغيير تسليح السياسة الخارجية” تتناول كيفية تحويل دفة السياسة الخارجية وتخليصها من الطابع الهجومي الذي طغى عليها. أما الثانية فهي صادرة عن الأكاديمية الاميركية للدبلوماسية بعنوان “ميزانية الشؤون الخارجية للمستقبل: إصلاح خدمة مجوفة”. وفي المجمل فإن التوصيات التي خرجت بها الدراستان تتشابه إلى حد كبير فكلاهما يحذر من مخاطر عدم الالتفات إلى وسائل الدبلوماسية الأميركية والدبلوماسية العامة والمساعدات الاقتصادية وعمليات إعادة البناء وعمليات التدريب.

السياسة الخارجية الأميركية – من يصنعها؟ ومن يقررها؟

يظهر، من بعيد، أن هناك ارتباكاً وغموضاً في الولايات المتحدة، حيال ملفات السياسة الخارجية ومن يصنعها أو يقررها. لكن هذا الأمر غير مطلق، لأن وزارة الخارجية المعنية بصنع السياسة الخارجية تنفذ السياسة العامة للسلطة، وقد تشارك في رسم بعض خطوطها لكنها ليست الوحيدة التي تحدد معالم تلك السياسة. ويؤكد ذلك حرص وزير الخارجية، جون كيري، او اي وزير خارجية أميركي قبله، على أن الرئيس يريد كذا او قال كذا، أو أن تعليماته تتطلب كذا. ومعنى ذلك أن الرئيس، على المستوى النظري والدستوري هو المسؤول الأول عن رسم السياسة الخارجية، وما على وزير الخارجية وجيش الدبلوماسيين الذين يتبعوه إلا تنفيذ سياسة الرئيس.

  الولايات المتحدة سرّعت وتيرة تعاونها العسكري مع الخليج

وهذا لا يعني انتقاصاً من سلطة الوزير ولكن ما يجب توضيحه أن الإدارة الأميركية سلطة متكاملة تأتي مع الرئيس وتخرج معه، ويمثل الوزير في تلك الإدارة دور المستشار التنفيذي لدى الرئيس، والرئيس ليس لديه مجلس وزراء ولا يدعو الى عقد مجلس وزاري، وهو بيده عزل الوزير ولكنه ملزم في عرض اسم الوزير البديل  على الكونغرس لنيل ثقة الأخير، كما شهدنا ونشهد في تعيين الوزير الجديد اليوم.

وبالطبع، لن يقول الوزير أن هناك مؤسسات أخرى مؤثرة تريد من الدبلوماسية الأميركية أن تتخذ هذا الموقف أو ذاك، مثلما أنه لن ينسب لنفسه قراراً معيناً حتى لو كان منسجماً مع ارادته أو كان هو ذاته من أقنع الرئيس به. يعطي الدستور الأميركي الرئيس اليد الطولى في صنع السياسة الخارجية مقابل تقليص صلاحياته الداخلية، ولكن هذا على المستوى النظري، أما على المستوى العملي، فإن من يستطيع أن يؤثر على الرئيس، هو من يصنع سياسته.

ومن المعروف أن الرئيس الأميركي لا يستقي معلوماته من جهة واحدة، فهو يخضع أيضا أو يضع في حسبانه عوامل كثيرة ويستند الى مؤسسات عدة في صنع القرار، ليست وزارة الخارجية سوى واحدة من تلك المؤسسات. كل ذلك مع العلم أن السفراء الأميركيين في الخارج يمثلون الرئيس ولا يمثلون الوزير. كما أن ما يقرب من نصف الدبلوماسيين الأميركيين في الخارج يعملون بصفة او بأخرى مع دوائر حكومية أخرى حتى وان تبنتهم وزارة الخارجية شكليا.

واذا كان الرئيس، هو المخول باتخاذ القرار، فان الهيئات أو الجهات التي تؤثر على قرار الرئيس الى جانب وزارة الخارجية هي:

مجلس الأمن القومي

مستشار البيت الأبيض للأمن القومي هو المنصب المؤثر جدا، وليس المجال هنا لتعداد صلاحياته ومهماته، ولكن الرئيس يشركه في مناقشة الملفات الحساسة، حتى وان كان من يشغل هذا المنصب لا يحتاج الى مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينه، بل يترك للرئيس الحرية الكاملة في اختياره.                         

  أوباما يبحث قراراً تاريخياً برفع حظر بيع الأسلحة لفيتنام

البنتاغون

قسمت الولايات المتحدة العالم إلى ست مناطق عسكرية، وعينت لكل منها قيادة منفصلة – لعل أهمها قيادة المنطقة العسكرية المركزية الوسطى التي تقع في إطارها دول المشرق العربي وصولاً إلى أفغانستان.

واذا كانت معظم بلدان العالم تقسم أراضيها إلى مناطق ومحاور عسكرية، فإن الجيش الأميركي ليس له أي دور داخل الولايات المتحدة وانما دوره خارجي – ويشتهر من الجيش قوات المارينز العاملة خارج البحار – فهذه القَدم العسكرية المنتشرة في كل بقاع العالم الحارسة للمصالح الأميركية لها صوتها وتأثيرها في صنع السياسة الخارجية. ويمكن القول ان وزارة الدفاع تنخرط في السياسة الخارجية بشكل مباشر على عكس ما قد يتصور البعض. ووزير الدفاع الأميركي هو أقوى صناع السياسة الخارجية بعد الرئيس، وهو شخص مدني يتعاطى السياسة ولا يجوز له ارتداء الزي العسكري.

وقد يتم اختيار جنرال او شخص ذي خلفية عسكرية وزيراً للخارجية، ولكن من المستبعد اختياره وزيرا للدفاع. ومثال ذلك، اختيار الجنرال كولن باول وزيرا للخارجية وليس للدفاع، في عهد الرئيس السابق جورج بوش، وقبل ذلك تعيين الجنرال ألكسندر هيغ، وزيرا للخارجية كذلك. وينطبق ذلك المبدأ على المناصب العسكرية عالية المستوى في وزارة الدفاع بحيث يرأسها شخص مدني. فوزير الدفاع، هو الرئيس المباشر لرئيس الأركان ونائب الوزير لشؤون البحرية (المسؤول المباشر عن قائد البحرية) وذلك من أجل الحفاظ على الطابع المدني للقرار السياسي وعدم هيمنة العسكر على السياسة، وفقاً لما أراده المفكر والفيلسوف وثالث رؤساء أميركا، ثوماس جيفرسون، منذ المراحل الأولى لتأسيس الولايات المتحدة الأميركية.

وكالة الإستخبارات المركزية

لا يوجد في إسم الوكالة الرسمي كلمة الأميركية، حتى وإن أطلق عليها الإعلام العربي إسم الإستخبارات الأميركية، فهي ليست إلا واحدة من بين 16 جهازاً أمنياً في الولايات المتحدة. ولكن طابعها العالمي وطبيعة عملها المتعلقة بالخارج وليس بالداخل، تجعل منها من أهم اللاعبين في السياسة الخارجية الأميركية. وتؤثر في صنع القرار عن طريق تحكمها في الكم الهائل من المعلومات. وتفرّغ الوكالة عدداً من أبرز محلليها لإعداد موجز يومي عن أهم أحداث العالم السرية والعلنية يقدم للرئيس كل صباح عن طريق ” بريفر” ( مقدّم الموجز)، وهو أحد المحللين الذين يتولون الإجابة عن إستفسارات الرئيس عن أية نقطة.

  قريباً.. مساعدات عسكرية أميركية هي الأكبر من نوعها لإسرائيل

في كل الأحوال، فإن وكالة “الإستخبارات المركزية” لا تستطيع أن تستغني لا عن وزارة الدفاع ولا عن وزارة الخارجية، لأن موازنتها في الأساس هي جزء من موازنة الدفاع وعناصرها في الخارج يتحركون تحت غطاء العمل الدبلوماسي، وصلاتها بزعماء العالم الذين أوصلت بعضهم إلى الحكم، تظل عاملاً مؤثراً جدًا على قرار الرئيس في أسلوب التعامل مع أولئك الزعماء إلى درجة تحديد من منهم يمكن إستقباله في البيت الأبيض ومن لا يجوز إستقباله.

الكونغرس والصحافة والرأي العام

تعتبر “لجنة الشؤون الخارجية” من أقوى اللجان داخل مجلسي الكونغرس الأميركي (الشيوخ والنواب) إضافة إلى لجنتي القوات المسلحة والإستخبارات، لأن الكونغرس يعتمد على هذه اللجان وتقاريرها في التأثير على الرئيس ومراقبة ادائه ومناقشة سياساته.

ولهذا فإن البيت الأبيض يضع كبير إعتبار لسلطة الكونغرس على سياساته الخارجية، وغالباً ما تكون تقارير لجان الكونغرس علنية وتجد طريقها إلى الصحافة بسهولة لتكون بذلك الرقابة الشعبية والإعلامية من أهم العوامل المؤثرة التي يضع لها صانع القرار إعتبارا هاماً.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.