دور البنتاغون في عهد أوباما في السياسة الخارجية الأميركية (3)

أوباما مع جنود أميركيين
أوباما مع جنود أميركيين

عدد المشاهدات: 38

يسلط العميد ناجي ملاعب الضوء في هذا البحث على دور المؤسسة العسكرية “البنتاغون” في السياسة الخارجية الأميركية. تتضمن الحلقة الثالثة: مقومات قوة البنتاغون في الإقتصاد الأميركي وجدوى تقوية دور البنتاغون على حساب الدبلوماسية العامة. 

مقومات قوة البنتاغون في الإقتصاد الأميركي

وفقاً للجغرافيا الطبيعية التي تحكم تعزيز الإنتشار العسكري الأميركي فيما وراء البحار يتحتم على الجغرافيا السياسية أن تعطي للمؤسسة العسكرية “البنتاغون” دور حماية الإنتشار السياسي الأميركي. فهو جهاز ينفرد بخصائص أهمها أنه الوحيد الذي يمتلك هذا الحشد الهائل من الأسلحة التقليدية والنووية بما يمثل من مكامن القوة الأميركية، وهو جهاز لا يخضع لسيطرة الكونغرس أو الأحزاب بل ان سيطرة رئيس الولايات المتحدة الأميركية عليه محدودة. وعليه كذلك أن يستجيب لمتطلبات حماية الإنتشار الإقتصادي الأميركي المسيطر عليه عبر الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات، خاصة وان نظام الانتاج الحربي في الولايات المتحدة يقوم على رأس المال الخاص. وهذا يعني ان الأمر قد يصل الى أن تفرض المؤسسة العسكرية على الرئيس اتخاذ بعض القرارات.

يعتقد الدكتور “ديل هيرسبرنغ”، في كتابه بعنوان ” المؤسسة العسكرية الأميركية والرئاسة بأن هذه المؤسسة  سوف تزداد قوة وشراسة لسببين رئيسيين:

الأول اقتصادي: وهو تزايد الشركات الاحتكارية الأميركية في العالم، اذ يتوقع بعض الخبراء الاقتصاديين لها أن تصبح “القوة الاقتصادية الثانية في العالم “بعد الاقتصاد الأميركي المحلي. وهذا سوف يؤدي، بالضرورة، الى توسع هائل في الامكانيات العسكرية للولايات المتحدة الأميركية.

والثاني عسكري بحت: وهو أن استبعاد قيام حرب نووية يتطلب من الدول الكبرى عند الضرورة الابقاء على الأسلحة التقليدية كاحدى وسائل السياسة الخارجية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي الأميركي كريس ماير أنه “مع المال يأتي النفوذ، ولهذا السبب ستحدث الحرب لا محالة حتى يستمر تدفق الأموال، وعندما يفرغون من مبررات الحرب في الخارج، سيروجون لها لدى الشعوب في الداخل عن طريق إقناعهم بضرورة الحصول على مستلزمات الأمن كالطائرات بدون طيار وأجهزة المراقبة وفرق مكافحة الإرهاب وغيرها”.

  إنفاق دول الاتحاد الأوروبي العسكري بلغ 206.1 مليار يورو في 2016

ويذكر ماير بأن مقولة “اقتصاد الحرب الأبدية” يعود إلى الحرب العالمية الثانية وأن نهاية الحرب الباردة بين واشنطن والاتحاد السوفيتي لم تؤد إلى تفكيك آلة الحرب، ولكن دفعت إلى إيجاد أعداء جدد وقضايا جديدة تتمثل اليوم في “الحرب على الإرهاب التي لا يمكن أن يربح فيها أي طرف، والتي توجد سببا للمزيد من الإنفاق العسكري لأعوام كثيرة قادمة”.

ويشير ماير إلى أن الاقتصاد الأميركي بحاجة إلى إنعاش، خصوصا أن “نسبة النمو كانت في انخفاض خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ نما الناتج القومي بالكاد بنسبة 1،4 بالمئة في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي – تاريخ الدراسة عام 2013 – مقارنة بنسبة 2,5 بالمئة في نفس الفترة عام 2012”.

ويؤمن الإستثمار في النزاعات العسكرية المفتوحة دخلاً كبيراً للإقتصاد الأميركي، ويمثل دخل شركات صناعة الأسلحة المرتبة الثانية في اقتصاد الدولة العظمى. ويتوقع ماير، المتخصص في الاقتصاد، تنامي استثمار الشركات جرّاء مفاقمة الصراع العسكري في سوريا نتيجة التهديد الأميركي لسوريا عام 2012 لتسليم ما تمتلكه من أسلحة كيميائية، ويقول “أهم دليل على أن الحرب على سوريا قادمة هو القفزة التي حققتها أسهم شركة رايثون فور إعلان حملة أوباما، فقد حققت أعلى معدلاتها في 52 أسبوعا”. وتعتبر رايثون، وهي الشركة المنتجة لصاروخ توماهوك، السلاح المفضل لأوباما في حال توجيه أي ضربة لسوريا” حسب ما يؤكد ماير. وأشار إلى أن رايثون، التي يعمل بها 73 ألف شخص، هي أكبر مصنع في العالم للصواريخ الموجهة، وحققت الشركة عام 2010 مبيعات قيمتها 23 مليار دولار من منتجاتها العسكرية”.واذا كان توقع ماير لم يتحقق له سبل النجاح فالحرب في سوريا وعليها ما زالت مستمرة وقاتمة الأفق.

جدوى تقوية دور البنتاغون على حساب الدبلوماسية العامة 

تشير دراسة لمؤسسة آي إتش إس “IHS” الاستشارية للفضاء والدفاع والأمن التي تتناول تطورات الأوضاع في أسواق العالم بالتحليل نشرت في 4 شباط/ فبراير 2014  إلى أن ميزانية الخارجية الأميركية تقلصت كثيرا في التسعينيات مستشهدة بذلك بتوقف الوكالة الأميركية للإعلام ( USIA ) United states information agency ) المتهمة بشؤون الدبلوماسية العامة، وخفض أعداد الموظفين في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بسبب نقص التمويل وذلك طوال العقود الثلاثة الماضية حيث انخفضت من 4300 موظف عام 1975 إلى 2200 عام 2007 ولكنها تشير إلى أن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية كانت تحظى بوجود أكبر في الخارج إبان الحرب الباردة مما هي عليه اليوم. فالقائمون على الوكالة يشكلون أحد الأذرع القوية للقوة الناعمة التي تملكها الإدارة الأمريكية.

  سلمان بن عبد العزيز.. تحديات وإنجازات في الحرب على الإرهاب خلال عامين ملكاً للسعودية

فوكالة التنمية هي الوجه الأكثر وضوحا لواشنطن في عديد من دول العالم ويمتد تأثيرها إلى داخل المجتمع المدني الذي تتفاعل معه يوميا. فيما يميل السفراء والملحقون العسكريون التابعون لوزارتي الخارجية والدفاع إلى البقاء في عواصم العالم. وعلى الرغم من أن ميزانية وزارة الخارجية زادت بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، إلا أن معظم هذه الزيادات ذهبت لتدعم وزارة الدفاع في حرب العراق والحرب على الإرهاب حتى أن الميزانية المطلوبة للخارجية للعام (2007- 2008 ) كانت 36 مليار دولار فقط، وهي أقل من الميزانية التي تخصصها وزارة الدفاع لبرنامج الرعاية الصحية للجنود، ولهذا توصي الدراسة الثانية التي وضعها 14 دبلوماسيا سابقا في الأكاديمية الأميركية للدبلوماسية بالإسراع في إعادة بناء الكادر الدبلوماسي الأميركي في الخارج، وزيادة عدد الدبلوماسيين والمتخصصين في عمليات التنمية بحوالي النصف خلال الخمسة أعوام المقبلة بتكلفة تصل إلى 3 مليارات دولار إضافية بخلاف الميزانية المحددة لذلك بالفعل. واقترحت الدراسة تحويل الميزانية المخصصة للبنتاغون المتعلقة ببرامج المساعدة الأمنية والتي تصل إلى 800 مليون دولار إلى وزارة الخارجية، كما توصي بزيادة عدد الموظفين الدبلوماسيين بنحو 4735 ألفا في الفترة من 2010ـالى 2014 أي أن يصل حجم النمو إلى 46 % متزامنا مع زيادة عمليات التدريب وإعداد الموظفين الدبلوماسيين وهو ما يتطلب زيادة ملياري دولار سنويا في الميزانية.

تظهر مراجعة ميزانيتي وزارتي الدفاع والخارجية حجم الفجوة بينهما. في الوقت الذي تم فيه تخصيص أكثر من 572 مليار دولار لوزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) للعام المالي 2009 ، بخلاف 15 مليار دولار شهريا لحربي العراق وأفغانستان، لم تتعدى ميزانية وزارة الخارجية 40 مليار دولار (التي تقترب من ميزانية الأجهزة المخابراتية وحدها).

بعبارة أخرى تبلغ الميزانية العسكرية ما يقرب من 13 أضعاف الميزانية الدبلوماسية. وهو ما يعكس حجم اهتمام إدارة المحافظين الجدد في زمن ادارة جورج دبليو بوش، بالخيار العسكري على حساب الدبلوماسي ولا يعد هذا الوضع مغايرا لما كان عليه من قبل، فالمقارنة التاريخية بين ميزانيتي الوزارتين تحسم دائما لصالح وزارة الدفاع وذلك منذ عام 1947، حيث لم تصل ميزانية الخارجية منذ ذلك التاريخ إلى حد 60 مليار دولار، بل أنها انخفضت لما هو دون ذلك، بينما بلغت ميزانية وزارة الدفاع الى أدنى مستوياتها في تلك الفترة (أواخر الأربعينيات) حيث لم تتعدَ 150 مليار دولار لترتفع إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ أميركا بعد ذلك وأعلاها ميزانية البنتاغون لعام 2009 (وفق الدراسة. فالرقم الحالي لموازنة العام 2015 لامس 600 مليار دولار).

  قائمة الدول الأكثر إنفاقاً على جيوشها

وبالرغم من أن ميزانية وزارة الدفاع تعرضت لتقلبات عديدة ما بين ارتفاع وانخفاض طوال العقود الماضية وخاصة في فترة الأربعينيات والخمسينيات وأثناء الحرب الباردة التي كان متوسط ميزانية البنتاغون خلالها 374.9 مليار دولار إلا أنها في جميع الحالات تتفوق كثيرا على ميزانية الخارجية الفقيرة أمامها حيث يبدو حجم الفجوة كبيراً بينهما.

ملاحظة – في الحلقة الرابعة والأخيرة: وجهة الإستفادة من مقدرات البنتاغون في المساعدات الرسمية الاميركية للتنمية

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.