لماذا لا تصبح كل سوريا مناطق آمنة؟

مركبة عسكرية في سوريا
مركبة عسكرية في سوريا

عدد المشاهدات: 274

العميد م. ناجي ملاعب

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه إقامة مناطق آمنة في سوريا، وأصدر أمراً تنفيذياً بهذا الشأن أمهل فيه وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس تسعين يوماً “لوضع خطة لتوفير مناطق آمنة في سوريا وفي دول الجوار التي لجأ إليها السوريون”. ما مدى جدية الطرح وصعوبات التنفيذ والعواقب المتحملة لاستحداث التكتلات الديمغرافية المتوقعة وتأثير تلك الخطوة على الجيوبوليتيك المتغير في المنطقة؟

الفكرة وضعت موضع البحث من قبل الرئيس الأميركي إبان الحملة الانتخابية، وصرّح حينها ترامب أن على دول الخليج دفع مقابل إقامة مناطق آمنة لحماية النازحين السوريين. وليس الموضوع بجديد فقد طرح قبل ثلاث سنوات من قبل الحكومة التركية بهدف استيعاب موجات النزوح السوري الكثيفة الهاربة من القتال والمتوجهة إلى بلدان أوروبية، من جهة، وتأمين موطئ قدم لقيادة المعارضة السياسية والعسكرية السورية التي تحتضنها اسطنبول ونقلها إلى الداخل السوري لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها. واستبعدت إدارة أوباما في حينه الفكرة بعد نقاش مستفيض، وكان الرفض لسببين، أولهما: لتلافي وضع طائرات الولايات المتحدة والتحالف الدولي  في طريق الخطر مع المقاتلات والقاذفات الروسية التي بدأت بشن حملة جوية ضد “جماعات متشددة” منذ سبتمبر/أيلول 2015. وثانيهما التنسيق الدبلوماسي مع الخارجية الروسية الرافضة أساساً لكل كيانية خارج سيطرة الحكومة السورية.

الموضوع اليوم قطع شوطاً لا بأس به من البحث ونال موافقات هامة مسهّلة من المعنيين؛ فالمحادثة الأولى للرئيس ترامب مع نظيره الروسي بوتين تطرقت الى الموضوع وبدت ملامح الموافقة من وزير خارجيته ولا يضعف تلك الموافقة شرط لافروف بموافقة الحكومة السورية، التي لم تتخذ الموقف الرافض بشرط التنسيق مع الحكومة وإلا ” لن يكون تحركا آمنا وسيعتبر انتهاكا للسيادة السورية.”

  دبابات أبرامز وبرادلي الأميركية تطلق أولى قذائفها في بولندا

لكن ما نشره موقع ديبكا الإسرائيلي الإخباري من أن ترامب اتفق بالفعل هذا الأسبوع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إقامة المناطق الآمنة للنازحين من سوريا، يعطي الإنطباع بأن التنسيق مع روسيا في الموضوع هو على أعلى المستويات، في حين بدى الإرتياح على الموقف التركي – صاحبة المشروع –  و”أنها تنتظر لترى نتائج وعد الرئيس الأميركي”.

الدعم المادي المنشود للمشروع  سيوضع على عاتق المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية بعد تأييدهما ودعمهما، وفق بيان البيت الأبيض في أول محادثة هاتفية أجراها ترامب مع العاهل السعودي وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وتنوي واشنطن الحصول على دعم باقي دول مجلس التعاون، أصحاب المصلحة وفق الرؤية الأميركية.

لم يخرج إلى العلن حتى اليوم أماكن إقامة تلك المناطق – في الداخل السوري أم على حدود الدول المجاورة؟ ومن سوف يتعهّد تكفلها أمنياً واقتصادياً؟، فإذا كان سيتم استيعابها في دول الجوار السوري والتي تستطيع توفير الأمن والنظام فيها، وينتظر تقديم الدعم العربي والدولي لمقومات الحياة الأساسية في تلك المناطق، ولكن تلك الدول – وبعد موافقتها طبعاً – فهي لا تستطيع القيام بالمتطلبات الإدارية وخدمة الأحوال الشخصية وجوازات الإقامة ما لم يتأمن ذلك من المرجعية الرسمية السورية الحالية، وهذا الشأن يقتضي التفاهم حوله مع الحكومة السورية التي تسببت في تهجيرهم وهي لا تعترف بوضعهم الجديد؛ لا بل يدعو وزير الخارجية وليد المعلم كل اللاجئين السوريين الذين “فروا من الحرب في وطنهم” للعودة إلى بلادهم… متعهداً بأن تلبي الحكومة كل احتياجاتهم.

ومن صعوبة التنفيذ اختيار أمكنة لتلك المناطق في الداخل السوري، فالنازحون الهاربون من ظلم السجون السورية والنظام الأمني الذي يلاحق كافة أفراد عائلة المطلوب لا يمكنهم الثقة بالقوات النظامية والمدعومة من فصائل طائفية غير سورية، ولا تشكل المناطق المسيطر عليها من قبل الجماعات المسلحة ملاذاً آمناً لهم في ظل الإدارات الميليشاوية النفعية والأحكام المستحضرة من أيام الخلافة. وحتى لو نعمت المناطق المنشودة بحماية من قوات الأمم المتحدة  فإن حسابات الأطراف المتدخلة في الشأن السوري – سواء الداعمة للنظام أو جبهة النصرة وأطياف المعارضة – ووحشية ممارسات تنظيم الدولة، تبقي الهاجس الأمني مسيطراً وعاملاً ناسفاً لكل الآمال في نجاح هذه الخطوة.

  استقالة مستشار ترامب للأمن القومي.. ضربة كبرى للرئيس الأميركي

وليست الأمم المتحدة جاهزة لوضع القبعات الزرق في متناول أخصام كهؤلاء، في ظل تجارب سابقة غير مشجعة سواء في البوسنة والهرسك أو على الحدود السورية مع الكيان الصهيوني. فهل تقود اندفاعة الرئيس الأميركي إلى ارسال قوات حماية وما يلزم من طائرات ومدفعية ووسائل دفاع جوي وأرضي إلى المستنقع السوري الذي افرنقع منه سلفه؟

خلال خمس سنوات على الأزمة المتفاقمة في المنطقة ونزوح ما لا يقل عن تسعة ملايين سوري – عدا العراقيين واليمنيين والليبيين –  لم يكن هناك من مشكلة، اليوم شعرت الدولة العظمى في العالم بالأزمة عندما لامست أقدام بعض المحظيين من هؤلاء أراضي مطاراتها، فقامت الدنيا لحجزهم في مطارات العالم، وما التفكير المستجد في خلق وانشاء المناطق الآمنة سوى في ابعاد هذا الكأس والبقاء في منأى عما صنعته سياساتهم في دولنا الآمنة.

إن فرصة إعادة النظر في سياسة أميركا في المنطقة تغني الرئيس الجديد من عبئ ما صنعته أيادي وسياسة إدارات أميركية متاعقبة غضت النظر عن القضية الأم قضية فلسطين ويقودها عقل جهنمي لا يهمه سوى أمن وسيطرة دولة اسرائيل رغماً عن منطق التاريخ والجغرافيا.

وعندما تندحر كافة القوى الخارجية عن سوريا سوف تصمت البندقية وتصبح أرض سوريا كلها مناطق آمنة ويعود اليها شعبها.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.