دور البنتاغون في عهد أوباما في السياسة الخارجية الأميركية (4)

segma
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما

عدد المشاهدات: 295

بعد البحث في “مقومات قوة البنتاغون في الإقتصاد الأميركي وجدوى تقوية دور وزارة الدفاع على حساب الدبلوماسية العامة” يسلط العميد ناجي ملاعب في الجزء الرابع والأخير الضوء على وجهة الإستفادة من مقدرات البنتاغون في المساعدات الرسمية الأميركية للتنمية.

إن الإصلاح أو القضاء على جذور عدم التوازن والعنف في الدول الضعيفة، عدا تحديات إعادة البناء في بلدان ما بعد الحروب، تتطلب مقاربة الحكومة بأكملها بين وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس المساعادات الأميركية مع الأخذ بعين الإعتبار بناء قدرات مؤسساتية كحلفاء في العالم النامي.

ومن أهم الركائز في سياسة التنمية الأميركية منذ 11 أيلول 2001 هو ازدياد اهتمام وزارة الدفاع بالنشاطات التنموية التقليدية. فبين 2002 و 2005 إرتفع مقدار المساعدة التنموية وفق مصدر ميزانية البنتاغون، من 5.6 % إلى 21.74 %، أي أن المقدار وصل إلى 5.5 بليون دولار. في الوقت نفسه وسّع البنتاغون رصيده المباشرهم الركائز في سياسة التنمية الأميركية منذ 11 أيلو لتجهيز وتدريب القوى العسكرية الخارجية في العديد من البلاد النامية والمعتبرة مراكز صراع السياسة في “الحرب الشاملة على الإرهاب”. هذه التوجهات قد تؤدي إلى أن تصبح سياسات التنمية الخارجية خاضعة لأجندة أمنية قصيرة الأمد على حساب أهداف دبلوماسية طويلة الأمد كما على حساب بناء المؤسسات في دول العالم النامية. بالإضافة إلى أن الجنود الأميركيين يمكن أن ينفذوا مهام وأعمال يقوم بها مدنيون مهرة مدربون في تحديات التنمية.

إن تفاقم دور وزارة الدفاع وما يوفره من مساعدات رسمية للتنمية، يجلب مخاطر جدية.  فإذا لم يُدر بتأني قد يسيء إلى سياسة أميركا الخارجية وأهدافها في التنمية في البلدان المعنية، كما انه يفاقم من عدم التوازن في الميزانيات الأميركية بين العناصر العسكرية والمدنية في بناء الدولة.

إحدى أهم الدروس التي أعلنها الرئيس بوش بعد أحداث 11/9 في إستراتيجية الأمن القومي، كان…” أن الولايات المتحدة هي الآن أكثر تهديداً من الدول الضعيفة المنهارة أكثر مما تكونه لو أنها استعمرتها. لن تتمكن الأمة الاميركية الصبر أكثر من ذلك وهي تشاهد دولا فقيرة ومحكومة بشكل سيء، ولن تسمح للدول المتحاربة أن تظل كذلك…”. تبع هذا التوجه قيام إدارة بوش خلال السنين الخمس بعدة مبادرات سلام لترجمة هذه الرؤية ضمن سياسة عملية تطبيقية.

  هل يصمد الجيش الأميركي أمام الجيوش القوية في نزاعات العيار الثقيل؟

في الجانب المدني للحكومة، هناك خطوات جدية منها إنشاء مكتب التنسيق لإعادة الإعمار في وزارة الخارجية (في آب 2004)، وإطلاق المساعدات الأميركية: إستراتيجية مساعدة الدول الضعيفة (كانون الثاني 2005) تعيين وزارة الخارجية كقائد لتنسيق إعادة البناء بعد النزاعات (كانون الأول 2005) إعلان دبلوماسية تحويلية (أجندة كانون الثاني 2006) وهي لترقية بزوغ بلدان ديمقراطية ومحكومة بشكل جيد في العالم النامي مترافقة بمخطط واضح لفحص وإصلاح هندسة المساعدة الأميركية الخارجية لمصلحة الأهداف الإستراتيجية. لكن للأسف هذه الأستراتيجيات والتحديثات المؤسساتية لم تكن مترافقة بتوظيف إستثماري في مؤسسات أو إدارات مدنية أميركية مكلفة بتلك الأولويات.

تنكبّ وزارة الدفاع على مهمات القطاع المدني كتأسيس المؤسسات وإحياء الأسواق وإعادة بناء البنى التحتية، بحجة أنه من غير الممكن للمدنيين أن يعملوا في مناخات غير آمنة ولا يوجد فيها كفاءات مدنية. ولذلك ينبغي على جيش الولايات المتحدة أن يساعد الدول النامية على بناء قدراتها وسيادتها كي تحمي حدودها وأراضيها، حيث تتم بذلك محاربة التهديدات، وهذا ما حفّز الإدارة الأميكية لوضع برامج عديدة في وزارة الدفاع لبناء ما يسمى مقدرات مقاومة الإرهاب. هناك تناقض بين ما أعلنته السلطات جهارا بأنها أوكلت إلى وزارة الخارجية الالتزام بقيادة المساعدات الخارجية وبين الموارد القليلة المتاحة لها وللمؤسسات المدنية لتنفيذ هذه المهمة خصوصا عندما تقارن هذه المخصصات بميزانية وزارة الدفاع الضخمة.

إن الإصلاح أو القضاء على جذور عدم التوازن والعنف في الدول الضعيفة، عدا تحديات إعادة البناء في بلدان ما بعد الحروب، تتطلب مقاربة الحكومة بأكملها بين وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس المساعادات الأميركية مع الأخذ بعين الإعتبار بناء قدرات مؤسساتية كحلفاء في العالم النامي.

إن المقدار الكبير لمصروف البنتاغون المخصص لنشاطات التنمية يذهب إلى تصدي أميركا للثورات ولمجهود بناء الدولة في العراق وأفغانستان حيث مددت وزارة الدفاع مهمتها في عمليات حربية شاملة لدعم الاستقرار وإعادة البناء. في الحقيقة من عام 2004 إلى عام 2005 يبلغ مقدار المال المحول مباشرة إلى العراق وأفغانستان حوالي 50 % من كامل مجموع المساعدات الأميركية. والأموال المخصصة للعراق لإعادة الإعمار والتخفيف من المعاناة تبلغ أكثر من 4 بليون دولارـ وهذا المبلغ يشكل أكثر من ثلثي البرامج المؤهلة لتبنيها من قسم المعونات.

  البنتاغون يريد استبدال قسم من القوات الأميركية في سيناء بطائرات من دون طيار

بعد اسقاط نظام صدام حسين في العراق جاهد الجيش الأميركي لإقامة إدارة طوارئ في البلاد. وتشمل هذه الخدمات بدءا من إزالة النفايات إلى إصلاح الأمور الصحية الأساسية وتوزيع مؤونات وترميم وإعادة بناء المدارس والمشافي. إن أموال الطوارئ أتاحت للجيش الأميركي إنجاز هذه الأمور ووظائف أخرى متعلقة بإصلاح الأبنية وإعادة تشكيل البنى التحتية والإجتماعية في العراق. لقد كان برنامج الطوارئ ناجحاً حيث أعطى قادة الجيش إمكانية أخذ المبادرة الفردية لتمويل مدى واسع لنشاطات التنمية في مناخات يكون فيها وجود المدنيين أمراً هامشياً، وحيث يكون تمويل المدنيين شأناً بيروقراطياً. مثلا في الاشهر الثلاثة الأولى للبرنامج في العراق، تم إنجاز 11.000 مشروع بما فيه إصلاح مئات من المولدات المتحطمة وتنظيف الطرقات، والأهم من كل ذلك بناء وإعادة بناء السجون ومراكز الشرطة في كل أنحاء بغداد.

وكان قد حصل البرنامج نفسه في أفغانستان، مع الاعتراف بأن هذه المؤسسة هي أداة غير كاملة وحصل فيها عيوب: فكون البرنامج لامركزي ومتعلق بفعالية ومبادرة القيادة المحلية، كان التنفيذ عرضة للإستغلال والفساد. لكن بشكل عام ووفق التقارير فإن “المشاريع التي تم تحديدها لاحتياجات تكتيكية كانت غايتها الحصول على رضا الشعب وذلك كأدوات أولية لتنفيذ أهداف أمنية أميركية.

بتعبير آخر تم إنشاء برنامج الطوارئ لشراء دعم محلي قصير الأمد أكثر منه لتنمية مستدامة. طالما أن المتطلبات الأمنية سوف تستمر ويستمر معها السيطرة على هذه الأموال، فبإمكان أميركا تحسين فعاليتها المستدامة بتوظيف أخصائيي تنمية من مكتب المساعدات الأميركية ووزارة الخارجية وتصميم مشاريع، وتقييم تأثيرها على الأمن والاستقرار السياسي والعودة بالإقتصاد إلى وضع سوي. لكن هناك إشكالية في الممارسات الرديئة للتنمية وعدم الاهتمام بتطور أسلوب الحكم وسيادة القانون.

خلاصة

عنما وضع الرئيس الأميركي وودرو ويلسون أسس معاهدة فرسايل في نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي اعتمدت كمبادئ مؤسسة لعصبة الأمم كان الهدف الذي اجتمعت له الدول المنتصرة هو طرق ووسائل الحفاظ على السلم العالمي وتلافي قيام حروب شاملة ذات طابع دولي. رغم هذا الإسهام الأميركي في انشاء عصبة الأمم لكن الكونغرس رفض دخول الولايات المتحدة اليها مفضلاً “النأي بالنفس”

  طيارو الجيش الأميركي يتدرّبون على إسقاط المقاتلات الروسية

عن العالم الآخر وحروبه ومآسيه. وهذا مغاير لما تبنته أميركا ما بعد الحرب الكونية الثانية، فـ “الحرب الأبدية هي أحد أعمدة الاقتصاد الأميركي”، كما يقول الخبير الاقتصادي الأميركي كريس ماير. ولم تعد السيطرة على أوراسيا “قلب آسيا” النظرية التي نادى بها ماكندر صالحة عند الأميركان بل ان السيطرة على المحيطات والبحار والمضائق هي التي تمكّن الدولة العظمى من استمرارية وجودها على عرش العالم.

مع نهاية العقد المنصرم وما ميّزه من حروب خاضها البنتاغون في عهد بوش ومواءمة سياسة القوة الناعمة شعار الحزب الديمقراطي مع باراك أوباما في جمع القوة الى الدبلوماسية، ما زالت فاتورة الإنفاق العسكري في ارتفاع هائل، بحيث تنفق على مؤسستها العسكرية أكثر من الدول الأربع عشرة الأكثر إنفاقا على الجيش في العالم مجتمعة، ويذكر بأن “الولايات المتحدة تستحوذ على 45 بالمئة من الإنفاق العسكري في العالم، وهي تضمن أمن 28 دولة ولها 600 قاعدة عسكرية خارج أراضيها حول العالم”. ويمثل الإنفاق العسكري الأميركي 20 بالمئة على الأقل من ميزانية الولايات المتحدة، وسوف تزاد في مطلع العهد الجديد.

هل ستبقى السياسة الخارجية الأميركية خاضعة لإرادة وتحكّم وزارة الدفاع – ومن ورائها صنّاع السلاح – أم سيتغلب مجدداً منطق الرئيس الأسبق جيمي كارتر في حملته الرئاسية العام 1976 القائل:” من غير المنطقي أن تكون الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر وقائدته نحو السلام وهي أيضاً زعيمة العالم في إنتاج الأسلحة وبيعها”، أم أن شعار أميركا أولاً الذي نادى به الرئيس الجديد وبدأ بتطبيقه سوف يحي في العالم الآخر القوميات النائمة في أوروبا إلى جانب روسيا والصين، ويعيد الكونغرس إلى أميركا سياسة العزلة التي اعتمدها بعد مرور قرن من الزمن على الحرب العالمية الأولى!

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.