أهمية تطوير الإجراءات المضادة للتهديدات غير التقليدية في بحريات دول الخليج

كشف الهجوم الأخير على الفرقاطة السعودية "المدينة" قرب مضيق باب المندب مقابل السواحل اليمنية عن مدى خطورة التهديدات غير التقليدية التي تواجه قوات البحرية في دول مجلس التعاون الخليجي وعن الحاجة لاعطاء أولوية لبرامج تعزيز دفاعات السفن الحربية لمواحهة هذا النوع من التهديدات، خاصة وأن القوات البحرية للحرس الثوري الايراني تعمل على تعزيز قدراتها وتكتيكاتها في مجال حرب العصابات البحرية.

نظام فالانكس

عدد المشاهدات: 437

رياض قهوجي – مدير عام مجلة الأمن والدفاع العربي

كشف الهجوم الأخير على الفرقاطة السعودية “المدينة” قرب مضيق باب المندب مقابل السواحل اليمنية عن مدى خطورة التهديدات غير التقليدية التي تواجه قوات البحرية في دول مجلس التعاون الخليجي وعن الحاجة لاعطاء أولوية لبرامج تعزيز دفاعات السفن الحربية لمواحهة هذا النوع من التهديدات، خاصة وأن القوات البحرية للحرس الثوري الايراني تعمل على تعزيز قدراتها وتكتيكاتها في مجال حرب العصابات البحرية.

ولقد أدى الهجوم في 30 يناير/كانون الثاني الفائت الى مقتل اثنين من طاقم الفرقاطة وجرح ثلاثة آخرين. وفي حين ادعى الحوثيون أنهم هاجموا الفرقاطة بصاروخ مضاد للسفن، أظهر شريط فيديو سجلته كاميرا من على متن الفرقاطة السعودية ما يشبه زورقاً سريعاً يصطدم بمؤخرة السفينة محدثاً انفجارا كبيرا.

وكانت قيادة البحرية السعودية أعلنت في حينه أن زورقا انتحاريا للميليشيات الحوثية المدعومة من ايران هو ما ضرب الفرقاطة. الا أن قائد الاسطول الخامس الأميركي والمتمركز في البحرين الفريق كيفن دونيغان قال في تصريح صحفي مؤخرا أن مركباً غير مأهول ومسيراً عن بعد ومحملاً بمتفجرات هو ما تم استخدامه في الهجوم على السفينة السعودية.

تتابع قوات البحرية الخليجية وحلفاؤها في الولايات المتحدة والغرب منذ فترة زمنية بعيدة تطور قدرات ايران في الحرب البحرية غير التقليدية عبر بنائها ما يقارب 1500 زورق سريع وتسليحها، مهمتها شن هجمات جماعية ومباغته ضد سفن حربية أكبر حجما مجهزة بشكل أساسي لحروب تقليدية ضد فرقاطات أو مدمرات أو غواصات. لكن الزوارق السريعة هي صغيرة وسريعة جدا وتكون مسلحة عادة بصاروخ مضاد للسفن أو طوربيد واحد أو اثنين، وتعمد الى انهاك دفاعات سفينة حربية بحجم مدمرة أو فرقاطة وإلحاق أضرار جسيمة بها وحتى إغراقها. فهذه الزوارق الهجومية الصغيرة تتدرب على شن هجمات جماعية ومن عدة اتجاهات بآن واحد، واطلاق صواريخ أو عدة طوربيدات دفعة واحدة ضد هدف واحد ما يجعل مهمة اعتراضها من قبل الاجراءات المضادة على متن المدمرة المستهدفة شبه مستحيلة.

  دعم سعودي كبير للمغرب في مجال التصنيع العسكري المحلي

كما أن إمكانية امتلاك ايران لتكنولوجيا الزوارق الموجهة عن بعد تزيد من تعقيد الموقف وخطورته. لذلك تقوم الولايات المتحدة الأميركية ودول غربية أخرى منذ 15 عاما بتوجيه صناعاتها الدفاعية وقواتها البحرية لايجاد حلول فعالة ضد التهديدات غير التقليدية البحرية. وجاء التوجه الأميركي لتطوير القدرات البحرية بعد أن أظهرت محاكاة سرية عام 2002 لمواجهة بحرية أميركية – إيرانية أن البحرية الأميركية ستمنى بخسائر فادحة نتيجة الزوارق الصغيرة الهجومية لدى الحرس الثوري الإيراني.

أحد أفضل الاجراءات المضادة لتهديد الزوارق الصغيرة السريعة هو عبر نشر سفن هجومية سريعة أصغر حجماً من الفرقاطة أو الكورفيت.

أحد أفضل الاجراءات المضادة لتهديد الزوارق الصغيرة السريعة هو عبر نشر سفن هجومية سريعة أصغر حجماً من الفرقاطة أو الكورفيت. ان السفن الهجومية الصاروخية مثل كومباتانت هي أسرع من السفن الكبيرة ولديها قدرة أكبر على المناورة لمواجهة الزوارق الصغيرة السريعة. ولذلك عمدت البحرية الأميركية الى زيادة عدد القطع البحرية الصغيرة الحجم مثل خافرات السواحل التي تعمل في المياه العميقة. لكن تلك السفن تبقى بحاجة الى قوة نيران دقيقة وسريعة للتتمكن من اصطياد هذه الزوارق بسرعة ومن مسافة آمنة، وعليه استطاعت الشركات الدفاعية ابتكار حلول فعالة لهذا التهديد غير التقليدي وهي: المدافع الرشاشة المتعددة الفوهات والصواريخ الصغيرة الموجهة.

وفي مجال المدافع، فقد تم تطوير مدافع الفالانكس المتعددة الفوهات والمعدة لاعتراض اهداف طائرة من مسافات قصيرة لتواجه الزوارق الصغيرة السريعة. وهذه المنظومة الجديدة وهي فالانكس بلوك 1 بي المميزة بكثافة نيرانها بحيث تطلق 4500 طلقة بالدقيقة الواحدة وهي من عيار 20 ملم. وتوجه هذه المدافع الكترونيا، وتعتمد على رادار مرتبط بنظام توجيه نيران يمكنها من تقفي واعتراض الزوارق السريعة بسرعة ودقة كبيرتين. حالياً، تعتمد معظم السفن الحربية على مدافع رشاشة عيار 12.7 ملم مثبته على جوانبها لاعتراض الزوارق السريعة من مسافات قريبة، بينما تصيب مدافع تصيب أهدافها من مسافة أبعد وبدقة أكبر. ويجب تسليح كل فرقاطة أو مدمرة بمدفعين فالانكس على الأقل لمواجهة هجمات لزوارق سريعة من عدة اتجاهات في وقت واحد. هناك مدافع أقوى من فالانكس من صنع شركة رايثيون الأميركية، مثل منظومة “غول كبير” التي تصنعها شركة تاليس هولندا، والتي تشمل مدفع أفنجر عيار 30 ملم الهولندي الصنع والذي يستطيع اطلاق 4200 طلقة في الدقيقة وبدقة عالية جدا ضد أهداف صغيرة وسريعة حتى مسافة 2000 متر. هناك أيضا مدفع دينيل عيار 35 ملم المجهز لاعتراض الصواريخ والزوارق السريعة من مسافة تصل حتى 6000 متر.

  السعودية تحصل على عقد تحديث لصواريخ هاربون بلوك 2 من بوينغ

أما في مجال الصواريخ، فالصواريخ التقليدية المضادة للسفن هي كبيرة ومكلفة ومن عائلة الصواريخ الجوالة، ما يعني أنها ليست سريعة بشكل كاف لاعتراض الزوارق الصغيرة السريعة. ولذلك كانت هناك حاجة لتطوير صواريخ صغيرة موجهة لاعتراض تلك الزوارق. ولقد تبنت البحرية الأميركية صواريخ لونغ بو هيل فاير التي تصنعها شركة لوكهيد مارتن كمنظومة مثالية تستطيع رصد واعتراض ثمانية زوارق في آن واجد من مسافة تصل حتى خمسة أميال. ولقد تم تسليح سفن فئة ال سي اس بهذه الصواريخ.

صاروخ آخر مضاد للسفن تم تعديله ليستخدم بحراً ضد الزوارق السريعة هو صاروخ بريمستون من صنع شركة ام بي دي آي (MBDA). ويعرف النموذج البحري منه بإسم بريمستون سي سبيرز، وهو من عائلة “اطلق وانسى” العالية الدقة بحيث تستطيع تدمير زوارق من مسافة خمسة أميال.

كما طورت الولايات المتحدة سلاح أشعة اللايزر لاعتراض الزوارق السريعة وقامت بتزويد بعض سفنها الحربية بهذا السلاح ومنها المدمرة بونس التي تعمل في منطقة الشرق الأوسط. ويتميز سلاح اللايزر بقلة كلفته مقارنة بالصواريخ وبعدم انتهاء الذخيرة.

طورت أميركا صواريخ وقنابل ذكية انشطارية تلقى من طائرات حربية تستهدف مجموعات من الزوارق الصغيرة السريعة لتدمير أكبر عدد منها في ضربات سريعة وخاطفة

كما طورت أميركا صواريخ وقنابل ذكية انشطارية تلقى من طائرات حربية تستهدف مجموعات من الزوارق الصغيرة السريعة لتدمير أكبر عدد منها في ضربات سريعة وخاطفة. كما تم تطوير منظومات الرادار والانذار المبكر على متن السفن لتمكينها من رصد تحركات الأهداف الصغيرة والتي قد لا يزيد طول بعضها عن عشرة أمتار لمنع أي هجمات انتحارية مفاجئة.

يشير هذا التطور الكبير في الإجراءات المضادة ضد الزوارق الانتحارية والزوارق الصغيرة الهجومية الى التقدم المهم في جهوزية الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب لمواجهة ايران في حرب بحرية غير تقليدية. ويجب على القوات البحرية في دول الخليج العربية أن تبدأ بدورها في تعزيز دفاعات سفنها كافة ضد التهديدات غير التقليدية لتتمكن من رصد واقتفاء وصد أي هجمات مستقبلية من قبل زوارق انتحارية وغيرها. ويحث الخبير الاستراتيجي في المركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن الدكتور أنطوني كوردسمان في كتاباته الى ضرورة قيام دول الخليج باعطاء أولوية لتعزيز قدرات قواتها البحرية خاصة في التعامل مع تهديدات ايران غير التقليدية مثل الزوارق الصغيرة السريعة والألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن. فلا تستطيع هذه الدول، التي تحيط فيها مياه البحار من عدة جهات وتعتمد على الشحن البحري بشكل أساسي في التصدير والاستيراد، أن تخاطر بخسران سيطرتها على مياهها الإقليمية أو مياهها الاقتصادية.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.