مشاريع اصلاح مجلس الأمن الدولي وانعكاسه على الأمن الجماعي

NEW YORK, NY - AUGUST 30: A United Nations (UN) Security Council meets regarding the on-going civil war in Syria on August 30, 2012 in New York City. UN Security Council negotiations regarding the situation in Syria collapsed last month. (Photo by Andrew Burton/Getty Images)

عدد المشاهدات: 129

العميد م. ناجي ملاعب

الإصلاح هو عملية وليس حدثا، والتغيير لن يتحقق تلقائيا أو بين ليلة وضحاها. ومنذ انشاء منظمة الأمم المتحدة درج الأمناء العامون على تقديم التقارير الداعية الى الإصلاح، وتقدمت الدول، فرادى ومجموعات، بمشاريع اصلاح بما يتلاءم مع المتغيرات الدولية المهددة للسلم الدولي، أو بما يخدم نشوء تكتلات جديدة، أو نمو وتقدم لدول لم يكن يحسب لها الحساب في نهاية الحرب العالمية الثانية، نشأة المنظمة الدولية. كيف يمكن للإصلاح ان يحافظ على دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن في تحقيق وحفظ السلم والأمن الدولي؟

أهداف وغايات مشاريع الإصلاح

في نظرة موجزة على فلسفة منظمة الأمم المتحدة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين ومكانة مجلس الأمن فيها، وفق ميثاق الأمم المتحدة الذي تصدرت ديباجته بما تصبو اليه شعوب العالم باختلاف أنواعها من حرية وأمن وسلم واستقرار (نحن شعوب العالم قد آلينا على أنفسنا…) فان واضعي الميثاق قد اسسوا ميثاقا للمستقبل؛ فلسفته وابعاده تنبثق من قناعة محدودة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية في اطار تصورها لعالم ما بعد الحرب.

وقد افرد الميثاق الفصلين السادس والسابع لمجلس الأمن كي يضطلع بمهمته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين ووُضعت تحت تصرفه امكانيات متعددة للإيفاء بالغرض، سواء ما تعلق منها بسلطته الواسعة في مجال التكيف واتخاذ التدابير اللازمة تبعا لذلك، أو باتخاذ الإجراءات المؤقتة والردعية والعقوبات الإقتصادية والعسكرية. ولهذا الغرض ايضا جعل الميثاق من قرارات مجلس الأمن ملزمة تسري تجاه كافة الدول.

لكن عالم ما بعد الحرب تغير، وتمحورت معظم مشاريع الإصلاح حول الإمتيازات التي حظيت بها الدول الخمس الكبرى سواء بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي او باستعمال حق النقض (الفيتو) وتطالب دول كالهند والبرازيل واليابان والمانيا ( المعروفة بمجموعة الأربعة G4 ( بذات الإمتيازات، يتبعها طلبات من مجموعات دولية كمنظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية بامتياز لمقعد دائم تتناوبه إحدى دولها، فيما تطالب دول أخرى ومنظمات حقوقية وقانونية بتطبيق مبدأ المساواة في شرعة الأمم بإلغاء تلك الإمتيازات، التي كان في استعمالها عرقلة متعمدة لقيام السلم والأمن الدوليين كما في القضية الفلسطينية أو في تسريع وتيرة التدخل في قضايا الشعوب تحقيقاً لمصالح الدول العظمى كاعراق وافغانستان نموذجاً.

  القلق من استخدام السلاح النووي الروسي يفوق ما كان عليه زمن الحرب الباردة

دور فاعل لمجلس الأمن بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة

واذا كان نشاط مجلس الأمن فيما سبق في عصر الحرب الباردة والتجاذب القطبي قد عرف شللاً مستمرا بسبب الإستعمال المفرط لحق الإعتراض – الفيتو – من طرف الدول دائمة العضوية فيه، فإن الوضع لم يعد كذلك منذ سقوط جدار برلين ومخلفات حرب الخليج الثانية حيث انبثق عنها الإعلان عن قيام نظام عالمي جديد وما تبع من تحرر مجلس الأمن من قيوده، فازدادت عمليات حفظ الأمن التي يتدخل فيها مثلما توسع نطاق القضايا والمسائل التي يهتم بها في اطار مهمته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين.

هذا الإنخراط العملاني لمجلس الأمن في البت بقضايا هي من صلب مهماته، لكنها وفي ظل هيمنة نظام العولمة تحت قيادة أحادية، تسببت في اخلال بالتوازن المنشود والمبادئ السامية التي انتدب من أجلها، ما أثار انتقادات ليس فقط لدى الدول المغلوب على أمرها بل لدى الدول دائمة العضوية التي لجأت مجدداً الى استعمال حق النقض لوقف اتخاذ قرارات اعتبرت تدخلاً في السيادة الوطنية وقضايا أخرى.

وكان لهذا الوضع الجديد على الساحة الدولية أن فتح الباب بإلحاح أكثر من أي وقت مضى على ضرورة اعادة النظر في منظمة الأمم المتحدة وميثاقها، سيما ما يتعلق منها بالعلاقة بين الجمعية العامة للمنظمة ومجلس الأمن، واستعمال القوة من طرف المجلس، وتركيبته ومستقبل حق النقض (الفيتو) فيه؛ خاصة وان تهديد السلم والأمن الدوليين لم يعد ينتج عن حالات الحرب والعدوان فقط وانما في حالات السلم ايضاَ ذلك أن للسلم ابعاد اخرى طالما لم تؤخذ في الحسبان، كنقص الغذاء، الفقر، الأوبئة، المجاعة، سوء التنمية، الممارسة اللا ديمقراطية، عدم احترام حقوق الإنسان، والخرق واسع للنطاق للقانون الدولي الإنساني، كل هذه الآفات تعد من بين التحديات الكبرى التي تطرح أمام المنظمة مما يجعلها ملزمة على التأقلم معها لرفعها والإستجابة لها من خلال اصلاح المنظمة وعلى رأسها مجلس الأمن حتى وإن كان ذلك مطلباً قديما قدم المؤسسة ذاتها.

  مدمرة "دايموند" البريطانية في مهمة لا سابقة لها منذ انتهاء الحرب الباردة

دوافع الإصلاح يجب ألا تمس علة وجود الأمم المتحدة

مهما كانت دوافع الإصلاح محقة وضرورية وداهمة، يجب ألا يمس بعلة وجود الأمم المتحدة كمنصة دولية نجحت في نظيم واستحداث قوانين دولية وفق معايير توافقت عليها مختلف الأمم والحضارات، وبدا انتشارها مقبولاً في كافة بقاع الأرض، وأسهمت القبعات الزرق في اعطاء البسمة للمدنيين الضعفاء زمن الصراعات؛ ولنا في لبنان خير مثال على ذلك. وفي هذا الصدد يمكننا أن نستحضر ما صرح به الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون حيث أكد أن “عمل المنظمة يمكن أن يكون أكثر أمام التحديات العالمية التي تطاردها، هذه المشاكل لا تعرف معنى الحدود ولكن يمكن لأي دولة فقيرة كانت أو غنية، قوية أو ضعيفة أن تضطلع بها لوحدها”.

من هذا المنطلق على باقي الدول الأخرى المشكلة لأغلبية اعضاء منظمة الأمم المتحدة والتي تسمو الى تنظيم أقل تركيز وأكثر عدالة وانصاف وتمثيل وديمقراطية أن تواصل جهودعا من اجل الإصلاح مع مراعاة الموضوعية والتعقل في مقترحاتها بما يخدم الصالح الدولي العام كما يستوجب عليها ان تدرك بان وجود المنظمة بجميع نواقصها وعيوبها أفضل بكثير من عدمها لأنها ما زالت تمثل الإطار الأمثل للتعاون والتعايش السلمي بين الدول والشعوب.

هل يساهم الغاء حق الفيتو بتحقيق الأمن الجماعي؟

هكذا نجد أن ما بين الدور الحقيقي المرسوم للمنظمة الدولية كما جاء في الميثاق، والدور المفروض من قبل القوى العظمى التي تتحكم بها مادياً ومعنوياً تكمن إشكالية وجودها، فإن الغاء الدور الوازن للقوى العظمى سواء بالعضوية الدائمة او حق الإعتراض (الفيتو) أو بالإنتقاص من هذا الدور قد يخرجها أو بعضها من تحت المظلة الدولية وهذا وضع جديد لا تحمد عقباه، وقد شهدنا سابقة له في فشل عصبة الأمم عندما استبقيت دول عظمى مؤثرة خارج العصبة.

  تأثير القوّة الصاروخية الإيرانية على موازين القوى الإقليمية- الجزء السادس والأخير

إن حق النقض (الفيتو) هو حافز للجميع لتنفيذ المسؤولية الملقاة على مجلس الأمن في حفظ الأمن والسلم الدوليين وليس أمتيازاً للدول الخمس التي تملك هذا الحق، وتقوم فلسفة حق النقض على مبدأ مفاده هو أن من الأفضل عرقلة عمل المجلس على أن تتفق أغلبية الدول الأعضاء على أتخاذ أجراء أو قرار لا توافق عليه الدول الكبرى لأن الدول المعارضة قد تلجأ الى اجراءات مضادة قد تورط الأمم المتحدة في مشاكل هي في غنى عنها.

ما لم تحترم فلسفة هذا الإمتياز – حق الإعتراض – فلا جدوى من تحقيق وحفظ الأمن الجماعي وترتيباته، فبعد فشل نظام العولمة والقطبية المتوحشة التي وصمته في العقدين الأخيرين، تبقى الآمال معقودة على متغيرات دولية تلزم الدولة المهيمنة على القبول بالإصلاحات في المنظمة الدولية ومؤسساتها لا سيما مجلس الأمن الدولي، قبل أن تتلاشى صيغة الأمم المتحدة وتلاقي مصير سابقتها عصبة الأمم.

 

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.