روسيا والإستثمار السياسي في سوق الشرق الأوسط للسلاح – الجزء الثاني

أسلحة روسية
أسلحة روسية

عدد المشاهدات: 571

الجزء الثاني من دراسة العميد م. ناجي ملاعب

لا تجد الدول المصدرة موانع في بيع السلاح بموجب عقود طويلة الأجل لدول حليفة تحت شعارات مختلفة (حماية الديمقراطية وحقوق الانسان، محاربة الإرهاب والتطرف، الشراكة الاستراتيجية) اذا كان هذا البيع يخدم المصالح السياسية للدولة المصدرة وضمان أمنها المحلي والاقليمي والدولي؛ وقد تصل أهداف تحقيق تلك المصالح الى حد شطب ديون مستحقة، فقد وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 24 كانون الثاني 2015 على شطب معظم ديون سوريا لموسكو (ما يصل إلى 9.8 مليار دولار من أصل 13.4 مليار دولار من ثمن الأسلحة المباعة لدمشق) في مقابل سماح سوريا بإنشاء مرافق بحرية روسية دائمة في طرطوس واللاذقية، وكان لها ما أرادت.

السلاح الروسي في سوريا معبر للدور السياسي

بلغت أرقام قيمة صادرات الأسلحة الروسية الى سوريا في العام 2015 حوالي 15 مليار دولار وقدرت مبيعات العام المنصرم بحوالي 21 مليار. واستغلت موسكو الحرب الدائرة في سوريا لتدخل انتاجها العسكري الحديث الى تلك المعمعة؛ حيث زودت الجيش السوري براجمات صواريخ متطورة وصواريخ ياخونت مضادة للسفن ومنظومات صواريخ مضادة للطائرات من طراز أس 300 تحت شعار مكافحة الإرهاب وذلك تحقيقاً لهدفها الحقيقي هو العودة بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط.

إن التحكم بعملية تسليح سوريا أفسح المجال امام الروس بلعب الدور الأساسي في أية تسوية للمسألة السورية، ومن خلال ذلك الدور تتطلّع موسكو إلى الحصول على مكافأة كبيرة، من دول الخليج العربي بتوقيع عقود جديدة لشراء الأسلحة الروسية من قبل دولتي الكويت والامارات، حيث سبق لهاتين الدولتين أن استوردتا السلاح الروسي.

وتصمّم موسكو أن تحصل على الجزرة الكبرى كمكافأة على انخراطها في حل الأزمة السورية من خلال فتح السوق السعودية أمام صادراتها من الأسلحة، وقد أبدى وزير الدفاع السعودي اهتماماً جدياً بالأسلحة الروسية أثناء زيارته موسكو منذ عامين. وعرض الروس أيضا، فيما يبدو منافسة للسلاح الغربي، بعض التكنولوجيا المتطورة غير المتاحة للبيع بعد، خاصة صواريخ كروز كاليبر غير المعروفة من قبل والتي أُطلقت من سفن حربية في بحر قزوين، ومن القاذفات الإستراتيجية التي اقلعت من موسكو أفرغت حمولتها في مناطق سيطرة داعش في سوريا وعادت من دون توقف، وتعتبر هذه العروض مدخلاً ثميناً للدبلوماسية الروسية على طريق العودة الى الشرق الأوسط.

  جنرال أميركي: قاذفات "بي-52" ستنهار أمام دفاعات روسيا بعد 10 أعوام!

والوحول الليبية قد تجد مرسى للبحرية الروسية

لم تسحب روسيا حاملة طائراتها من السواحل السورية الى مستقرها في البحر الأسود ولكنها عرّجت بها على الشواطئ الليبية، وعلى متن “الأميرال كوزنيتسوف” في 11 كانون الثاني/يناير الماضي تم الاتفاق مع اللواء حفتر المقرب من حكومة شرق ليبيا التي تناوئ حكومة الوفاق الوطني، لتسليحه ودعمه، وهذا الإهتمام الشخصية العسكرية الأقوى في ليبيا يأتي بعد استيلائه على الموانئ الرئيسة في الهلال النفطي.

ويفتح الدعم الروسي لحفتر الأبواب أمامها من أجل الحصول موطئ قدم في شمال أفريقيا بعد محاولاتها على مدى السنوات الماضية. وصرح مصدر عسكري جزائري لموقع”ميدل إيست آي” بأن الروس “طلبوا عام 2010 من الجزائر تسهيل الوصول إلى قاعدة مرس الكبير البحرية بالقرب من أوران لكن النظام رفض في حينه، مضيفا: “أما الآن فقد بات بإمكانهم الوصول عبر الساحل الليبي”.

وتسعى روسيا إلى استعادة نفوذها في ليبيا خاصة بعد الأرباح التي جنتها من الرئيس الراحل معمر ابقذافي وكانت بقيمة 4 مليارات دولار علاوة على التدريب العسكري الذي قدمته وعاد عليها بحليف شديد الولاء في المنطقة.

والأمر الذي كان يعرقل موسكو في مسألة بيع السلاح بشكل مباشر إلى حفتر هو الحظر المفروض من قبل الأمم المتحدة عام 2011 على تصدير السلاح إلى ليبيا وهو الأمر الذي ما زال ساريا حتى الآن. لكن صيغة مبتكرة بالتحايل على العقوبات تم التوافق عليها وتقضي بنقل السلاح الروسي للجزائر لتوفير “شكل من أشكال الدعم الذي يناسب كافة الأطراف ولن يكون عن طريق البيع”.

وعقود ضخمة مع ايران

المواقف المشتركة من الغرب تفتح طريق السلاح الروسي الى السوق الإيرانية  

وكذلك فإن العقود التسلحية الضخمة مع روسيا سوف يضع ايران في خط التعامل المناهض للغرب ويمهد لتفاهمات سياسية مع الروس لم تكن مقبولة في السابق بين الدولتين، وقد يتطور الهدف الاستراتيجي من التسليح ليس فقط بالسيطرة على القرار السياسي للدولة المستوردة بل ربطها بسياسة الأحلاف العسكرية.

  شركة روسية تحدد ثلاث دول عربية يمكنها امتلاك دبابات تي-90

لقد فتحت مواقف الدولتين المشتركة من الغرب طريق السلاح الروسي الى السوق الإيرانية. في نهاية العام الماضي تم الإعلان عن صفقات عسكرية جديدة بين ايران وروسيا تتجاوز قيمتها العشرة مليارات من الدولارات في مجالات الأسلحة البرية – الدبابة الروسية الحديثة تي 90 – أو الجوية بحيث تتطلع الى اقتناء المقاتلة الحديثة من الجيل الرابع والنصف السو35 ، إضافة إلى سعي ايران المتواصل لزيادة وتحديث ترسانتها العسكرية من الصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، واكتمال ارسال أنظمة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية من طراز أس 300 إلى إيران، بداية هذا العام، والتوقيع مع روسيا على اضافة مفاعلين الى جانب المفاعل النووي الذي نفذته مويكو وبدأ تشغيله في العاصمة طهران.

كل ذلك رفع مستوى التسلح لدى الدول العربية الخليجية، في ظل الدور الإيراني غير المتراجع في التدخل في سيادات الدول العربية والخليجية منها على الاخص، وفي مقابل التسلح الإيراني فقد خصصت الكويت 4,2 مليار دولار لشراء 60 صاروخ  باتريوت وتحديث المجموعة التي تملكتها سابقاً الى مستوى باك3، وأنفقت قطر 11 مليار لشراء 24 طائرة رافال ومروحيات أباتشي وصواريخ اضافة الى 11 مليار عقدتها في العام 2015 على التزود  بـ 112 صاروخ باتريوت مع كامل التجهيزات، وعقدت كل من الكويت وقطر والبحرين مع الولايات المتحدة على شراء طائرات حديثة من طراز أف 12 وأف 18 ، والنصيب الأكبر كان للسعودية التي أنفقت 81 مليار أي 17 بالمائة من الانفاق العربي.

كل هذا التسلح الذي يرهق الإقتصاد الخليجي المنهك من حروب اليمن وسوريا هو للحفاظ على التوازن العسكري مقابل التسلح الإيراني المهدد للمنطقة في ظل سياسة ايران الحالية، وتعمل الدول المصدرة للأسلحة لمنظومة مجلس التعاون وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية على استغلاله في خدمة الأهداف الإقتصادية والسياسية.

  الجيش الأميركي يعزز تقنيات الحرب الإلكترونية والمركبات الثقيلة... فهل سيفتح جبهات قتالية جديدة؟

في الجزء الثالث: استراتيجية التسليح ودور الشركات المصنعة

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.