انعكاس مشكلة أنابيب الطاقة وأمنها على الصراع في سوريا – 1

ناقلة النفط Sirius
ناقلة النفط Sirius

عدد المشاهدات: 521

بحث من أربع حلقات إعداد العميد م. ناجي ملاعب

قد لا تكون سوريا بلداً مُنتِجاً كبيراً للنفط أو الغاز في الشرق الأوسط، إلا أنها قادرة على تحديد شكل خريطة الطاقة الإقليمية في المستقبل استناداً إلى ما ستؤول إليه الأحداث في هذا البلد. فموقع سوريا الجغرافي يتيح منفذاً إلى المتوسط للهيئات التي ليس لها مخرج إلى البحر، والتي تبحث عن أسواق لمنتجاتها من الهيدروكربون، كما للدول التي تريد منفذاً إلى أوروبا من دون أن تضطرّ إلى المرور عبر تركيا.

ومع ازدياد أهمية الغاز الطبيعي عالمياً، برز صراع من نوع آخر للتحكم بهذه السلعة الاستراتيجية، من خلال التحكم بمرور شرايين وأعصاب الطاقة الجديدة والمتجددة، وهذه الشرايين هي أنابيب الغاز العابرة القارات، والتي تزداد طولاً يوماً بعد يوم، حيث يتم يومياً إضافة عشرات الكيلومترات منها على سطح كوكب الأرض.

وقد بدأت بالانتشار شرقاً في هضاب آسيا الشمالية والوسطى وسهولها، ووصلت خلال السنوات الماضية إلى أميركا اللاتينية حيث نمت القوة المحركة لصناعة الغاز الطبيعي المسال خلال العقد الأخير من القرن الماضي بشكل كبير.

إنه “عصر الغاز الذهبي” وفق تعبير الوكالة الدولية للطاقة لذلك فإن أمن تلك الطاقة (المنبع وطرق العبور) أصبح في قلب استراتيجيات الأمن القومي لمعظم الدول المستهلكة، وهي عملياً الدول الصناعية الكبرى والتي بات الغاز يشكل عصب اقتصاداتها، في ظل مضاعفة الطلب العالمي كل عشر سنوات نتيجة الاحتياجات المتزايدة.

فمنذ مطلع القرن الحالي، وضع عدد من الخطط لتمديد أنابيب الغاز، منها ما بدأ تنفيذه، ومنها ما لا يزال قيد التخطيط. وقد كانت روسيا السباقة بتنفيذ بعض هذه الخطوط ومحاولاتها الدؤوبة لإحتكار هذا الملف الإقتصادي، مما يعزز موقعها في السوق الإقتصادي الأوروبي على المدى البعيد، بما تمثل الطاقة البترولية المستوردة من روسيا أو من مصادر بترولية أخرى، العصب والمحرك الاقتصادي لأوروبا ونهضتها الاقتصادية.

  وجهة نظر إيرانية حول الحادث مع السفينة الأميركية في مضيق هرمز

لذلك لم يعد من الممكن بالنسبة لدول أوروبا، وبخاصة بعد توظيف روسيا لورقة الغاز سياسياً، السماح بوجود أنظمة في الدول المنتجة تشكل ذات التهديد الروسي أو تكون غير مستقرة سياسياً وفاقدة للشرعية لدى مواطنيها بالشكل الذي يولد توترات تؤثر على إمداد الغاز منها .

لذلك كانت الأنظار الغربية موجهة نحو الشمال الإفريقي (مصر، السودان، تونس، الجزائر، المغرب)، فكانت البداية منها لسببين:

أولهما: استكمال تقطيع أوصال خط أفريكان ستريم الروسي. ثانيهما: لما تحويه المنطقة من احتياطي غازي كبير تم الكشف عنه في ليبيا وتونس والمغرب وفي منطقة الصحراء الغربية.

وبحسب العديد من المحللين الإيرانيين هل يعمد العملاقان الروسي والأميركي إلى التوافق على منع توسع علاقات إيران بجيرانها من الدول الإسلامية شرقاً، وحرمانها من التحكم غرباً في طريق “خط الغاز الإسلامي” عبوراً ومصباً لمنع تنامي قوة الجمهورية الإسلامية الاقتصادية والسياسية في موقع استراتيجي ذي أهمية جيوبوليتيكية؟.

ومن ناحية أخرى، يتساءل الخبراء هل كان من بين اهداف احتلال العراق الحؤول دون حصول الصين على مصادر مباشرة لنفطها ومنها من عقد اتفاقات مباشرة مع العراق؟

وهل من أهمية مستقبلية في المكتشفات المتوقعة من الغاز في الداخل السوري ومياهها الإقتصادية، وهل لبقاء النظام أو استبداله من تأثير في مجرى الشرايين العالمية لخطوط نقل النفط والغاز بين الشرق والغرب؟

هل كانت رؤية الرئيس السوري بشار الأسد الاستراتيجية لمستقبل سوريا (2002) والتي أسماها ربط البحار الخمسة (المتوسط، الخليج العربي، الأحمر، الأسود، قزوين)، عبر العمل على تطوير المرافئ البحرية وسكك الحديد وتحويل سورية إلى عقدة لنقل الغاز وتوزيع الكهرباء حتى تصبح لاحقاً «منطقة حرة تربط بين الشرق والغرب»، هل كانت تلك الرؤية وبالاً على سوريا بدل أن ترسخ موقعها الجيوسياسي؟

  برنامج التوسع البحري السعودي الثاني SNEP II: بالتفصيل !

أو بطريقة أخرى: الى أي مدى شكلت وتشكل مصالح الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة وطرق عبورها سبباً لإستمرار الدورة الدموية المستعرة منذ ست سنوات في هذا البلد؟

هذا البحث سوف يعنى بالإجابة على التساؤلات في ثلاث حلقات إضافة إلى هذه المقدمة تتناول الحلقة الأولى دراسة أهمية شرايين النفط والغاز وتحكّمها في مصير الدول التي تعبرها ضمن الصراع العالمي على الطاقة، فيما تختص الثانية بالملف السوري وتأثير هذا الشأن الإقتصادي الحيوي في اضطراب الوضع الداخلي والإقليمي في منطقة تمثل عقدة مواصلات بين البحار الخمسة في قلب أوراسيا. ونحاول في الحلقة الثالثة رسم طريق لمستقبل مشكلة أثر شرايين الطاقة البترولية في المنطقة وعلاقة الجغرافيا السورية بهذا الشأن بعد ست سنوات من الصراع الدموي ذي الأفق المسدود.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.