شرايين النفط والغاز بين الشرق والغرب: حرب باردة جديدة! – 2

خط أنابيب نابوكو
خط أنابيب نابوكو

عدد المشاهدات: 248

بحث من أربع حلقات اعداد العميد م. ناجي ملاعب

حرب الغاز الباردة بين روسيا وأميركا تنعكس على أوروبا حالة انقسام؛ ففي حين تقف القوى التقليدية في أوروبا (بريطانيا وفرنسا) مع حليفها الأميركي بغية منع روسيا من التحكم في إمداد كامل أوروبا بالجزء الأكبر من طاقتها وتحاول تحرير تلك التجارة، تغرد ألمانيا خارج السرب الأوروبي كون مصالحها تنسجم وخطوط الغاز الروسية التي ستحول أراضي المحيط الجرماني (النمسا- ألمانيا- التشيك- سويسرا) إلى مركز تجمع لخطي غاز السيل الشمالي والجنوبي الروسيين تنطلق منه خطوط لإمداد باقي أوروبا مما يمنح ألمانيا فرصة أكبر للسيطرة على القرار الأوروبي، كما أن التعاون على أساس الاقتصاد مع روسيا قد يشكل فرصة لألمانيا للتنصل من ثقل تنوء به وهو ثقل أوروبا المتخمة بالديون والتابعة للولايات المتحدة.

ولذلك فقد تهيأت ألمانيا لتكون طرفاً وشريكاً لهذا المشروع، إن من حيث التأسيس أو من حيث مآل الأنبوب الشمالي أو من حيث مخازن السيل الجنوبي التي تقع في المحيط الجرماني وتحديداً النمسا.

وفي حين تتقارب وجهة النظر الألمانية منذ البداية مع نظيرتها الروسية حول ضرورة الحل السياسي في سوريا وإمكانية فتح قنوات للحوار مع النظام، تتضح للعيان مواقف بريطانيا وفرنسا الحاسمة من الصراع في سوريا؛ ويشكل دعم الجهد العسكري لفصائل المعارضة المسلحة، والمطالبة الدائمة باتجاه الإطاحة بالنظام وعدم صلاحيته سياسياً للاستمرار، عوامل ثابتة في التعاطي مع هذا الملف الذي طالت شظاياه العواصم الأوروبية.

التعاون الأوروبي الأميركي بديلاً للنفط الروسي

وفي إطار استراتيجيتها للسيطرة على تجارة الغاز، وامداد الحليف الأوروبي بتلك المادة التي أصبحت بديلاً رئيساً للبترول وتداعياته البيئية، قامت الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع شركائها في حلف الناتو بوضع استراتيجية جيوسياسية لإستيعاب جمهوريات الإتحاد السوفيتي الآسيوية في الفلك الغربي، وشراء الغاز منها واستجراره عبر خط “نابوكو” العابر للقارات لنقل الغاز من أواسط آسيا إلى أوروبا يتفادى المرور في روسيا، الأمر الذي سيقلص اعتماد الاتحاد الأوروبي على إمدادات الغاز الروسية.

  مرور الغاز عبر سوريا واكتشافات الطاقة فيها... دور أساسي أم ثانوي في الصراع الدموي - 4

يمتد هذا الخط عبر حوض قزوين ليحمل غاز تركمانستان إلى أذربيجان ومنها إلى أرضروم في تركيا ثم سيمر ثلثا خط الأنابيب عبر أراضي تركيا ومن ثم يعبر بلغاريا ورومانيا ثم المجر إلى منتهاه في محطة تجميع ضخمة في مدينة    Baumgarten an der Marchفي النمسا، وطول الأنبوب 2050 ميلاً أو 3300 كيلو متر.

كما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتوسيع شبكة الأنابيب هذه لتتمكن أيضاً من نقل النفط والغاز من ميناء أكتاو في كازاخستان، من خلال خط يمر تحت بحر قزوين؛ الأمر الذي يستلزم قانونياً موافقة روسيا وإيران على المشروع.

وتخطط واشنطن للإستفادة من تمرير الغاز المصري ليصب في خط نابوكو بالإضافة إلى الغاز القطري الذي رفضت الحكومة السورية عام 2009 مروره في أراضيها واستبداله بالخط الإسلامي المنوي عبوره بالغاز الإيراني إلى العراق متجهاً إلى مصبه في حمص، ومنها إلى أوروبا عبر قبرص.

واستفادت الولايات المتحدة أيضاً من الخلاف بين إيران وأذربيجان بسبب دعم طهران لجمهورية أرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم “ناغورني كاراباخ”، فدفعت باستثمارات هائلة تعدت العشرين مليار دولار في قطاع النفط لأذربيجان في بحر قزوين.

ويعتبر التقرير الاستراتيجي لمجلس الأمن القومي الأميركي أن “الاهتمام بأذربيجان كنقطة انتشار للقواعد والقوات العسكرية الأميركية في البحر وعلى اليابسة، أكثر من ضروري نظراً لموقعها العازل بين روسيا وإيران، وبين بحر قزوين في الشمال والخليج في الجنوب كنقطتي حصار على إيران”.

استراتيجية القوة الصلبة بالحضور العسكري المباشر تعدت الإهتمام بأذربيجان؛ لتنتشر القواعد العسكرية الأميركية ما بين البحر الأسود مروراً ببحر قزوين وصولاً إلى حدود الصين تحت عنوان مكافحة الإرهاب. ويعتبر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية صدر في مارس/آذار 2011 أن “الولايات المتحدة تُدخل بحر قزوين في قائمة أولويات سياستها، وتستمر في مساعدة دول المنطقة على تأمين بحر قزوين من خلال تقوية جيوشها، وعلى الأخص أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان”.

  انعكاس مشكلة أنابيب الطاقة وأمنها على الصراع في سوريا - 1

وكان تحالف غربي بتمويل أميركي قد نجح في تموز/يوليو من العام 2006 في تدشين خط أنابيب جديد لنقل الطاقة – عرف بخطBTC  – لا يمر بالأراضي الروسية، ناقلاً النفط والفيول  من باكو في أذربيجان مروراً بتبليسي في جورجيا ليصب في ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. على أن يتابع طريقه بحراً عبر سواحل المتوسط الى ميناء أشكول في اسرائيل مزوداً بخط آخر للمياه التركية.

طريق عبور الطاقة في حساب الحقل الروسي والبيدر الأميركي:

لمواجهة الاستراتيجية الأميركية بنت روسيا أيضاً استراتيجية مضادة طويلة الأمد، تهدف لتطويق الخط الأميركي لنقل غاز قزوين إلى أوروبا عبر تجفيف منابعه وقطع خطوط عبوره جغرافياً، بالاعتماد على ثلاثة محاور (قانونية- اقتصادية- عسكرية) وهي :

القانونية: تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولجا، وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به، ما جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحله في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر.

الاقتصادية: في خطوة صنفت في خانة “الإسلوب الاحتكاري” أقدمت روسيا على شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي ضمان بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، فإضافة إلى كونها تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم حيث تمتلك 47 في المائة وتعتبر المنتج الأكبر لهذه السلعة الاستراتيجية (29 في المائة) دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من معظم حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، فقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل من تركمنستان التي تنتج حالياً نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، مع التزام معلن “أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو”.

  انعكاس مواقف الأطراف الإقليمية كدول مصدر وعبور للطاقة على الأحداث السورية - 3

وارتبطت أذربيجان مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقع البلدان في حزيران 2009، اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من الغاز الأذري، من دون تعهد الأخيرة ببيع الغاز لـ «نابوكو» إذا وجد فائضا لديها. وأقدمت روسيا كذلك على شراء كامل إنتاج أوزباكستان من الغاز التي تمتلك منه احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب، في عقد طويل الأجل ينتهي عام 2018. وبالتالي فإن محدودية الغاز المتاح للتصدير عبر نابوكو لم يعد يعول عليه مما زاد من الغموض في الجهة التي يعتمد عليها في ملء أنبوب غاز نابوكو.

العسكرية: حرب الخمسة أيام في أوسيتيا الجنوبية 2008 الخوف الجورجي من العبث مع موسكو بعد تلك التجربة، وضم روسيا لجزيرة القرم عام 2013 بعد الأزمة الأوكرانية، كانتا رسائل قوة لكافة الدول السوفيتية السابقة وبخاصة الأوراسية منها والتي كانت تعول عليها واشنطن لملء نابوكو. الأمر الذي حدا بدول أوراسيا للاستسلام “للقوة الصلبة” الروسية والدخول معها في اتحاد اقتصادي هو الاتحاد الأوراسي مطلع 2015. وبذلك يكون بوتين قد قطع الطريق ليس على الطموحات الأوروبية والأمريكية فقط في منطقة قزوين بل وعلى الطموحات الإيرانية للتمدد في تلك المنطقة  .

القواعد العسكرية الأميركية في أوراسيا وما قابلها من إظهار القوة واستخدامها من الجانب الروسي دفاعاً عن مصالح اقتصادية هل يدخلنا في حرب باردة جديدة؟

في الفصل الثالث من هذا البحث سوف نتطرق الى “مواقع ومواقف الأطراف الإقليمية كدول مصدر وعبور للطاقة”.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.