أميركا: بين الديبلوماسية والقوة العسكرية

"أم القنابل" الأميركية
"أم القنابل" الأميركية

عدد المشاهدات: 30

محمد السمّاك –

في الولايات المتحدة ظاهرة مثيرة للغاية.

يتمثل الوجه الأول لهذه الظاهرة في قرار الرئيس دونالد ترامب زيادة موازنة وزارة الدفاع 54 مليار دولار؛ وفي تخفيض موازنة وزارة الخارجية 37 مليار دولار.

ويتمثل الوجه الثاني للظاهرة في أن 120 جنرالاً أميركياً من الجيش والبحرية والطيران وقّعوا على رسالة مشتركة وجهّوها إلى الرئيس الأميركي يطالبون فيها بزيادة موازنة وزارة الخارجية.. وليس وزارة الدفاع!

ماذا تعني هذه الظاهرة بوجهيها؟

المعنى الأول هو أن الرئيس الأميركي يعتمد في سياسته الخارجية على وزارة الدفاع، وليس على وزارة الخارجية. أي على القوة العسكرية وليس على الديبلوماسية.

والمعنى الثاني هو أن أركان القوات الأميركية المسلحة يؤمنون بأن الديبلوماسية هي أشد فعالية وأفضل أثراً من القوة المسلحة لتمكين الولايات المتحدة من إقامة علاقات أمنية مع دول العالم.

وفي الإحصاءات الرسمية الأميركية إن تكلفة جندي واحد يعمل خارج الولايات المتحدة تعادل تكاليف بناء أربعين مدرسة في الدول النامية. وهذا يعني أن تكاليف مئات الآلاف من الجنود الأميركيين المنتشرين في القواعد العسكرية في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية تكفي لاجتثاث الأمية.. ولمعالجة الفقر في العالم كله.

واستناداً إلى الأمم المتحدة فإن ثمة 20 مليون إنسان يعانون المجاعة في أفريقيا والشرق الأوسط فقط. وقد ارتفع هذا الرقم مؤخراً نتيجة الجفاف الذي ضرب شرق أفريقيا.

وفي الإحصاءات الرسمية الأميركية أيضاً، فقد تمت تصفية 648 حركة أو منظمة إرهابية في العالم بين عامي 1968 و2006. وإن ذلك جرى من خلال الاحتواء السياسي والعمل الديبلوماسي في الدرجة الأولى. ومن بين تلك المنظمات الإرهابية، تمّ القضاء على 7 في المئة فقط منها، أي 32 منظمة بالقوة العسكرية.

من هنا فإن الديبلوماسية (القوة الناعمة) أكثر فاعلية من العسكرية (القوة الخشنة) في معالجة القضايا المتعلقة بالعلاقات الدولية، بما فيها القضايا الأمنية. وهذا ما أدركه الجنرالات الـ120 الذين وقّعوا الرسالة المشتركة، وهو ما لا يدركه الرئيس الأميركي الجديد.

  هل توسّع واشنطن حملتها العسكرية ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق؟

ولكن، وحتى لا يُظلم هذا الرئيس، لا بد من الإشارة إلى أنه ليس الرئيس الوحيد الذي أهمل القوة الناعمة وتجاهل دورها، واعتمد على القوة الخشنة. ففي مدينة نيويورك وحدها، يوجد من رجال الأمن ضعفي عدد الديبلوماسيين الأميركيين في العالم. بل أن عدد أعضاء عناصر الفرق الموسيقية العسكرية في الجيش الأميركي، يفوق عدد جميع الديبلوماسيين الأميركيين العاملين في السفارات والبعثات الديبلوماسية الأميركية في العالم.

ويبدو أن الولايات المتحدة تؤمن كغيرها من الدول الكبرى، وتعمل بموجب عبارة الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ التي قال فيها: «إن القوة السياسية تتدفق من فوهة المدفع»!

ولكن هل تستطيع الولايات المتحدة أن تقضي، مثلاً، على تهريب المخدرات إلى مدنها بقوة المدفع؟ فالمخدرات أصبحت القاتل الأول في المجتمع الأميركي، إذ يموت سنوياً من جراء تناول المخدرات أكثر مما يقتل من الأميركيين في الحروب الخارجية (في العراق وأفغانستان معاً).

لقد نجحت القوات الأميركية في منع تمدد حركة طالبان، كما حالت دون انتشار خطرها. ونجحت في حصره في الداخل الأفغاني، ولو الى حين، ولكنها لم تنجح في منع وصول المخدرات الأفغانية إلى المستهلك الأميركي.

لقد استخدمت واشنطن كل الوسائل العسكرية مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي للقضاء على تلك الحركة المسلحة، ورغم سقوط مئات الآلاف من الضحايا، فإن العمل العسكري وحده أثبت عدم جدواه. لقد قُتل الآلاف ودُمرت قرى ومدن ومنشآت، ولكن لم تبنِ الولايات المتحدة مستشفى ولا جامعة، ولا شقّت طريقاً عاماً. كل ما فعلته اقتصر على تدريب العسكريين الأفغان.. الذين يوجهون اليها الضربات الموجعة من الخلف عندما تسنح لهم الفرصة!

من هنا، ليس بالقوة وحدها تساس الدول. وليس بالقوة وحدها تحقق هيبتها وتفرض احترامها. هكذا يقول جنرالات الجيش الأميركي للرئيس ترامب. ولكن للرئيس منطقاً آخر.

  الصين تحذر من نزاع "يمكن أن ينشب في أي لحظة" في كوريا الشمالية

موقع “المستقبل”

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.