انعكاس مواقف الأطراف الإقليمية كدول مصدر وعبور للطاقة على الأحداث السورية – 3

العميد (م) ناجي ملاعب

خط الغاز الفارسي
خط الغاز الفارسي

عدد المشاهدات: 260

قطر، تركيا، إيران، ثلاثة أطراف إقليمية فاعلة من حيث دورها في إنتاج وعبور الغاز – طاقة العصر الواحد والعشرين – ومنخرطة ومعنية مباشرة في الملف السوري، فهل لخطوط الغاز الدور المحوري في الصراع الدائر في هذا البلد؟

تركيا والطموح إلى احتكار عبور الطاقة إلى أوروبا

الموقع الجيوسياسي لتركيا يغري طموحات حكومتها في أن تكون جسراً للطاقة تلتقي فيها خطوط الغاز والنفط من الشرق الأوسط، القوقاز والبحر الأسود، وتختزن قدرات نقله إلى أوروبا المتعطشة للطاقة. وهي بالإضافة إلى موقعها الحليف للغرب، بانتمائها إلى حلف الناتو، فقد أفادت من تقربها السياسي والإقتصادي مع موسكو لإبرام اتفاق السيل التركي لتمديد أنابيب الغاز الروسي إلى دول أوروبا الجنوبية.

وحيث ترتبط تركيا بعلاقات اقتصادية قوية مع إيران، بالرغم من تباعد الرؤية السياسية، ترغب أنقرة في نقل الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر أراضيها من خلال الخط العابر للأناضول، ثم الخط العابر للأدرياتيكي الذي من المخطط أن يمر عبر اليونان وألبانيا وصولاً إلى إيطاليا وهو المشروع المعروف بـ”خط الغاز الفارسي”، ولكن في المقابل تحرص طهران على عدم حصر صادراتها في هذا الخط، وتُفضل توزيع الغاز عبر “الخط الإسلامي” المفترض أن يتجه إلى سوريا، عبر العراق، ومنها نحو قبرص ومن ثم إلى أوروبا، وهو ما لن تسمح به أنقرة كونه سيمنح امتيازات حماية لقبرص ويقوي موقفها دولياً في خلافها مع تركيا، وهو من ناحية أخرى يكسر الدور الإحتكاري الذي تطمح تركيا إلى ممارسته.

لذا فإن إحدى أهداف تركيا من دعم الحراك الثوري السوري وإسقاط النظام الحالي القضاء على مشروع خط الغاز الإسلامي لإجبار طهران على القبول بالأمر الواقع، وتصدير غازها عبر الخط الذي تقترحه أو الضغط عليها لتحويل مسار الخط الإسلامي ليتجه من سوريا إلى تركيا فأوروبا. وإفساح المجال للحليف القطري بتمرير منتجاته من الغاز إلى تركيا، عبر سوريان كرافد لخط نابوكو. ويجمع خبراء على أن بقاء النظام الحالي في سوريا سيضعف من الدور الذي كانت تطمح إليه تركيا في جانب من جوانبه ألا وهو عبور الطاقة، وسيضع سوريا في موقع المنافس المحتمل لتركيا في نقل الغاز إلى القارة الأوروبية مستقبلاً.

  انعكاس مشكلة أنابيب الطاقة وأمنها على الصراع في سوريا - 1

رهان قطر على خط الغاز العربي

سوق الغاز المسال التي تسيطر عليها قطر عرضة لدخول العديد من المنافسين، لذا تراهن قطر اليوم على إيصال غازها بالأنابيب التي تعتبر أقل تكلفة من عمليات إسالة الغاز ونقله، تسعى الحكومة القطرية إلى إيجاد وسيلة أكثر استقراراً لنقل صادراتها إلى الأسواق الأوروبية وذلك عبر “خط الغاز العربي” الذي ينطلق من مصر ويمرّ عبر الأردن وينتهي في سوريا، بحيث يغذي طرابلس اللبنانية عبر فرع من حمص. وتخطط قطر لتفادي المرور في الأراضي العراقية في خط يمر عبر السعودية ثم يتم دمجه بالخط العربي في الأردن لينتهي في حلب بسوريا ومنها إلى كلس التركية باتجاه مرساه الأوروبي.

ومحاولة قطر تفادي تمرير صادراتها عبر مناطق نفوذ إيرانية، برزت مؤشراته بعد الإرتياح الإيراني لنتائج الإتفاق النووي ورفع العقوبات، وسعي إيران لرفع إنتاجها من حقل غاز الشمال المشترك مع قطر، وهو حقل غاز طبيعي يقع في الخليج العربي تتقاسمه كل من قطر وإيران، وهو أكبر حقل غاز بالعالم.

لقد شكلت الثورة السورية بالنسبة للدوحة فرصة مناسبة للإطاحة بمشروع منافستها إيران في سوريا، لتلعب دوراً – أو لتعزز دورها شبه في تصدير الغاز إلى أوروبا، ولتركيا الحليفة لتكون الممر الوحيد للطاقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

أمن الطاقة الإيرانية في سوريا مسألة أمن قومي

إن موضوع النزعة الإمبراطورية لإيران وسلوكها طريقاً محورياً في المنطقة (العراق، سوريا، لبنان) لم يعد بحاجة إلى شرح فقد استنفد بحثاً وتحليلاً على الصعيد السياسي، وتنظر الجمهورية الإسلامية إلى أمن الطاقة الإيرانية في تلك البلدان مسألة أمن قومي.

وبالإضافة إلى الكشوفات الجديدة من الغاز في الساحل السوري، واللبناني، والتغلغل المطرد في السوق العراقية النفطية وفي حال انتصار المحور المسمى محور الممانعة صاحبة ثاني أكبر احتياطي عالمي بعد روسيا، وبالتالي إلى لاعب عالمي جديد وكبير في سوق الغاز ينافس روسيا وقطر على صعيد التصدير، خاصة بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات الذي سيتيح لها تطوير منشآتها ويفتح الأسواق التي كانت مغلقة أمامها.

  الحرب الأميركية ضد داعش والاستعصاء السوري

لذلك فإن إيران تعد أهم الأسباب الجيوسياسية في الأزمة السورية وتعقيدها عبر مشروعها المسمى خط الغاز الإسلامي، مع تطوير إيران المستمر لقدراتها لاستخراج احتياطاتها من حقل جنوب فارس (14 تريليون متر مكعب) الذي تشترك فيه مع قطر تسعى إيران إلى توسيع دائرة زبائنها لكسر الحصار الغربي المتزايد عليها وزيادة مواردها الاقتصادية.

ويمثل مشروع “خط الغاز الإسلامي” إحد أكبر مشروعات إيران الاستراتيجية لتصدير الغاز من حقل جنوب فارس – الذي تشترك فيه مع قطر باحتياط يقدر بـ 14 تريليون متر مكعب – إلى العراق، سوريا ولبنان، ومن ثم ليمتد في المستقبل إلى أوروبا كما تخطط طهران. وسيحرم امتلاك إيران منفذاً على المتوسط تركيا من قدراتها بالسيطرة وحيدة على خطوط الغاز القتدمة من الشرق.

ونتيجة لمفاوضات إيرانية أولية مع كل من العراق وسوريا لمناقشة المشروع توصلت الدول الثلاثة إلى اتفاق لتنفيذ المشروع بتكلفة 10 مليار دولار، وأخيراً في تموز/يوليو 2013 اتفق الجانبان العراقي والإيراني على زيادة حجم الغاز الذي سيتم تصديره.

سينطلق خط الغاز من عسلوية المُطلة على الخليج وصولاً إلى الحدود العراقية، ليتم ضخ الغاز إلى العراق عن طريق خطين فرعيين، خط عيلام الذي سيغذي بغداد، المنصورية والصدر، وخط خرمشهر الذي سيغذي البصرة، ومن المتوقع أن يبلغ حجم الغاز المُصدر إلى العراق عن طريق الخطين 40-45 مليون متر مكعب يومياً، ثم سيتفرع خط الغاز العراقي الذي سيبلغ 500 كيلومتر من داخل الأراضي العراقية ليغذي دمشق بطاقة 25- 30 مليون متر مكعب يومياً عبر خط يبلغ طوله 600 – 700 كيلومتر، كما أن الخط سيتفرع من داخل الأراضي السورية ليغذي الجنوب اللبناني بطاقة 5 – 7 مليون متر مكعب يومياً. من المتوقع أن تدر صادرات الغاز من هذا الخط 3.7 مليار دولار سنوياً إلى الخزانة الإيرانية، أما في المستقبل البعيد فإن إيران تخطط لمد خط الغاز إلى قبرص فاليونان ثم إيطاليا من لبنان عبر المتوسط ليبلغ طول الخط 4900 كيلو متر.

  شرايين النفط والغاز بين الشرق والغرب: حرب باردة جديدة! - 2

إذاً فمشروع الخط الإسلامي لا يجعل من بقاء النظام السوري الحالي خياراً مهماً بل ضرورة حتمية بالنسبة للجمهورية الإسلامية لتأمين مشروعها الاستراتيجي، ليس فقط من أجل استمرار المشروع في سوريا بل لضمان أيضاً استمرار دور حزب الله السياسي والأمني في لبنان على المدى البعيد لمد الخط إلى أوروبا مستقبلاً، لذا فإن أمن إيران الاقتصادي المُهدد بشكل متزايد يجعل من أمن الطاقة في سوريا لدى صناع القرار الإيرانيين مسألة أمن قومي.

سنعالج في الجزء الرابع والأخير انعكاس تلك الوقائع على الصراع في سوريا والطموح الإسرائيلي في لعب الدور الرديف في نقل الطاقة.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.