مرور الغاز عبر سوريا واكتشافات الطاقة فيها… دور أساسي أم ثانوي في الصراع الدموي – 4

أنبابيب غاز
أنبابيب غاز

عدد المشاهدات: 1138

العميد م. ناجي ملاعب

هل فعلاً يشكل الغاز الطبيعي في البحر المتوسط أو مشاريع مرور الغاز من قطر أو إيران محركاً للصراع على سوريا أم مجرد شائعات صحفية لا تستند لأدلة علمية موثقة؟

حقول الغاز والنفط المكتشفة في شرق البحر الأبيض المتوسط حقول واعدة وضخمة نسبياً، لكنها بالتأكيد لن ترفع دول هذه المنطقة إلى مصاف الدول الأكثر إنتاجاً أو تأثيراً على السوق العالمي. وحصة سوريا هي الأقل حسب كل الدلائل العلمية الموثقة حتى الآن. ما هو مؤكد أن هناك كمية كبيرة من الغاز بالمياه السورية الإقليمية بالنسبة لمخزون سوريا الحالي المقدر بـ 9 تريليون قدم مكعب، لكن من المستبعد أن يصل هذا المخزون للكمية المتخيلة والمسوّق لها إعلامياً بأنها ستحول سوريا لدولة منافسة لقطر أو إيران أو روسيا من حيث إحتياطيات الغاز. لذلك الغاز والنفط السوري هما أضعف المحفزات في هذا الصراع على مستقبل وشكل سوريا.

لكن أنابيب نقل الغاز من مصادره الشرقية إلى أوروبا وأمن تلك الطاقة تعتبر مربط الفرس في المصالح الجيوسياسية للدول الإقليمية، وهي أيضاً التي ترسم ملامح أدوار تلك الدول في الأزمة السورية وما تعقيد تلك الأزمة إلا نتيجة لتضارب مصالح الدول المصدرة والمستوردة وتشابكها وتداخلها، فقد لا تكون سوريا مُنتِجاً كبيراً للنفط أو الغاز في الشرق الأوسط، إلا أنها قادرة على تحديد شكل خريطة الطاقة الإقليمية في المستقبل استناداً إلى ما ستؤول إليه الأحداث الدموية المتفاقمة فيها. فموقع البلاد الجغرافي يتيح منفذاً إلى المتوسط للهيئات التي ليس لها مخرج إلى البحر، والتي تبحث عن أسواق لمنتجاتها من الهيدروكربون، كما للدول التي تريد منفذاً إلى أوروبا من دون أن تضطرّ إلى المرور عبر تركيا.

وقد أربكت أرقام صادرة عن مركز فيريل للدراسات في برلين بموجب تقرير حديث في آذار 2017 والذي رفع سوريا إلى المرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج الغاز الخبراء لفترة من الوقت، ولكن ما لبثوا أن أثبتوا أن تلك الأرقام مبالغ فيها وتستند على فرضيات وسيناريوات غير واقعية. فقد حاول واضعو التقرير استثمار تلك الأرقام في النواحي السياسية للصراع في سورية بغية صوغ تبرير مفاده أن لأي تدخل خارجي بسوريا علاقة مباشرة بالغاز. كما يروج التقرير لفرضيات تتعلق بمخاوف روسية من أنبوب غاز ضخم يأتي من قطر مروراً بسوريا وصولاً إلى أوروبا، وكذلك القلق القطري من أنبوب غاز إيراني عبر المتوسط إلى أوروبا.

لكن الصورة تبدو مغتيرة لما نشر؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ظهر تقرير من مركز الهيدروكاربون التكنولوجي Hydrocarbon Technology يقول إن 80 في المئة من احتياطي العالم المؤكد للغاز الطبيعي يتواجد في 10 دول وعلى رأسها روسيا وإيران وقطر وتركمانستان والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفنزويلا ونيجيريا والجزائر. سوريا لا تظهر في قائمة أول عشر دول. وتجدر الإشارة إلى أن دراسة حديثة (2016)، صنفت سوريا في المرتبة 41 عالمياً.

  مناورات بحرية مشتركة بين ايران وروسيا والدول المطلة على بحر قزوين

روسيا

يعتبر خبراء في قطاع النفط أن انسحاب الشركات الأجنبية من مناطق شمال سوريا ربما يعود إلى علمها أن الموارد النفطية والغازية في منطقة دير الزور والمناطق الكردية مرشحة للنضوب بعد بضع سنوات، ما يعني أن موارد المناطق البحرية ستكتسب أهمية كبرى في المستقبل. كما أن هناك اعتقاد سائد مفاده أن للتدخل الإيراني في سوريا – كما للتدخل الروسي – أهداف سياسية واقتصادية، بينها الدخول في مشروعات بناء أنابيب لتوصيل الغاز إلى أوروبا.

لكن اللافت لبعض المراقبين، أنه سبق دخول الشركات الروسية للعمل في قطاع النفط السوري، إقدام 11 شركة أجنبية على الإنسحاب من العمل في هذا القطاع، وحدها “سيوز نفط غاز” الروسية، وهي أول شركة أجنبية تحصل على حق التنقيب والإنتاج في الجرف القاري التابع لسورية، ويشمل المنطقة الممتدة من جنوب شاطئ مدينة طرطوس الى محاذاة مدينة بانياس.

يرفض ديفيد بتر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في تقرير لموقع مركز كارنيغي بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 النظرية القائلة إن للتدخل الروسي علاقة بالغاز وأنبوب الغاز القطري. كما أن نظرية اهتمام إيران بالغاز السوري خاطئة لأن إيران تعتبر من كبار المنتجين وليست بحاجة للغاز السوري.

ويقلل السفير الروسي في لبنان في مقابلة له مع مجلة الدبلوماسية في 15 – 12 – 2015 من دور مسألة الغاز في سوريا “فهي جزء إضافي في الكلام الكثير الذي يصدر في الإعلام الغربي حول “العدوانية الروسية”… ونحن نعمل على ضمان تصدير الغاز بشكل يحترم مصلحة المصدر والمستهلك ونعمل على مشاريع أنابيب جديدة تضمن هذا التوجه أوروبياً وآسيوياً”.

الغرب ونابوكو

وقد رأينا في الأجزاء السابقة من هذا البحث مدى وأهمية خط “نابوكو” الذي ينقل غاز بحر قزوين ودوله المنتجة للغاز إلى الغرب الأوروبي، والمحاولات الروسية الناجحة في تجفيف مصادر هذا الخط عبر عقود شراء الغاز من تركمنستان واذربيجان لسنوات طويلة.

ما زال المشروع الأميركي الأوروبي “نابوكو” بعد خسارتها لغاز بحر قزوين، يمثل بعداً استراتيجياً مهماً على صعيد المواجهة بين الغرب وروسيا، في سبيل إسقاط تحكم موسكو بورقة مبيعات الغـاز الى أوروبا. لذلك لن تسمح الولايات المتحدة بخسارة منطقة أخرى غنية بالغاز لصالح روسيا، وهي في بحث دائم عن مصادر لملء أنبوبها (نابوكو)، ذي السعة الهائلة (31 مليار متر مكعب في السنة)  والذي صمم ليتم من خلاله تجميع غاز المنطقة عبر تركيا .

  شرايين النفط والغاز بين الشرق والغرب: حرب باردة جديدة! - 2

أن مرور أنبوب نابوكو سيحقق لتركيا عائداً سنوياً لقاء رسوم العبور بمقدار 630 مليون دولار، ولكن الأهم من ذلك أن تكون الممر الوحيد لنقل الطاقة من المنطقة إلى أوروبا. وهنا تختلط السياسة بالجغرافية لتشكل سداً أمام الطموح التركي المدعوم من أمريكا وأوروبا كونها الشريك في حلف الناتو، فمشروع تحول تركيا إلى نقطة عبور للطاقة من المنطقة إلى أوروبا وما يتبعه من مزايا حماية دولية تشابه ما يتمتع به الخليج العربي إنما يصب في مصلحة مشروعها الإمبراطوري الجديد، والذي يتعارض مع مصالح دول عدة في الإقليم إن لم تكن جميعها.

الدور التركي

فالمصلحة التركية بالتقرب من قطر ليست بعيدة عن تحقيق حلم نقل الغاز القطري براً عبر سوريا ليصب في خط نابوكو، والمصالح الإقتصادية لتركيا والغرب عموماً تقتضي اعادة “تطويع” سوريا طمعاً في إكمال نقل الغاز المصري عبر سوريا فيما اصطلح على تسميته “خط الغاز العربي” والذي تم الاتفاق على انشائه في عام 2006 بين مصر وسوريا والأردن ولبنان وتركيا ورومانيا بتوصيل خط الغاز إلى الحدود السورية التركية ومن هناك سيتم توصيل الخط بخط غاز نابوكو الى القارة الأوروبية. وكان سبق في عام 2004 أن اتفقت مصر والأردن ولبنان وسوريا مع العراق لتصدير الغاز العراقي لأوروبا عبر خط الغاز العربي أيضاً.

وثمة حديث عن مد خط بحري لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا بعد تطبيع العلاقة مع اسرائيل، ما دفع تركيا إلى عدم الاعتماد كليًا على روسيا وايران كمصادر للغاز. فأنقرة التي عانت عزلة دولية خلال الفترة الماضية اضطرت إلى التنازل عن جزء هام من شروطها من أجل إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

المصالح الإسرائيلية

تسعى إسرائيل منذ سنوات لإنشاء طرق تجارية تمثل بديلاً لقناة السويس، ليس المجال للخوض فيها اليوم. لكن غض الطرف عن الاستثمارات الإسرائيلية في كردستان العراق، والتنسيق الأمني والتدريب الإسرائيليي لقوات البيشمركة، إضافة لتعاون في مجال الطاقة. وفي ظل تلك الحميمية والدفء في العلاقة بينهما يتطلع الطرفان إلى إحياء خط كركوك حيفا. وهو خط ينقل النفط الخام المُستخرج من حقول كركوك إلى مدينة حيفا، مروراً بالأراضي الأردنية. شيدته عام 1932م شركة نفط العراق أثناء الانتداب البريطاني على اعراق وفلسطين. توقف الأنبوب عن العمل نهائياً عام 1948

  انعكاس مواقف الأطراف الإقليمية كدول مصدر وعبور للطاقة على الأحداث السورية - 3

هذا الهدف المشترك للكرد والإسرائيليين، قد يفسر اختيار التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية للأكراد دون غيرهم من المكونات العراقية كشريك في حرب داعش والتي تسيطر على المسار المفترض لهذا الأنبوب، وقد تدعم أيضاً ضم الكرد لكركوك كونها المنبع. وهذا ما يغيض تركيا كونه من جهة تعدي على مشروعها في الانفراد بنقل الطاقة عبر أراضيها من المنطقة إلى أوروبا، ومن جهة أخرى كونه يدعم التوجهات الانفصالية للكرد، وكون كركوك في نسبة لا يستهان بها من التركمان إضافة للعرب، حيث حذرت تركيا إسرائيل بأنها تعتبر مثل هذه التطورات، ضربة جدية للعلاقات الإسرائيلية التركية.

وهنا يطرح سؤال هام جداً لماذا كانت العمليات الإرهابية الوحيدة التي تصورها وتنشرها جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء هي ضرب السفن التي تعبر الممر الملاحي لقناة السويس؟ ولماذا تركز تلك الجماعة عملياتها على ضرب خط غاز العريش الذي يوصل الغاز إلى الأردن وإسرائيل، والذي ضرب حوالي 30 مرة منذ ثورة يناير2011؟، تبدو كل تلك العمليات تصب في مصلحة إسرائيل بالإيحاء للعالم بأن مصر لم تعد طريقاً آمناً وهي استغلت تلك العمليات إعلامياً بشكل جيد، وخصوصاً ضرب خط الغاز العربي.

في الخلاصة: فإن ضمان أمن وتفوق الكيان الصهيوني وإعداده ليكون مرتكزاً لمرور الطاقة إلى المتوسط ومنه إلى العالم، من جهة، والموقع الجيوسياسي لسوريا وما يمثل من موطئ قدم لروسيا على المتوسط من جهة ثانية، ذات أهمية تفوق مسألة مرور الغاز عبر سوريا أو المكتشفات الهيدروكربونية في الداخل السوري أو مياهها الإقليمية.

المزيد للكاتب:

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.