الأمن السيبراني .. الجريمة السيبرانية وطرق الحماية

العميد م. ناجي ملاعب

الأمن السيبراني
الأمن السيبراني

عدد المشاهدات: 385

سنحاول في هذا البحث مقاربة موضوع الأمن السيراني وماهية الشبكة العنكبوتية وكيفية إدارتها ومخاطر الإستخدام ونظم الوقاية بعد التعريف بما سمي الجريمة السيبرانية أو الإلكترونية وما هي التشريعات الدولية والمحلية المواكبة لهذا التطور العلمي الهائل وهل نجحت طرق الحماية حتى اليوم، وذلك في اجزاء قد تتجاوز الخمس حلقات للإجابة في النهاية على المقترحات والتوصيات الواجب الأخذ بها وفق رأي خبراء مختصين.

ويتزامن نشر هذا البحث مع الهجوم الإلكتروني واسع النطاق الذي استهدف صباح 17 أيار/مايو الجاري مئات آلاف الحواسيب في العالم بهدف استحداث وجمع أموال افتراضية دون علم المستخدمين.

نشأة الشّبكة العنكبوتية وتَطورّها.

يعودُ تاريخ إنشاء الإنترنت إلى العام 1960 حيث بدأ كمشروع لوزارة الدّفاع في الولايات المتّحدة الأميركيّة لتَمكين الجيش الأميركي من التّواصل والتّحكم بشبكات الحاسوب عن بُعد في حال تعطَّلت وسائل الإتّصال التقليديّة، في هجومٍ نوويّ أو إرهابيّ، بعد ذلك تم تَطوير هذه الشّبكة في بلاد العمّ سام، لتشمل كافة أراضيها ومن ثم لاحقاً العالم أجمع وكانت في بداية ظهورها مُقتصرة على:

أ- الجانب الأكاديميّ ويكمن عن طريق ربطِ الجامعات بالمكتبات وبالعكس، لكن نتيجة لجهودٍ بذَلها القِطاعان العامّ والخاصّ في الولايات المتحدة الإميركيّة، إنتشرت بشكل واسع لتصبح من أهمّ وسائل الإتّصالات الحديثَة.

ب- مجالات الحياة المتنوّعة، ومنذ سنة 1990 أضحى ربع سكان العالم موصولاً على شبكة الإنترنت والأرقام في إضطراد مخيف. وفي عام 2003 بلغ عدد مستعملي شبكة الإنترنت 800 مليون. ثم تضاعف هذا العدد أكثر من مرّتين خلال ست سنوات. ووفقاً لإحصاءات عام 2009 الواردة في موقع إنترنت وورلد ستاتس، يستعمل شبكة الإنترنت قرابة 2 بليون شخص اي ثلث عدد سكان الكرة الأرضيّة.

الفضاء السّيبراني والجرائم السِّيبرانيّة

على الطّرف الآخر من التَّطور العِلميّ الكبير الّذي بات يُشبه السّباق نحو تكنولوجيا أسرع وأدق وأحدث، تنتشر من هذه التّكنولوجيا ثقافة الجريمة الإلكترونيّة أو ما يسمَّى بالجرائم السِّيبرانيّة وهذا نوع من الجرائم التي إستُحدثت نتيجة التَّطور العلميّ الواسع في مجال الإلكترونيّات والإتّصالات، كذلك أدَّت الى إبتعاد المجرمين عن الأساليب التّقليديّة في إرتكاب الجرائم وظهور نماذج تنطوي على أساليب إجراميّة حديثة تتماشى مع السّباق الحاصل في وسائل الكشف عن الجريمة والتّطور في الاتّصالات.

  العلاقات الأميركية – الخليجية العسكرية: أين هي اليوم وما المنتظر؟

ويُعرّف الفضاء السّيبراني بأنّه المجال المجازيّ لأنظمة الحاسوب والشّبكات الإلكترونيّة حيث تُخزّن المعلومات الكترونيًّاً وتتمّ الإتّصالات المباشرة على الشّبكة، وتستخدم عبارة “جرائم سيبرانيّة” في ذات المعنى مع الجرائم الإلكترونيّة. بما أن لهذه الظّاهرة الجُرميّة أهميَّة حَيويّة، كانَ من الضروريّ أن توضعَ لها حُدودٌ للسّيطرة عليها تمامًا.

ولأجل ذلك، عُقدَت مؤتمرات ودورات عالميَّة للحَدّ من استمرار الظّواهر الجُرميّة. وللتّعريف بها بشكل أدقّ وتماشيًا مع الإفرازات السّلبيّة لهذه الظّاهرة التي إنتشرت وإستَفحلت، كان لابدَّ من موقِف تشريعيٍّ حازم للحَدّ منها ولتجريمها.

لقد أسهمت التّجارة الإلكترونيّة المتصاعدة في إزدياد حجم هذه الجريمة. لذلك وجدت المحاكم صعوبة في تكييف النّصوص القانونيَّة لتجريم الأفعال، الّتي قد يَكونُ موضوعها أدوات معلوماتيّة وهميّة (برامج خفيّة أو أفعال غير ملموسة). فالنّص الجَزائي يُفسَّر على سبيل الحَصر طِبقًا لارادة المُشرِّع ويُحظِّرُ إستخدام القياس لأفعال، عَملاً بمبدأ لا جريمة ولا عقوبَة إلّا بنَصّ أو بناءً عليه.

لقد عبرَت هذه الجرائم نطاقَها الوطنيّ إلى النّطاق الدّوليّ بفعل شبكة الإنترنت وظهرت عصابات تنقلُ نشاطها من دولة إلى أخرى دون كشفها وتمّ إنتحالُ الشَّخصيّات أو سرقت منها عناصر التّعريف وتمّ الإستيلاء على أموالها.

وتحمل هذه الجرائم صفة جرائم منظَّمة بل أصبحت من أساليب الحرب الجَديدة وإحدى وسائل الهُجوم الارهابيّ، كلّ ذلك تَطلَّبَ وضع تشَريعات تُلاحق مُرتكبيها والعمل على تبنّي سياسة دُوليّة مشتركة لمكافَحتها والحرص على تحقيق تعاون دولّي للحيلولة دون إفلات المجرمين من العقاب.

الشّبكة العنكبوتيّة والأخطار المحدقة

إنّ الشّبكة العنكبوتية هي مصدر مهم للمعلومات العامّة والبيانات ومنبر لتبادُلها وإستثمارها، إلّا أنَّ بعض الفئات تَستغلُّ هذه الإمكانيّة لإرسال مَعلومات ممنوعَة ومحظرة من أجل السَّيطرة والسُّلطة والرِّبح الماديّ أو لتحقيقِ أهدافٍ شَخصيّة مشبوهة، ملتوية وارهابية، في غياب نظم الحماية وقواعد الحيطة والضّوابط (المفروضة من قبل النظام الحاكم او القائم) والرّقابة القانونية.

  وزير الدفاع البريطاني يتهم روسيا باستخدام "سلاح التضليل"

وأبرز مواضيع خطورتها:

– اختراق وتعطيل العَديد من المواقع الحكوميّة، وغير الحكومية، نُظُم حمايَة المعلومات، البوابات الإلكترونيَّة للدّولة المستهدفة، تغيير محتوى صفحات مواقع الشّبكة الخاصّة (هذا ما برز خلال الصّراع بين روسيا وجورجيا حيث عمَدت روسيا إلى مهاجمة نظام المعلومات التّابع لجورجيا).

– استعمال الشَّبكة لتَسهيلِ العمليّات الإرهابيّة، هذا ما تناوله السيناتور في الكونغرس الاميركي “روبرت كندي” في كتابه بعنوان “إرشادات للإرهابيّين” مُبيِّنًا وجود علاقة بين الشّبكة والعمليّات الإرهابيّة (للتواصل) الّتي تَجري عبر العالم، ليُبرز الدّور السّلبي للإنترنت باعتباره سلاحاً ذو حدّين، تتعدّى قوة كل حد منه الاخر.

– إرسال رسائل عبر الشّبكة غير أخلاقيّة كالتّهديد، والإبتزاز، فالشّبكة تُعتبر مَصدر تهديد اجتماعيّ خاصّة في المجتمعات الشّرقية لانّ ما تنشره يؤثّر في السّلوكيات والقِيم الإجتماعية لهذه المجتمعات مما يُسبِّب تَفسُّخًا فيها وإنهياراً للنّظم الإجتماعيّة وخاصّة أن الجمهور المتلقّي هو من فئة المراهقين، فيوقعهم في أزمات نفسيّة لا تتماشى مع النّظم الإجتماعيّة السّائدة.

– نَشر الفيروسات بهدف تدمير ومَسح البرامج والملفّات وتعطيل الأجهزة وأخيرًا وليس آخرًا إمكانيّة إختراق النّظم المصرفيّة للبنوك المركزيّة والخاصّة للدّول وتعريض إقتصاديّاتها للخطر، بالإضافة إلى مساهمتها في نشر المواقع الجنسيّة الّتي تسيء إلى الاطفال، ومواقع لعب القمار والمواقع الّتي تبثّ الأفكار الَّتي تتَعارض مع ديمقراطيَّة الحكومات وتُشوّه سُمعتها.

المنظمّات التي تدير الإنترنت عبر العالم

يقول الباحث الأكاديمي الدكتور جورج لبكي إن ليس للإنترنت إدارة مركزيَّة تدير العمليّات بشكل مباشر، إلّا أنَّ ما يتمّ إدارته مركزيًّا هو من قبل جهات متحكّمة، حيث أنَّ العديد منّا يعتقد أن غوغل هو مركز الشَّبكة، لكنّ الحقيقة أنّ غوغل هو الواجهة فقط، ومن يقفُ خلف الكواليس وخلف غوغل، هو من يرسم الخطط ويحرك الخيوط، ويتحكم باتصالات الشبكة وبتأمين الخدمات ودوامها.

ويحدد الباحث أهم المنظمات التي تدير وتمسك بالشبكة العنكبوتية وهي:

  شركة "تاليس" تعزز التزامها بسوق الأمن السيبراني في منطقة الشرق الأوسط

– إتّحاد الإتّصالات العالميّ” ITU”: دوره بالتّحديد ضمان وجود لعبة عادلة على الإنترنت على المستوى الدّولي، وله أثر قانونيّ حيث أن أي دولة لديها أيّة مشكلة مع الإنترنت، يمكنُها رفع الشّكوى إلى الإتّحاد كونه يمثّل المحكمة العليا في الإنترنت، أُسس عام 1865.

– مجلس هندسة الإنترنت “IAB”: وهدفه المحافظة على معايير الانترنت وبروتوكولاته، مثل: بروتوكول السّيطرة على نقل المعلومات “TCP”، أو بروتوكول الإنترنت”IP” بالإضافة إلى تطوير الشّبكة على المستوى الدّولي، أُسس عام 1992.

– مجتمع الإنترنت “ISOC”: وهدفه التّأكد من كون الإنترنت يستعمل للتّعلم وأنّه تُجرى عليه عملية التّحديث الدّائمة. وهو يضمن بقاء الإنترنت لجميع البشر، أسس عام 1992.

– فريق العمل الهندسيّ للإنترنت “IETF”: وهدفه توفير وثائق عالية الجودة والقواعد للَّذين يريدون تطوير الشّبكة، أُسس عام 1985 وهو في تطور دائم للمحافظة على الجودة المطلوبة عالمياً.

– هيئة الإنترنت لإدارة الأسماء والأرقام “ICANN” وهدف الهيئة: هو إدارة أرقام بروتوكول الإنترنت وأصل نظام أسماء النطاقات، إنهم يضمنون ألا تتشابه أسماء النطاقات أبداً، وذلك عن طريق التأكد من أن كل شخص على الإنترنت، يعرف مكانه بدقة.

  • مقدِّمو خدمة الإنترنت “ISPS”: هي تلك الشّركات الكبرى داخل الدُّول، مثل الفا وتاتش، المشغلين لقطاع الإتصالات اللبناني، الهدف من وجودها هو تقديم خدمة الإنترنت للأفراد والمنازل والشّركات وتقديم خدمات أخرى مثل البريد اإلكتروني الخاصّ وغيرها.

إنَّ عدم وجود إدارة مركزيّة تتحكم بإستخدام الإنترنت، يجعل الشَّبكة عرضة للإستخدام من الجَميع، إذ بإمكان أيّ مستخدم الانضمام إلى الشّبكة من دون قيود تُذكر. ويمكن للشّبكة الدّخول إلى أيِّ منزل وعبور الحدود دون الرّقابة الحكوميّة للدّول الّتي تعبر عبرها، ما يجعلها المصدر الفعّال للمعلومات إذا ما تمّ الإستغناء عن وسائل الإعلام التّقليديّة. بعبارة أخرى توفر شبكة الإنترنت فرصة لا تقدّر بثمن لتحريك الجمهور لعبور الحدود الوطنيَّة.

في الجزء الثاني من البحث: تعريف الجرائم السّيبرانية وتطوّرها

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.