الأبرز

علامات بداية مرحلة جديدة بعد الإجراءات السعودية-الإماراتية ضد قطر

رياض قهوجي

عدد المشاهدات: 4134

إن ما بدأ كخلاف بسيط بين جيران الخليج العربي، انتهى بقطع العلاقات وبتحركات قاسية. وتشير المواجهات الأخيرة بين قطر وغيرها من اللاعبين الرئيسين على الساحة العربية – وخاصة مع جيرانها الخليجيين الممثلين بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – إلى أن “المنطقة الرمادية” قد اختفت وأن المنطقة تتجه نحو تصعيد “الحرب على الإرهاب” ومواجهة المخططات التوسعية الإيرانية.

على مدى سنوات عدّة، تمكّنت دولة قطر الخليجية الصغيرة الغنية بالنفط والغاز، من لعب دور حيّر العديد من المراقبين. وكثيراً ما بدا كما لو كان أحد يتعامل مع كيانين أو شخصيّتين متعارضين. فمن جهة أولى، يمكن أن يُنظر لقطر على أنها عضو في التحالف العربي بقيادة السعودية، الذي يقاتل قوات الحوثيين المدعومين من إيران الذين سيطروا على اليمن قبل عامين، في حين لا تزال الدولة الخليجية نفسها تثني على طهران وتؤكد دورها في استقرار المنطقة، من جهة أخرى. كما أيّدت قطر من ناحية أولى قرارات مجلس التعاون الخليجي في إدانة حركة الإخوان المسلمين، أما من ناحية ثانية، فوفّرت المأوى والملاذ الآمنين للعديد من أعضاء الحركة المنفييّن، في حين استمرت وسائل الإعلام القوية في البلاد في دعم الحركة والجماعات الأخرى التي يُنظر إليها كمتطرّفين من قبل جيرانها.

لذلك تمكنت الدوحة من العمل في “منطقة رمادية”، في حين ظلّت عضواً قوياً ونشطاً في مجلس التعاون الخليجي والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب كما دعمت سياسات ومواقف تتناقض مع جداول أعمالها. وأنشأت قطر منافذ إعلامية قوية باللغتين العربية والإنجليزية – وأشهرها الجزيرة – التي استهدفت العديد من الأنظمة العربية، ووصفت القوات الأميركية في أجزاء من المنطقة بأنها جيش إحتلال، كما وفّرت منبراً لقادة الجماعات المتطرفة للتعبير عن أجنداتهم. هذا وموّلت قطر مشاريع إنشاء جماعات مسلحة في سوريا وليبيا كان من المفترض أن تشارك في الحركات الوطنية للإطاحة بالدكتاتوريات هناك ولكن تحوّلت بعد ذلك إلى جماعات متطرفة مرتبطة بتنظيم القاعدة. ودفعت عشرات الملايين من الدولارات إلى الجماعات السنية والشيعية المتطرفة تحت ذريعة الفدية لتحرير الرهائن.

  عملية عسكرية ضخمة للتحالف العربي ضد القاعدة في اليمن

تمكّنت قطر من تمرير أجندتها السياسية في ظل الإدارة الأميركية السابقة برئاسة باراك أوباما، والتي اعتمدت على سياسة الاسترضاء مع إيران مما أدى إلى توقيع اتفاق فيينا النووي. وقد عملت قطر بثقة قوية كونها “محصّنة” (Untouchable)، باعتبارها قاعدة للقيادة المركزية الأميركية وموطناً لأكبر قاعدة جوية أميركية في منطقة الشرق الأوسط. وكثيراً ما أخبر المسؤولون القطريون ضيوفهم في جلسات خاصة بأن القوات الأميركية في قطر سوف تحميها من أي عدوان أجنبي، وليس بالضرورة إيران، بل حتى من الدول العربية. ومن هنا يبدو أن الوجود العسكري الأميركي في الدوحة يشكل جزءاً من جدول أعمال البلاد لتأمين حماية أجنبية تمكّنها من اعتماد أي سياسات تختارها.

أخبر المسؤولون القطريون ضيوفهم في جلسات خاصة بأن القوات الأميركية في قطر سوف تحميها من أي عدوان أجنبي، وليس بالضرورة إيران، بل حتى من الدول العربية.

تجدر الإشارة إلى أنه عندما طلبت المملكة العربية السعودية من الولايات المتحدة إزالة قواعدها من المملكة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، سارعت قطر إلى عرض استضافة القواعد، بل وبنت قاعدة العديد الجوية على نفقتها.

مع ذلك، رسمت كل من السعودية والإمارات خطّهما الجديد وظهرتا على أنهما عازمتان على إخضاع دولة قطر. ويبدو أنهما تمكنتا من تحصيل القوة داخل الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب. وكانت الرياض استضافت الشهر الماضي قمة أميركية عربية – إسلامية كبرى أبرزت زيارة ترامب الخارجية الأولى كرئيس للولايات المتحدة. وقد شهدت قمة الرياض إقامة علاقات قوية مع واشنطن وولادة الناتو العربي الإسلامي الذي سيساعد الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب. من جهته، انتقد إعلان الرياض المخططات التوسعية الإيرانية وتعهد بالعمل معاً لمواجهتها. ويشير ردّ الفعل تجاه قطر إلى أن المملكة العربية السعودية ستكون أكثر جرأة في أعمالها ضد إيران والجماعات المتطرفة التي وصفتها مع حلفائها بأنها إرهابية كالإخوان المسلمين.

عندما طلبت المملكة العربية السعودية من الولايات المتحدة إزالة قواعدها من المملكة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، سارعت قطر إلى عرض استضافة القواعد، بل وبنت قاعدة العديد الجوية على نفقتها.

قاعدة العديد الجوية، مقاطعة الريان، قطر.

وخلافاً للوقت السابق الذي قطعت فيه بعض دول الخليج العربية علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، فإن الضغط على الدوحة في هذه الفترة سيكون ضخماً. وسوف تتخذ المواجهة شكل حرب تجارية واقتصادية قوية من شأنها أن تضغط على الجزيرة الخليجية الصغيرة، خاصة خلال الأوقات الإقتصادية الصعبة. ومن المرجح أن يتعرّض أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لضغوط داخلية هائلة مما يزيد من إدراكه للتهديد محلياً. هذا ولدى قطر تاريخ من الإنقلابات حيث استلم والد تميم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني السلطة في انقلاب ضد والده في عام 1995. وقد نقل الشيخ حمد السلطة إلى الشيخ تميم، 37 عاماً، في حزيران/يونيو 2013 في خطوة غير عادية أثارت العديد من الأسئلة التي لا تزال دون إجابة عن دوافع خطوة كتلك. ومع ذلك، لا يزال العديد من المسؤولين والمحللين القطريين والخليجيين يعتقدون أن الشيخ حمد (65 عاماً) لا يزال الحاكم ما وراء الظلال.

  تعرّف على رادار منظومة المسح الإلكتروني النشط الذي سيزوّد على مقاتلة F-15SA
الأمير القطري الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني

إن الأزمة الحالية تشكل اختباراً خطيراً للولايات المتحدة التي دعت حتى الآن إلى ضبط النفس والحفاظ على الوحدة بين حلفائها العرب. ومن المؤكد أن واشنطن ستكون سعيدة لرؤية قطر تقيّد المنظمات الخيرية التي يشتبه في أنها تمول جماعات إرهابية وتعيد وضع نفسها في مواجهة إيران. بيد أن الولايات المتحدة لا تريد في هذه المرحلة ان تؤيد الحلفاء بطريقة علنية، حيث أنها تفضل على الأرجح طريقة سرية للوساطة والضغط على الأطراف المعنية للتوصل إلى تسوية قريباً. وهناك نفوذ قوي في أيدي الولايات المتحدة وهو مصير قاعدة العديد التي تعتبرها الدوحة عنصراً أساسياً في سياستها الدفاعية الوطنية. ومع ذلك، إذا فشلت الوساطة وقررت قطر أن تشكّل تحدياً وتسعى إلى مواجهة الإجراءات السعودية من خلال تعزيز الشراكات مع لاعبين مثل إيران وروسيا وتركيا، فمن المرجح أن تضطر واشنطن إلى إعادة النظر في موقفها والشروع في التحركات التي من شأنها تأمين مصالحها، خاصة مصير قواعدها على الجزيرة.

إن الشيخ تميم في وضع “غير-ناجح” (No-win) حيث أن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو تقديم تنازلات والموافقة على معظم شروط الإمارة السعودية لتجاوز هذه الأزمة

وتظهر قطر حتى الآن في حالة صدمة بسبب شدة وحجم الإجراءات التي يقوم بها خصومها الذين يتخذون مساراً تصعيدياً. وسيتعرّض اقتصادها لضرر شديد، كما أن سكان الدولة الصغيرة – الذي يقل عددهم عن نصف مليون نسمة – يشعرون بهذا الأثر بالفعل، وسيضغطون قريباً على قيادتهم لحل هذه الحالة. هذا ولن تجد الدوحة حليفاً قوياً في البيت الأبيض كما كان عليه الحال في السابق، كما أن العديد من القادة الأوروبيين لديهم شعور مختلط حيال ذلك. وسعياً إلى إعادة تنظيم نفسها بشكل أكثر انفتاحاً مع إيران، تركيا وروسيا سيعزلها ذلك. لذا، فإن الشيخ تميم في وضع “غير-ناجح” (No-win) حيث أن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو تقديم تنازلات والموافقة على معظم شروط الإمارة السعودية لتجاوز هذه الأزمة.

  جنرال إلكتريك لتطوير وتعديل محركات الطائرات العسكرية في السعودية

المزيد للكاتب:

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.