تركيا والبحث عن دور جيوبوليتيكي في الشرق الاوسط -1

العميد م. ناجي ملاعب

خريطة تركيا والشرق الأوسط
خريطة تركيا والشرق الأوسط

عدد المشاهدات: 721

في بحث من أربعة أجزاء، يتناول العميد ناجي ملاعب، رئيس التحرير، مسألة الجيوبوليتيك التركي، لما لهذه الدولة من أهمية جغرافية كصلة وصل ما بين القارات الثلاث، ولما تختزنه من تاريخ حضاري، وما ترنو الذه من مستقبل سياسي واستراتيجي. وسوف يناقش هذا البحث الدور الجيوبولوتيكي لتركيا المعاصرة على الصعيد الإقليمي والدولي من حيث حقائق مقومات الديموغرافيا والموارد الطبيعية والأهمية الجيوستراتيجية للعلاقات المتبادلة بين تركيا وبين القوى الإقليمية والدولية:

لا يمكن الحديث عن دور جيوبوليتيكي لتركيا المعاصرة  في الشرق الاوسط من دون التطرق للأفكار التي طرحها احد منظري حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء التركي السابق احمد داود اوغلو في كتابه المرجع ” العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية”.

لقد تحدث أوغلو عن المكانة المؤثرة التي ينبغي أن تضطلع بها تركيا على الساحة الإقليمية والدولية الجديدة الأمر الذي يتطلب من المجتمع التركي والدولة قبل كل شيء أن يعيد تفسير التاريخ والجغرافيا وفق وعي ذاتي بالوجود واضح المعالم يدرك نفسيا تميز العنصر التركي والأهمية التي منحها له التاريخ وكذلك تميز الجغرافيا التي يعمر عليها.

لذا، لا يتوقف الكتاب هنا في البحث فقط عن السبل المثلى لتأمين الأمن القومي التركي، وإنّما أيضا عن كيفية توظيف تركيا لموروثها التاريخي والجغرافي في سياستها الخارجية لبلوغ المكانة الإقليمية والدولية اللائقة بها، وقد حاول المؤلف استعمال مصطلح “العمق الإستراتيجي” في تحديد علاقات تركيا الدولية، وذلك سعيًا منه إلى إخراج تركيا من دورها الهامشي أثناء الحرب الباردة ونقلها إلى بلد محوري ومؤثر دولياً.

وقد حلّل أوغلو الضرورات التاريخية وعناصر الاستراتيجيات البرية والبحرية بالنسبة لتركيا فيما يتعلق بالمناطق البرية القريبة: البلقان والشرق الأوسط والقوقاز، والأحواض البحرية القريبة: البحر الأسود، وشرق المتوسط، والخليج، وبحر قزوين، والمناطق القارّية القريبة: أوروبا، وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا، ووسط وشرق آسيا.

كما تناول العناصر التركية الأساسية المحددة لعمق تركيا الآسيوي والأفريقي، وكذلك الوسائل الاستراتيجية والسياسات الإقليمية التي رأى أنها ستحقق لتركيا مكانتها المرموقة في الساحة الدولية والإتجاهات الجغرافية التي ينبغي على تركيا أن تتحرك فيها سواء عبر المنظمات الإقتصادية والثقافية الإقليمية الفاعلة في هذه الأقاليم أو عبر الأحلاف العسكرية والاتفاقيات السياسية مع تلك المناطق الإقليمية المحيطة بتركيا من كل الاتجاهات، وقد اكد على الأهمية القصوى لمنطقة الشرق الأوسط، البلقان وآسيا الوسطى أي مناطق نفوذ الأجداد العثمانيين من دون أن يتخلى في كتابه هذا عن التعبير عن رغبة تركيا في أن تكون جزءً من الإتحاد الأوروبي.

كما شدد على أن تركيا تصرفت خلال العقود الثمانية من تاريخ الجمهورية الكمالية في القرن العشرين المنصرم بأقل مما تسمح لها مكانتها، وبأدنى من إمكانياتها، في سياساتها الإقليمية والدولية.

تعود أسباب هذا التراجع إلى سياسة القطيعة التي انتهجتها الدولة الأتاتوركية مع جوارها، كي تفصل ماضي تركيا العثمانية وعمقها الإستراتيجي عن حاضر الجمهورية الكمالية ومحيطها الإقليمي، وغلّبت فيها الأمن على الحرية، الأمر الذي أحدث أزمة هوية طاحنة في أوساط النخب التركية، وأفضى إلى تعميق الانقسام بين التيارات العلمانية والجماعات الإسلامية.

اعتبر اوغلو ان تركيا كانت خلال الحرب الباردة إحدى أهم ركائز حلف الناتو، بوصفها إحدى دول الحلف التي تمكنت من احتواء الشيوعية، لذلك كانت موضع ثقة الغرب، وكان الولاء للغرب – ذو الطابع العسكري- يتماشى مع تطلعات النخب الأتاتوركية الحاكمة، الذين حولوا تركيا إلى حارس للمنطقة الجنوبية الشرقية لأوروبا من خطر التمدد الشيوعي.

وحين تحرّرت تركيا من مواجهات الصراع الجغرافي السياسي للحرب الباردة بين الشرق والغرب، بدأت في العمل على إثبات وجودها، إذ لم يعد بالإمكان اعتبار تركيا بلداً ظرفياً في إستراتيجية الغرب، بل دولة مركزية لها عمقها الإستراتيجي، وذلك بالاستناد إلى العلاقة الوثيقة ما بين الموقع الجغرافي للدولة وبين مستقبلها وقوتها ودورها.

الأهمية الإستراتيجية والسياسية:

 تقع تركيا في قلب المجال الجغرافي المصطلح على تسميته “أوراسيا”، وتعد نقطة تقاطع قارات العالم القديـم الثلاث (آسيا ـ أوروبا ـ إفريقيا)، ومعبراً إستراتيجياً ذات اتجاهات متعددة، يقع على الجانب الغربي منه الكتلة الأوروبية، وعلى الجانب الشرقي منه الكتلة الآسيوية، وعلى الجانب الجنوبي منه الكتلة الأفريقية، وهي بمثابة البوابة الشمالية للمنطقة العربية للعبور إلى القارة الأوروبية، وتمر من خلال الجسر والمعبر والبوابة العلاقات السياسية الدولية والإقليمية.

تؤدي وسطية موقع تركيا بين قارات العالم القديم، وقربها من مناطق المصالح الحيوية والإستراتيجية العالمية، إلى زيادة درجة الاهتمام الإستراتيجي للقوى العظمى والدول الكبرى بها، بوصفها نقطة ارتكاز رئيسية، وقاعدة انطلاق، إلى مناطق جيوستراتيجية أخرى من العالم. ولهذا، تحرص تلك الدول على أن يكون لها علاقات تعاون إستراتيجي عسكري وأمني مع تركيا، وأن يكون لها وجود مسبق، بل ودائم داخلها، تحسباً للحاجة إلى إدارة القضايا والأزمات الدولية والإقليمية في محيطها الجغرافي.

تشكل البحار والمضايق البحرية الدولية المطلة عليها تركيا أهمية إستراتيجية، تعتمد عليها حركة المواصلات البحرية الدولية والإقليمية للانتقال بين البحرين الأسود والمتوسط، ومنهما إلى المحيط الأطلسي غرباً، وإلى المحيط الهندي جنوباً.

وتستغل تركيا مركز ثقلها الجيوبوليتيكي في منطقة الشرق الأوسط، وعضويتها في عدة منظمات سياسية إقليمية: منظمة دول عدم الانحيازـ منظمة المؤتمر الإسلامي ـ المجلس الأوروبي ـ الاتحاد من أجل المتوسط  (تجمع الدول المطلة على حوض البحر المتوسط) ـ ملتقى الحوار العربي/ الأوروبي، في تعظيم دورها في السياسة الدولية والإقليمية، من خلال:

– محاولة ملء الفراغ الحادث في المنظومة الإقليمية بعد احتلال دولة العراق، وأن تكون قوة موازنة في المنطقة لمواجهة الطموح الإيراني الإقليمي.

– لعب دور الوسيط الإقليمي والدولي، حيث رعت مباحثات سلام غير مباشرة بين سورية وإسرائيل، وتولت اتصالات غير مباشرة بين أمريكا وإيران، أثناء إدارة “باراك أوباما”.

– تطوير علاقاتها الإستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي، والقيام بدور الدبلوماسية الناعمة ما بين قطر وباقي دول الخليج بعد قطعهم العلاقات وتوجيه تحذير شديد اللهجة الى دولة قطر. ومع دول الجوار الجغرافي العربية (العراق– سورية) والتي تحمل الوازع المشترك معهما ومع ايران في عدم تمكين الأكراد من تحقيق الإستقلال الذاتي الذي سوف يعيد تشكيل جغرافية الدول الأربعة.

في الجزء الثاني: الديمغرافيا، الثروات، والأهمية الإقتصادية

 

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.