تركيا: الأهمية الإقتصادية، الثروات والديمغرافيا السكانية – 2

العميد م. ناجي ملاعب

عدد المشاهدات: 1114

حذر مركز أبحاث موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، في دراسة نشرها موقع “ترك برس” في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2016 حلف الناتو من توجه تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى اعتماد سياسة تسليح أكثر استقلالاً عن حلف الناتو وتحقيق الاكتفاء الذاتي في تصنيع السلاح مما سيضعف نفوذ الحلف على أنقرة. وخلصت الدراسة إلى أن هدف أنقرة من مشاريعها الطموحة للتسليح هو تحويل تركيا إلى لاعب بارز في السياسية الإقليمية والعالمية، والتوقف عن النظر إليها بوصفها حليف الغرب العاجز التقليدي منذ الحرب الباردة والمعتمد على الحماية الدولية.

في الجزء الثاني من هذا البحث سوف نتطرق الى المقومات الإقتصادية والثروات والديمغرافيا السكانية التي تمكن تركيا من لعب الدور السياسي الطموح.

الجغرافيا والسكان

تركيا دولة آسيوية أوروبية، يقع الجزء الأكبر منها في جنوب غرب قارة آسيا، وجزء صغير (إستانبول) في جنوب شرق قارة أوروبا. ولهذا، تعد تركيا بمثابة حلقة الوصل بين قارات العالم القديم (آسيا- أوروبا- إفريقيا). وتتحكم تركيا في مضيقين بحريين إستراتيجيين، هما: “مضيق البوسفور” شمالاً بين البحر الأسود وبحر مرمرة، و”مضيق الدردنيل” جنوباً، بين بحر مرمرة والبحر المتوسط من خلال بحر إيجة. ويبلغ إجمالي مساحة تركيا حوالي (783,562 ألف كم2) ويقع نسبة 97% منها في قارة آسيا (منطقة الأناضول) و 3% في قارة أوروبا (إستانبول). تبلغ حدودها البرية 2816 كم، ويصل طول الحدود الساحلية لها إلى حوالي 7200 كم.

يصل إجمالي تعداد سكان تركيا إلى حوالي 80 مليون نسمة. يعيش حوالي (75 %) من السكان في المدن، وأكبرها مدينة “إستانبول” (11 مليون نسمة) تليها العاصمة “أنقرة” (4 مليون نسمة)، ثم “أزمير” (2.5 مليون نسمة). ويشكل الأتراك الغالبية العظمى (70%) من تعداد السكان، مقابل نسبة (20 – 25 %) من الأكراد.

  تقرير: ألمانيا ترفض صفقات تصدير أسلحة إلى تركيا

تقع تركيا على حافة أحد خطوط الفصل بين العالمين الإسلامي والمسيحي، كما تشكل نقطة تقاطع لهويات ثقافية متعددة، حيث تتقاطع فيها الثقافة الأوروبية من جهة الغرب، والروسية من جهة الشمال، والآسيوية من جهة الشرق، والثقافة العربية من جهة الجنوب. ولهذا، تعد تركيا بمثابة الجسر الوسيط بين كافة الأديان، وبين مختلف الحضارات والثقافات.

ساعدت الثقافة الإسلامية لتركيا، على الرغم من أنها ممزوجة بالعلمانية، على إذكاء الهوية الإسلامية التركية، والتي تحقق معها حماية المجتمع ضد خطر انتشار الأيديولوجيات الغريبة عليها.

 مصادر الثروات الطبيعية:

تتنوع الثروة المعدنية في تركيا (60 معدناً مختلفاً)، والتي من أهمها معادن: الكروم، والحديد، والرصاص، والنحاس، والألومونيوم، والفضة، والذهب، والفحم (الحجري – النباتي) والفوسفات، والصوديوم، ومادة البور، والبرليت (زجاج بركاني). ويوجد احتياطي محدود من النفط في جنوب شرق البلاد.

وتمتلك تركيا ثروة مائية ضخمة من الأنهار الدولية النابعة من أراضيها، والأنهار الوطنية، ومياه الأمطار، وأحواض المياه الجوفية. وتنحصر الأنهار الدولية فيها في “نهري دجلة والفرات”، المارين في سورية، والعراق. حيث تقيم عليهما المشروعات المائية الضخمة، ومنها مشروع “جاب GAP” في جنوب شرق الأناضول، ويتضمن22 سداً، و19 محطة توليد كهرباء؛ الأمر الذي تنعكس تداعياته سلباً على حصص سورية والعراق من مياه النهرين، بالإضافة الى مشروع “أنابيب مياه السلام” ويهدف إلى نقل حوالي (6 مليون م3) من تركيا إلى منطقة الشرق الأوسط؛ الأمر الذي من شأنه أن يمنح تركيا السيطرة على شريان حياة تلك المنطقة، ما يعود بتركيا – تدريجيا- لتصبح أهم عنصر جيوبوليتيكي في المنطقة.

وتتفاوت الثروة الزراعية والحيوانية والسمكية داخل المناطق الجغرافية السبعة التركية وقطاعات الإنتاج الزراعي والحيواني في منطقة جنوب شرق الأناضول.

ويؤدى اعتدال مناخ تركيا طوال العام إلى صلاحية أجوائها الدولية، ومياهها الإقليمية لحركة الملاحـة الجوية والبحرية؛ الأمر الذي يدعم من الحركة التجارية العالمية، وتحركات المؤسسات الاقتصادية العالمية متعددة الجنسيات داخل منطقة الشرق الأوسط، والقارة الأوروبية، أو عبرهما.

  لبنان وصراع البقاء بين الواقعية والمتغيّرات الخارجية

الأهمية الإقتصادية:

يعطى موقع تركيا بين قارتي آسيا وأوروبا أهمية كبيرة لقطاع المواصلات من المنظور الاقتصادي، والذي جعل منها كتلة اقتصادية متكاملة، وجسراً ذي أهمية إستراتيجية للنظام الاقتصادي العالمي، كما تعد سوقاً تجارياً واعداً.

أعطى موقع تركيا الجغرافي القريب من منابع النفط، ميزة إستراتيجية لتكون السبيل الأنجع لمرور النفط من منطقة الخليج العربي، والشرقين الأوسط والأدنى، وخطوط نقل الغاز من تلك المصادر إضافة الى غاز بحر قزوين.

فتركيا اليوم هي بوابة صادرات النفط والغاز الطبيعي، وبوابة عبور للطاقة من منطقة القوقـاز (كازاخستان ـ أذربيجان ـ جورجيا)، ومن العراق إلى أوروبا، حيث يمر عبر أراضيها خط أنابيب (باكو ـ تبليسى ـ جيهان) لنقل النفط الخـام، وخط أنابيب (القوقاز) لنقل الغاز الطبيعي. وقد ازدادت الأهمية الجيوسياسية لتركيا بعد توقيعها مع روسيا على اتفاقية “السيل التركي” الذي سوف ينقل الغاز الروسي الى أوروبا عبر البحر الأسود والتي كان متعذراً تنفيذها برغبة أميركية في فرض المزيد من الحصار على الصادرات الروسية.

تؤثر المساحة الشاسعة وضخامة القوى البشرية في تركيا على توجهات المؤسسات الاقتصادية العالمية متعددة الجنسيات، وتغريها على ضخ استثمارات نقدية ضخمة في الاقتصاد التركي، إضافة إلى إنشاء المصانع الكبرى عالية التقنية، أو كثيفة العمالة.

نعم إن النجاح الإقتصادي جزء من جاذبية تركيا، وربما كان أبدى بعض العرب توجساً من القوة التركية الصاعدة بسبب الخلفية التاريخية العثمانية، ويبدو نجاح الإقتصاد التركي جلياً، بالمقارنة مثلاً ما بين دخل الفرد في تركيا وفي مصر، والذي كان متقارباً في أواسط التسعينات؛ بينما تضاعف الآن ثلاث مرات. ويعود هذا النمو الى النموذج الإقتصادي الذي اعتد بالفصل بين الدولة والسوق، والتحول الى السياسة التي تركز على الصادرات أكثر من الترويج الداخلي.

  تركيا تعرب عن أملها في صنع حاملة طائرات مستقبلاً

ان النمو الإضطرادي للإقتصاد وما رافقه من تشريعات سياسية مواكبة وضع أسس مجتمع مدني مستقل وأرسى قواعد الديمقراطية والإستقرار. لقد أفادت تركيا من الخريطة السياسية الأوروبية بانواع التشريعات الحكومية الناظمة للعملية الإقتصادية، بالرغم من المشاكل التي اعترت علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي. وهذا يتطلب الجرأة والإقدام في تبني التشريع المتلائم مع التشريعات الإقتصادية الأوروبية. وقد ساهم الإتحاد الجمركي مع الإتحاد الأوروبي عام 1986 في ترشيد الإقتصاد وأدخل تركيا في اندماج دولي على خط التجارة العالمية بعد ان أجبرت على اعتماد سياسة ضريبية ذات معايير دولية. والسبب الثاني إطلاق مجتمع إقتصادي مستقل، منذ الثمانينات، لا يعتمد على الدولة في توزيعها الدعم او منحها التراخيص، ويعفي من الشروط الخاصة ما خلق المحفزات المناسبة لنشوء المجتمع المستقل للأعمال وتمكينه من الإندماج والتنافس الدوليين؛ فأحجام التجارة التركية بلغت 350 مليار دولار اي ربع الإنتاج الوطني.

في الجزء الثالث: تركيا الأهمية الجيوستراتيجية والعسكرية

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.