تركيا.. الأهمية الجيوستراتيجية والعسكرية – 3

طائرة T-625 تركية الصنع
طائرة T-625 تركية الصنع

عدد المشاهدات: 1218

يبدو أن الطموحات التي تراود الرئيس التركي تعود به إلى التاريخ العثماني، بقوله: “أجدادنا عملوا وسط آسيا والهند والأناضول على دعم العلماء والعلم وأسسوا كثيرًا من المؤسسات العلمية “. ليعلن أحلاماً كبرى تفوق الطموحات، قائلاً: “هناك مليار ونصف مليار مسلم يعقدون الأمل على تركيا، وتركيا تعي ذلك”.

الأهمية الجيواستراتيجية

تعد منطقة شرق وجنوب شرق الأناضول، أقصر الطرق البرية والجوية الدولية بين الشرق والغرب، أي أن تركيا تمثل اتجاه الاقتراب الرئيسي إلى عمق القارة الأوروبية من جهة الشرق، وبالإضافة تحتفظ تركيا بسيطرة كاملة على مضيقي “البوسفور والدردنيل” البحريين ذوي الأهمية الإستراتيجية، المتحكمان في حركة القوات إلى المناطق الجغرافية المتاخمة عبر البحرين الأسود والمتوسط.

ويتوافر لدى تركيا شبكة ضخمة من خطوط المواصلات البرية (352046 كم/ طرق + 8699  كم/ خطوط سكك حديدية)، والمواصلات البحرية (156/ ميناء بحري)، والمواصلات الجوية (98 مطاراً)، ما يساعد على حرية المناورة بالقوات من اتجاه إستراتيجي إلى اتجاه إستراتيجي آخر داخل مسارح العمليات المتاخمة لها.

يتيح الاتساع والعمق الجغرافي لتركيا إمكانيات إنشاء القواعد العسكرية (الوطنية ـ التابعة لمنظمة حلف شمال الأطلسي)، ونشر القوات، مع تدريبها على أعمال القتال في كافة أنواع الأراضي، وخاصة الجبلية، والزراعية منها، وبمحاذاة السواحل البحرية، وعلى امتداد الشواطئ النهرية.

يوفر اعتدال مناخ تركيا طوال العام تقريباً، وخاصة في منطقة البحر الأسود، ومنطقة شرق الأناضول، صلاحية الأجواء لتنفيذ مهام القوات الجوية، وصلاحية المياه لتنفيذ مهام القوات البحرية.

وعلى امتداد السواحل التركية عدد مناسب من الموانئ البحرية، والتي يمكن استخدامها كقواعد ونقط إيواء بحرية، واستغلالها في عمليات النقل الإستراتيجي/ التعبوي، وحشد القوات في مسارح العمليات المختلفة ، وتؤمن العديد من القواعد الجوية والمطارات، حرية المناورة الإستراتيجية للوصول إلى أي منطقة ذات أهمية إستراتيجية داخل مسرح الحرب/ مسارح العمليات.

  تعرّف على أحدث دبابة في صفوف الجيش التركي

الأهمية العسكرية

يعتبر الجانب العسكري أحد أهم الدعائم الجيوستراتيجية التركية. ورغم التقدم الهائل في مستقبل الإقتصاد العسكري التركي، يرى أردوغان أن تركيا ما زالت دون الأهداف التي رسمتها، ولتحقيق هذه الأهداف ينبغي عليها تطوير صناعاتها الدفاعية لأعلى مستوى، قائلًا: “بلغ حجم إنتاجنا العام الماضي في مجال الصناعات الدفاعية، 5 مليارات دولار والصادرات 1.6 مليار دولار، ومازلنا دون الأهداف التي رسمناها”.

سنلقي الضوء على منجزات الصناعات العسكرية التركية في تأمين حاجات القوات المسلحة والإنتقال إلى التصدير إلى الخارج:

كان الحظر الأمريكي على تصدير السلاح إلى تركيا في أعقاب التدخل التركي في قبرص عام 1974 محفزاً قوياً لصناعة الأسلحة في تركيا، وتعتبر السياسة التركية أن تصنيع السلاح يعد أمر أساسيا لتحويل تركيا إلى لاعب بارز في السياسة الإقليمية والعالمية. ونتيجة لأهداف السياسة الخارجية التركية كلفت أهم شركات السلاح في تركيا التي تضم شركة أسيلسان، وتوبيتاك وروكستان وهافيلسان وتوساش وتومسان وميتيكسان بتطوير الأسلحة الأصلية وأنظمة الدفاع.

1- في الأسلحة البحرية:

يعد مشروح ميلجيم الطموح الذي أنتج أول سفينة حربية محلية الصنع ” هايبلي آدا” عام 2011 أبرز مثال ملموس على هذه السياسة. وتعرف السفينة هايبلي آدا  أيضا باسم “السفينة الشبح” لقدرتها على التخفي عن الرادار. وبدأت سكة انتاج محلية ضخمة، فتم في عامي 2013 و2016  أنتاج الفرقاطة الحربية “بويوك آدا” والسفينة “بورغاز آدا” وف 2017 السفينة الحربية “قينالي أدا” من طراز “كورفيت”، والتي انزلت إلى مياه البحر في ولاية إسطنبول.

وبعيدا عن تلبية احتياجاتها الخاصة تسعى تركيا إلى استغلال مشروع ميلجيم لكي تصير موردا نشطا للسلاح. بالنسبة إلى تركيا تعد الدول الآسيوية، ولاسيما قطر وباكستان سوقين مهمين للسلاح، بالإضافة الى أذربيجان والبحرين وبنغلاديش وعمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أسواق محتملة لشركات السلاح التركية لبيع الاسلحة البحرية وغير البحرية.

  تركيا تسعى لتجنيد 30 ألف عسكري!

وكشف أردوغان عن وجود 14 مشروعًا جاهزًا للتنفيذ في مجال صناعة السفن الحربية، و10 مشاريع ستوقع عقودها في السنوات القليلة المقبلة. وقال “إن شاء الله سنبني حاملة طائراتنا، فنحن عازمون على ذلك، ولا يوجد عندي أي قلق حيال ذلك”.

2- في الأسلحة البرية:

نجح المهندسون الأتراك في تطوير الأسلحة البرية، فعلى سبيل المثال أنتجت تركيا البندقية الوطنية إم تي بي 76 على غرار البندقية إم 16، وبدأت انتاجا ضخما لهذه البندقية. يصنع الجيش التركي أيضا مدافع الهاوتزر” فيرتينا” التي تستخدم كثيرا ضد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على الحدود السورية.

من ناحية أخرى، فقد دفع رصد قدرات الصاروخ الإيراني “شهاب3” تركيا إلى تطوير مدى صاروخها البالستي “يلدريم”. وفي حين يصل مدى الصاروخ يلدريم1 150 كم، فإن الصاروخ يلدريم2 قادر على الوصول إلى مدى 300 كم، وتسعى تركيا إلى أن يصل مدى الصاروخ يلدريم 3 إلى 900 كم، وهناك سعي من خلال يلدريم4 إلى الى الوصول إلى 2500 كم.

أطلقت القوات المسلحة التركية أيضا مشروع الدبابة الوطنية ألتاي. وعلى الرغم من أن هذا المشروع يصور على أنه مساهمة تركية حصرية، فلا بد من الإشارة إلى مساهمة ألمانيا وكوريا الجنوبية في محرك الدبابة ومدفعها. بدأ الإنتاج الضخم للدبابة ألتاي في في شهر أغسطس/ آب 2016 ، وسيتسلم الجيش التركي 250 دبابة من هذا النوع خلال السنوات الخمس المقبلة.

3- في تصنيع أسلحة الجو:

في عام 2008 اشترت تركيا من إسرائيل عشر طائرات بدون طيار من نوع هيرون بـ183 مليون دولار. لكن الخلاف بين أنقرة وتل أبيب قاد صناع القرار في تركيا الى إنهاء الاعتماد على إسرائيل. ونجحت تركيا بتطوير طائرتها “البيراقدار” في عام 2014 وذلك حققت استقلاليتها في تصنيع هذا النوع من الطائرات.

  "درع الفرات" والأمن القومي التركي

وفي عام 2011 طور الجيش التركي نظام التمييز الإلكتروني الخاص بها المعروف بنظام تمييز الصديق من العدو.

وبالإضافة إلى ذلك فقد ادى تطوير المروحية الهجومية التركية “أتاك”، الى تعزيز قوة الجيش التركي في حربه غير المتكافئة مع حزب العمال الكردستاني.

تطلعات مستقبلية ذات عمق تاريخي

يفخر الرئيس رجب طيب أردوغان – خلال حفل افتتاح المؤتمر العالمي للعلم والتكنولوجيا في العاصمة أنقرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2016 – في أن تركيا “زادت حجم المؤسسات العلمية بنسبة 50 في المئة، ونجحت في بناء بارجة حربية وصناعة طائرة من دون طيار بإمكانات محلية، كما تعمل على صناعة كافة الآلات التي تحتاجها. وأن بلاده زادت عدد مراكز الأبحاث والتطوير بنسبة 43 في المائة، وبدأت بصنع حاملات مدرعات مجهزة بكافة المستلزمات والأسلحة.

ويبدو أن الطموحات التي تراود الرئيس التركي تعود به الى التاريخ العثماني، بقوله: “أجدادنا عملوا وسط آسيا والهند والأناضول على دعم العلماء والعلم وأسسوا كثيرًا من المؤسسات العلمية “. ليعلن أحلاماً كبرى تفوق الطموحات، قائلاً: “هناك مليار ونصف مليار مسلم يعقدون الأمل على تركيا، وتركيا تعي ذلك”.

إلى أين تقود الطموحات التركية في ظل قيادة الحزب الإسلامي لها؟ كيف تصرفت تركيا مع محيطها الأوروبي والعربي والفارسي، وهل نجحت في سياساتها المتأرجحة مع الكيان الصهيوني؟ هذا ما سوف نتطرق اليه في الجزء الرابع والأخير من البحث.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.