الأبعاد العسكرية في العلاقات التركية الإقليمية والدولية – 4

الإنقلاب العسكري التركي
الإنقلاب العسكري التركي

عدد المشاهدات: 666

للجيش في تركيا دور فاعل في إدارة دفة الدولة، ففي العهد الذي تلا تأسيس الجمهورية استطاع مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه استخدام الخاصية المميزة للشخصية التركية ذات الوجهين “السياسي والعسكري” في تولي إدارة البلاد، فقد أخضعت كل شؤون تركيا من الناحية العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية في صلب عمل “مجلس الأمن القومي”. وشهدت تركيا، في ضوء تلك المهام، سياسة مبرمجة، بعيدة عن محيطها الإسلامي – العربي السابق، وملتصقة بعالم الغرب عبر حلف الناتو، واضعةً نصب عينيها الإنتماء الى الإتحاد الأوروبي.

وبعد يأسها من الإنضمام المباشر إلى الإتحاد الأوروبي، لأسباب متعددة (منها التركي، ومنها السياسي الأوروبي)، تسعى تركيا منذ مطلع القرن الحالي، إلى الإهتمام بمحيطها القريب الآسيوي حيث جذورها التاريخية والفكرية والحضارية، وحيث الموارد والأسواق.

مع حكم القوي رجب طيب أردوغان شكل استعراض العضلات في تحركات أنقرة السياسية الخارجية مجالاً مهما للتعاون “المتناسب” لدى الجهات الثلاثة الرئيسة في تركيا: صانع القرار السياسي، وحزب العدالة والتنمية، والجيش.

إن السياسة الخارجية الموجهة عسكرياً تعيد مجد الشعب الذي يفخر بأنه ينتمي إلى “أمة الجندي” وتتماشى مع شعار حزب العدالة والتنمية “من أجل بناء تركيا الجديدة العظيمة والقوية”. وعلاوة على ذلك فإن استعراض القوة في السياسة الخارجية يمنح الحكومة دوراً إقليمياً مركزياً عبر الإنخراط في التسويات الأمنية للأزمة السورية تحت الرعاية الروسية، واستمرار القتال مع الأكراد في جنوب شرق البلاد ما يبرر لها احكام القبضة الحديدية داخلياً، ويبقي لأنقرة حضوراً متزايداً في بلاد ما بين النهرين.

دور الجيش في سياسة البلاد

بعد الإنقلاب الفاشل، منتصف العام الماضي، المنسوب لجماعة غولان بالتعاون مع مستويات عليا من الجيش والشرطة والقضاء، أحكم الرئيس التركي قبضته على السلطة وتمكن من تحييد مجلس الأمن القومي وأمانته العامة وإبعادهما من التدخل المباشر في شؤون الدولة التنظيمية والسياسية من خلال رفع عدد الأعضاء المدنيين في المجلس على حساب العسكريين. وأسهمت التعديلات المجراة في اعتبار المجلس ذو صفة استشارية فقط، والغاء وجود ممثل للمجلس في مؤسسات الدولة الرقابية والإعلامية. وإلغاء حق الولوج لمؤسسات الدولة المدنية المختلفة، ومنها هيئة التعليم العالي.

  اختتام فعاليات التدريب المصري اليوناني المشترك "إسكندرية 2016"

في المقابل، فقد أسهم إرسال الجيش التركي إلى الخارج في احداث تغييرات تنظيمية في القوة العسكرية التركية. فعبر البعثات الدولية اكتسبت القوات المسلحة التركية خبرة عسكرية قيمة في إنشاء فرق العمل المختلفة، وشاركت في عمليات عسكرية تجمع بين مركبات الجيش من قوات جوية وبحرية والقوات الخاصة. وبالإضافة إلى ذلك تتراكم لدى الجيش الخبرة العملية من دعم عمليات حفظ السلام الدولية، ومكافحة الإرهاب العالمي، والقرصنة البحرية.

ينظر خبراء أتراك في السياسة الخارجية القوية للحكومة التركية أنها حققت وتحقق فوائد جيوستراتيجية هامة، وشهد مستوى تعاونها العسكري ازديادًا مطردًا، مع جورجيا وأذربيجان، في القوقاز. ومع قطر وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية في الخليج، ومع مقدونيا وألبانيا وكوسوفو والبوسنة في البلقان، وفي أفريقيا مع كينيا وأثيوبيا وتنزانيا.

وباختصار فإن ترسيخ الوجود العسكري وغيره من أساليب التعاون العسكري أدوات مهمة لإيجاد العلاقات الثنائية وتطويرها، وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون إكمالا لأنشطة القوة الناعمة في الصناعة العسكرية، والصحة، والتعليم والسياحة الثقافية.

وسوف تثبت الأيام القادمة صوابية إقدام تركيا على انشاء قاعدة عسكرية لها في دولة قطر أو عدم صوابية تلك الخطوة، في ظل الموقف الخليجي من الدور المنسوب لقطر بدعم منظمات متطرفة في السنوات الأخيرة، وفي ظل وجود قاعدة العديد الأميركية في هذا البلد الخليجي.

تركيا – ايران

على الرغم من التنافس التركي/الإيراني حول تنمية العلاقات السياسية والاقتصادية، وتعظيم دور كل منهما مع الجمهوريات الإسلامية الخمس في وسط آسيا، فقد تنامت العلاقات الإيرانية/التركية مؤخراً، خاصة في مجال التعاون الإستراتيجي الأمني، فطهران لا تنسى الدور التركي/ البرازيلي المشترك لحل مشكلة الملف النووي الإيراني (مشكلة اليورانيوم المخصب)، وإعلان تركيا حيادها بشأن احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية/ إسرائيلية، ضد المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية عبر الأراضي التركية.

  الإنقلاب التركي.. بالأرقام!

ويجتمع الهاجس الكردي مع الهاجس الإيراني، وما يتفاقم حالياً من الدعم الغربي لأكراد سوريا، ومخاطر حدوث تفتيت للعراق،  فيما قد ينجم عنه دولة كردية، من ناحية، والمخاوف من زيادة نفوذ حزب العمال الكردستاني، وتهديد الأمن والاستقرار الداخلي لكلا الدولتين، على الناحية الأخرى.

تركيا – إسرائيل

السياسة الخارجية التركية تتعامل مع اسرائيل على أنها جزء من علاقاتها مع المنظومة الغربية والاميركية، وليست تلك السياسة وليدة الأمس القريب، بل هي متواصلة بين الطرفين لعشرات الاعوام، في ظل وصاية المؤسسة العسكرية التركية على المشهد السياسي، وهي صاحبة العلاقات المتميزه مع اسرائيل. وتوضع تلك العلاقة ضمن مصالح تركيا التي أعاد الحزب الحاكم تفسيرها والحفاظ عليها  – رغم مرحلة ازمة باخرة السلام التركية الى غزة – مع الأخذ بالإعتبارعدم تجاوز السقف العربي الدولي في التعامل مع القضية الفلسطينية والالتزام بالحل السياسي لها وفق رؤية حل الدولتين.

تبدو العلاقات التركية، بين ظهيرها الغربي عبر حلف الناتو وبين التوجه المصلحي نحو روسيا، متأرجحة وغير ثابتة بعد، في ظل انتهاز حكومة أردوغان الإستفادة من العقوبات الأوروبية الأميركية على روسيا بالدخول في صفقات اقتصادية وعسكرية ضخمة، من جهة، ولا سيما ما تنسبه أنقرة الى موقف الغرب المتذبذب من الإنقلاب الفاشل العام الماضي، من جهة أخرى. لذلك من المبكر الحكم على تلك العلاقات قبل تبلورها.

إن سياسة صفر مشاكل التي انتهجها حزب العدالة والتنمية منذ تبوئه السلطة لم تصل إلى الخواتيم المنشودة ولعل السياسة الجديدة التي تجمع الصلاحيات بيد الرئيس – بعد التعديلات الدستورية – وتقلل من تدخل المؤسسة العسكرية تعالج الإخفاقات المتتالية للحزب الإسلامي – العلماني في سياسة الدولة الخارجية.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.