ازدياد التهديدات النووية العالمية مع فشل أنظمة مكافحة إنتشار هذه الأسلحة

رياض قهوجي – مدير عام الأمن والدفاع العربي

segma

عدد المشاهدات: 1623

فشلت العقوبات والتهديدات المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من القوى العظمى في عملية ردع كوريا الشمالية عن تطوير أسلحتها النووية وقدراتها الصاروخية البالستية؛ وبالتالي أصبحت البلد الرابع الذي يمتلك كلا القدرات خارج الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي. فقد قامت بيونغ يانغ خلال شهري آب وأيلول 2017 باختبار ناجح لصاروخ عابر للقارات أتبعته بأول اختبار لها لقنبله هدروجينية بقوة لا تقل عن 50 كيلوطن. وتمثل كوريا الشمالية اليوم فشلاً آخراً في الجهود العالمية لمكافحة انتشار الأسلحة النووية، وترسل إشارة مشجعة إلى الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى ذات التطلعات التوسعية أو ذات المخاوف من التهديدات الوجودية من أن تحذو حذوها.

تمثل كوريا الشمالية اليوم فشلاً آخراً في الجهود العالمية لمكافحة انتشار الأسلحة النووية، وترسل إشارة مشجعة إلى الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى ذات التطلعات التوسعية أو ذات المخاوف من التهديدات الوجودية من أن تحذو حذوها.

تلحق كوريا الشمالية اليوم بالصين، الهند وإسرائيل في عملية تجميع ترسانة من الصواريخ البالستية العابرة للقارات وتشكل تهديداً خطيراً للبلدان في جميع أنحاء العالم. وقد أعلنت الهند وباكستان – علناً – عن قدراتهما النووية واختبار القنابل في عام 1998، متجاهلتين العقوبات الدولية التي أثبتت أنها غير مجدية. ويعتقد أن اسرائيل أجرت بدورها أول تجربة نووية في عام 1979 وقامت منذ ذلك الحين، ببناء ترسانة كبيرة من الأسلحة النووية إلى جانب سلسلة صواريخها البالستية من نوع Jericho. أما الولايات المتحدة والغرب، فاختارا عدم الاعتراف بالترسانة النووية الإسرائيلية ودعم سياسة “الغموض” التي تتبعها تل أبيب على أمل منع سباق التسلح النووي في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن المرشح التالي الذي من المرجح أن ينضم إلى النادي النووي في السنوات القليلة المقبلة هو من منطقة الشرق الأوسط – وبالتحديد إيران.

يخضع البرنامج النووي الإيراني حالياً للقيود المفروضة بموجب معاهدة وقعت عليها طهران في عام 2015 مع الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا. وفرض الإتفاق – المعروف أيضاً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) – تدابير عدة أثرت على قدرة إيران في تطوير أسلحة نووية في أي وقت قريب. ولكنه تجاهل برنامج الصواريخ البالستية الإيراني الذي لا يزال يحرز تقدماً، وما هي إلا مسألة وقت قبل أن يلحق ببرنامج كوريا الشمالية لتوفير صواريخ بالستية عابرة للقارات (ICBM). وتواصل طهران انتهاج سياسة توسعية عدوانية، كما هدّد قادتها بالخروج من خطة العمل الشاملة المشتركة إذا استمرت الولايات المتحدة في فرض عقوبات عليها.

  تنامي قدرات الجيش الحر قد تمكنه من إنشاء مناطق آمنة في حال امتلاكه دفاعات جوية

تجد الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن – الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا والمملكة المتحدة – نفسها اليوم أمام معضلة خطيرة وهي: كيف يتم ردع الدولة المسلحة نووياً بغض النظر عن حجمها؟ وهل سينجح التهديد أو فرض العقوبات كل الوقت؟. لقد كشفت الدروس التاريخية حتى الآن أن العقوبات نادراً ما تمنع البلدان من البحث عن القدرات النووية وحتى الحصول عليها. وبمجرد أن تصبح أي من تلك الدول نووية، فإنها لن تواجه مشكلة في ممارسة نفوذها أو سلطتها وحتى في تهديد قوة عظمى عالمية. وسواء كانت التهديدات حقيقية أو وسائل لتعزيز الردع فحسب، فإن الأمر لا علاقة له بالرأي العام وتصورات التهديد الوطني. فالقوى الإقليمية ذات القدرات النووية الصغيرة مثل كوريا الشمالية، أصبحت اليوم قادرة على الإنخراط في الساحة الدولية للمطالبة بمزيد من الحقوق التي تشعر بأنها تستحقها، داخل مناطقها وحتى خارجها.

إن سعي بعض الدول لاقتناء أسلحة نووية هو أمر ناتج إما عن شعورها بتهديد وجودي أو عن طموحات للتوسع والهيمنة. وهناك العديد من البلدان التي تمتلك المعرفة والقدرة على بناء أسلحة نووية ولكنها اختارت طوعاً عدم اتباع هذا المسار – كالبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا وغيرها. ولم تُستخدَم القوة إلا ضد دولتين عربيتين، وهما العراق وسوريا، لمنعهما من الحصول على قدرات نووية؛ حيث دمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية في عام 1981 مفاعل “أوسيراك” (Osirak) النووي العراقي، الأمر الذي أنهى مسعى صدام حسين للحصول على القدرة النووية. واستخدمت إسرائيل مرة أخرى قوتها الجوية في عام 2007 لتنفيذ سياستها الرامية إلى منع خصومها العرب من حيازة أسلحة نووية عن طريق تدمير ما يشتبه بأنه مفاعل نووي سوري بالقرب من دير الزور في الجزء الشرقي من البلاد.

إن البلد الوحيد الذي استسلم للعقوبات ووافق على التخلي طوعا عن برامجه لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، هو ليبيا

إن البلد الوحيد الذي استسلم للعقوبات ووافق على التخلي طوعا عن برامجه لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، هو ليبيا؛ وهذا حدث في نهاية عام 2003، بعد بضعة أشهر من غزو الولايات المتحدة للعراق بحجة إزالة برنامج أسلحة الدمار الشامل الخاص بالبلاد. ويعتقد العديد من المحللين أن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي تصرّف خوفاً من أنه سيكون الهدف القادم للولايات المتحدة بعد العراق، ومن ثم قرر تسليم ترسانته من أسلحة الدمار الشامل. تجدر الإشارة إلى أن ترسانة القذافي من تلك الأسلحة كانت تتألف في معظمها من أسلحة كيميائية، كما أن برنامجه النووي كان لا يزال في مراحله الأولى. ويمكن لدول مثل كوريا الشمالية أن تعلّق أهمية على كيفية عدم تمكّن نظام القذافي من البقاء في السلطة لفترة طويلة بعد أن تخلّى طوعا عن برامجه الخاصة بأسلحة الدمار الشامل.

من الآمن أن نستنتج أنه بمجرد أن يبني بلدا ما أسلحة نووية انطلاقاً من تصور متزايد للتهديد أو لأهداف توسعية عدوانية، سيكون من المستحيل تقريباً إجباره على نزع سلاحه بالكامل من خلال العقوبات أو التحذيرات

لذلك، من الآمن أن نستنتج أنه بمجرد أن يبني بلدا ما أسلحة نووية انطلاقاً من تصور متزايد للتهديد أو لأهداف توسعية عدوانية، سيكون من المستحيل تقريباً إجباره على نزع سلاحه بالكامل من خلال العقوبات أو التحذيرات. واستناداً إلى التجربة الهندية – الباكستانية أيضاً، لا يمكن حتى للعقوبات أن تقنع بلداً ذات تصور شديد للتهديدات بوقف برنامجه. وقد امتلك البلدان التكنولوجيا النووية لسنوات قبل أن يقررا توقيت عملية الاختراق النووي. يمكن أن يقال الأمر نفسه عن كوريا الشمالية، وربما عن إيران في المستقبل. ويمكن لطهران أن تقرّر يوماً ما التخلي عن خطة العمل الشاملة المشتركة وأن تكون في غضون فترة قصيرة مستعدة لإجراء أول اختبار علني للأسلحة النووية. وقد تضاعفت القدرات الدفاعية التقليدية وغير المتكافئة لطهران في السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي جعل أي تدابير عسكرية وقائية لوقف برنامجها النووي، أمراً معقداً جداً ومكلفاً. من هنا، إنها مسألة وقت وظروف سياسية معيّنة قبل انضمام إيران إلى النادي النووي.

  أهمية تطوير الإجراءات المضادة للتهديدات غير التقليدية في بحريات دول الخليج

تجدر الإشارة إلى أنه يمكن تعديل اتفاقيات الدفاع المشترك بين القوى العظمى النووية مثل الولايات المتحدة مع الحلفاء في العالم العربي أو آسيا، لتشمل منح مظلة نووية كوسيلة لضمان حماية تلك البلدان وتثبيطها من البحث عن أسلحة نووية. غير أن تصريحات القادة الأميركيين والغربيين التي تؤيد السياسات الانعزالية وتحدّ من الالتزام بالحلفاء، تقوض – بعد ذلك – الثقة بين الشركاء، وسوف تدفع بعض البلدان إلى تطوير قدراتها النووية المستقلة للتصدي لخصومها.

إن التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم هو كيفية كبح ما يبدو أنه سباق وشيك للأسلحة النووية في منطقتي الشرق الأوسط والشرق الأقصى. وقد خلق التنافس بين أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والمنافسة الاستراتيجية بين الشرق والغرب، ثغرات أثرت استراتيجياً على الجهود العالمية لمكافحة انتشار الأسلحة النووية. وحتى الهيئات الدولية كمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية فشلت في إزالت ترسانة النظام السوري من الأسلحة الكيميائية بشكل كامل على الرغم من العمل المكثف في عام 2014. وقد استخدم النظام السوري أسلحة كيميائية مرات عدة منذ ذلك الحين، بما في ذلك هجوم كبير بغاز للأعصاب في نيسان/أبريل 2017، مما أستدعى رد أميركي تمثل بقصف قاعدة الشعيرات الجوية التي يشتبه في تخزينها لكميات من غاز الأعصاب بصواريخ التوماهوك. وقد فشل مجلس الأمن الدولي في اتخاذ أي إجراء ضد سوريا بسبب الأوضاع المعقّدة والآثار المترتبة على التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وروسيا.

من هنا، لم ينجح نظام مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل ولا يزال يفشل في التوصل إلى حلول عملية للتصدي لها. ولعلّ تحقيق ذلك قد يتطلّب حرباً نووية – التي اذا ما تمكنت البشرية من تخطيها والبقاء على قيد الحياة – ليكون هناك نظام منع انتشار الأسلحة النووية، يعمل المجتمع الدولي على التمسّك به وإنفاذه على نحو فعال.

  تزامناً مع المحادثات النووية.. ربيع ساخن في الشرق الأوسط

 

المزيد للكاتب:

1 Comment on ازدياد التهديدات النووية العالمية مع فشل أنظمة مكافحة إنتشار هذه الأسلحة

  1. لا يمكننا ان نواجه مثل تلك الاسلحه (االنوويه وما فوقها ) من خلال انظمه مكافحه الانتشار .
    الطريقه التي يجب ان نخوض فيهامن اجل التحكم بتلك الاسلحه بان نبتكر مضادات لتلك الاسلحه تكون متاحه ولا تتطلب تكنولوجيا قويه لتصنيعها .
    اليس كذلك

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.