تركيا والناتو .. خطوة إلى الأمام خطوتين إلى الوراء

العميد (م) ناجي ملاعب

segma
منظومة أس-400
منظومة أس-400

عدد المشاهدات: 645

بشرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية “أس-400″، هل وضعت تركيا قدمها خارج الناتو تمهيداً للخروج! أم أن تركيا محكومة بإرث من التعاون العسكري مع الغرب في مجالات التسليح والصناعات العسكرية والأمنية يعيدها إلى مكانها المستقر منذ 1952 حيث ما يزال جيشها الجيش الثاني في الناتو؟

ما شهدته العاصمة الأميريكة واشنطن من قرارات وسياسات، قبل قمة أردوغان-  ترامب الأخيرة في نيويورك، لم يكن ليقدم مؤشرات طيبة على سير علاقات البلدين الحليفين. فالثقة بين أميركا وتركيا اهتزت منذ تعويل واشنطن على قوات كردية في الحرب ضد داعش في الشمال السوري، وكذلك بسبب رفض أميركي بتسليم فتح الله غولن المتهم من قبل الرئيس التركي بقيادة محاولة الإنقلاب منتصف حزيران/يونيو من العام الماضي.

على خلفية تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية بشأن القضية الكردية، وغيرها من القضايا العالقة مع واشنطن (قضية طلب تسليم فتح الله غولن)، وما استجد من سوء العلاقة مع برلين والذي تحاول أنقرة نسبته إلى القيادة الألمانية وليس اليها، وفي سياق التراجع الأميركي والأطلسي في الملف السوري، أتت استدارة أردوغان في الانفتاح على موسكو العام الماضي، لتتوج بإعلانه في 12  أيلول/سبتمبر، عن توقيع عقد شراء منظومة الدفاع الجوي أس 400 الروسية.

مبررات تركية بالتوجه شرقاً

توصف منظومة الدفاع الجوي أس-400 بأنها أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً في العالم، حيث يمكنها تتبع ما يصل إلى 80 هدفاً في نفس الوقت، وقادرة على ضرب هدفين في آن واحد، ويمكنها أن تدمر الطائرات وصواريخ كروز وصواريخ متوسطة المدى والطائرات من دون طيار وأنظمة المراقبة المحمولة جواً.

هذا التوجه في تنويع مصادر التسلح كان في صلب السياسة العسكرية لأردوغان، فقد اختارت تركيا في البداية – في العام 2009 – منظومة صواريخ “إتش كيو 9” الصينية للدفاع الجوي، إلا أن الأمور لم تسر جيداً، وألغي الاتفاق (من دون أن يعرف عما إذا كان الغرب قد مارس ضغوطاً على أنقرة).

  المباحثات حول تزويد المملكة العربية السعودية بمنظومة أس-400 مستمرة

ويبدو أن استعجال الرئيس التركي الحصول على المنظومة الروسية له صلة بتداعيات المحاولة الإنقلابية، والضعف الذي أخذ يعتري الجيش التركي بعد عملية التطهير الواسعة، من الجنرالات المقربين من الغرب. فقد جرى – وفق خبراء عسكريين أوروبيين – استبعاد 1800 من كوادر القوات الجوية، بينهم 300 طيار غالبيتهم من طياري مقاتلات أف-16 التي تمثل عماد سلاح الجو التركي. وتأزمت العلاقة عسكرياً مع واشنطن بعد مشكلة رفض أنقرة إرسال طياريها المتمرنين للتدرب في الولايات المتحدة، ورفض واشنطن إرسال مدربين إلى أنقرة، والتدخل لدى باكستان لمنع إتمام هذه المهمة. ولذا جاءت صفقة الأس 400 بهدف تعويم الدفاع الجوي للتعويض عن جزء من النقص في سلاح الجو.

تساهل في مواقف الناتو.. لكل دولة الحق في اختيار أسلحتها

لم يكن قرار أنقرة شراء منظومة أس-400 مفاجئاً، فعندما اندلعت حرب الخليج الثانية طلبت تركيا من حلفاء الناتو نشر صواريخ باتريوت في المطارات القريبة من الحدود العراقية لحمايتها من هجمات جوية محتملة. وافق حلفاء الناتو، ولكنهم وضعوا شروط عدة ، ولم يوافقوا على تجديد نشرها وخدمتها وسحبت الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا صواريخها من تركيا في الوقت الذي استمرت فيه حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

إزاء هذا الموقف من حلفائها في الناتو، بدأت تركيا البحث عن إنشاء نظامها الخاص للدفاع الصاروخي وفتحت مناقصة لهذا الغرض. وقد تبيّن أن العروض التي قدمتها بلدان حلف شمال الأطلسي كانت عالية التكلفة. وطلبت تركيا تصنيع بعض المعدات في أرضها، مع نقل بعض التكنولوجيا، لكن طلبها لم يلق أذناً صاغية من حلفائها.

واذا كان البنتاغون قد أبدى امتعاضاً من الخيار التركي ولوّح بالتفكير بسحب عسكره من قاعدة إنجرليك التركية إلى اليونان، لم يكن الإعتراض على الصفقة مع موسكو من حلف الشمال الأطلسي؛ حيث أكد، ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للحلف – ضمن مقابلة مع وكالة أنباء “أسوشيتد برس”، على أنه يحق لكل دولة عضو في حلف شمال الأطلسي تحديد منظومة الأسلحة التي تريد شراءها.

  تعديلات كبرى في الجيش التركي!

أمين علم حلف الناتو مطمئن لسير العلاقة العسكرية مع الأتراك فقد أقر ستولتنبرغ بأن أردوغان ملتزم بتعليمات حلف شمال الأطلسي قولاً وفعلاً. وفي الأثناء، وصف تركيا على أنها دولة رئيسة في إطار نظر أمن الناتو، نظراً لموقعها الاستراتيجي على الحدود العراقية والسورية.

مجاراة التسلح الأوروبي ولكن ضمن حق التصنيع المشترك

في حقيقة الأمر، أظهرت تركيا للغرب ومختلف حلفائها اهتمامها بتطوير التعاون العسكري والتكنولوجي مع روسيا. وبالتالي، أثبتت أنقرة أن لديها بديلاً يمكن أن تعتمد عليه فيما يتعلق بمشتريات الأسلحة والتنمية الاقتصادية، على حد السواء. وفي الوقت نفسه، تهتم تركيا بوسائل الدفاع الجوي المصنعة في الدول الأوروبية.

فبعد الحصول على المنظومة الروسية، دخلت أنقرة في مفاوضات لشراء أسلحة مماثلة من إيطاليا وفرنسا. ووقعت وزارة الدفاع الوطني التركية في 14 من تموز/يوليو 2017 اتفاقاً مع مجموعة يوروسام الأوروبية يقضي بتطوير وإنتاج مشترك لنظام الدفاع الجوي والصاروخي على الأراضي التركية.

والجدير بالذكر أن منظومة أس أي أم بي/ تي، قد صممت لحماية البنية التحتية الحساسة، بما في ذلك القواعد الجوية والموانئ ومواقع القوات، من أي استهداف عن طريق المركبات الجوية المأهولة وغير المأهولة، والقذائف الانسيابية والقذائف البالستية المزودة بمجموعة من الطلقات تصل إلى 600 كيلومتر

تطوير العلاقات العسكرية مع بريطانيا في مقابل الموقف الألماني

يلحظ تقرير لموقع المونيتور الأميركي ازدهاراً كبيراً في التعاون الدفاعي والأمني بين بريطانيا وتركيا في الآونة الأخيرة، بسبب تدهور العلاقات بين تركيا وألمانيا من ناحية والدور الناجح الذي تلعبه الدبلوماسية البريطانية في ملء الفراغ الذي خلفه ابتعاد تركيا عن الاتحاد. ومما ساهم في تعزيز التعاون بين البلدين، وفقاً للتقرير، موقف بريطانيا الداعم لتركيا في مواجهة المحاولة الإنقلابية وتضامنها معها، في وقت ما تزال دول أوروبية أخرى متحفظة.

  زيادة الإنفاق الدفاعي التركي والمبرّرات

وكان معرض التجارة الدولية لمعدات الدفاع والأمن 2017، الذي عقد في لندن في الفترة بين  12-15 أيلول/سبتمبر، معلماً آخر للتعاون الأمني بين البلدين. حيث شارك في المعرض أكثر من 30 شركة تركية، وهي أعلى مشاركة على الإطلاق من قبل الشركات التركية في معرض للصناعات الدفاعية في الخارج. كما تتردد أحاديث في أنقرة عن تعاون بريطاني تركي في إنتاج محرك الدبابة التركية ألتاي. ووفقاً للتقارير الواردة من أروقة أنقرة، قدمت شركة كاتربيلر أوروبا التي تصنع محرك دبابة تشالنجر 2، وبتشجيع من بريطانيا، عرضا للشركات التركية حول التعاون المحتمل في إنتاج ألتاي.

في واقع الأمر، لا يعتبر تطلع أنقرة إلى اقتناء وصنع منظومتها الدفاعية الصاروخية موجهاً ضد دولة معينة، حيث أن هذه المساعي – وفق خبير تركي – شبيهة بتحركات روسيا، التي بادرت بشراء سفن “ميسترال”، وذلك من أجل إثبات قوتها على الصعيد العالمي. ومن خلال شراء منظومة دفاع جوي، يحاول أردوغان إنشاء منظومة دفاع قوية، حتى يبيّن أنه على استعداد للرد على أي تهديدات أو تحديات قد تواجه دولته. سيما وأن القنبلة الموقوتة والتي لم تستحِ اسرائيل بدعم توجهها الإستقلالي والمتمثلة بأكراد العراق ليست بعيدة عن التمدد إلى الداخل التركي، ومن هنا فإن الأمن القومي التركي هو ما يحكم توجه حكومة أردوغان حتى لو اقتضى الأمر الخروج من الناتو.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.