نهاية الأزمة السورية مرتبطة بالحرب الباردة المتجددة

رياض قهوجي

الحرب الأهلية السورية
الحرب الأهلية السورية

عدد المشاهدات: 3313

تشير التطورات على الساحة الدولية والمتغيرات على الساحة السورية إلى أن الحرب في سوريا وإن هدأت على معظم الجبهات إلا أنها لم تنتهِ. فما تشهده الأزمة السورية اليوم هو عملية انتقال من مرحلة إلى أخرى كما حدث في السنوات الماضية، وكما شهدت الساحة اللبنانية خلال الحرب الأهلية. فلطالما الصراع الروسي-الأميركي والإيراني-السعودي لم ينتهِ، ولم تشهد دمشق عملية انتقال سياسي مدعومة دولياً، فإن الساحة السورية لن تعرف السلام والاستقرار وسيشهد الصراع فيها أوجها جديدة تتناسب مع كل من المراحل التي تمر بها.

فالأزمة السورية بدأت بانتفاضة شعبية تحوّلت إلى صدامات في الشوارع بين المتظاهرين وقوات الأمن ومن ثم انتقلت إلى نزاع مسلح بين فصال منشقة عن الجيش السوري وقوات النظام تحولت بسرعة إلى حرب مذهبية-اثنية، تلاها ظهور تنظيمات إسلامية متطرفة ارتبط بعضها بالقاعدة مهّدت لظهور داعش وتدخل عسكري من الجهات المؤيدة للنظام وخاصة حزب الله وإيران حتى جاء دور تدخل القوى العظمى العسكري بشكل مباشر كما هو الحال مع روسيا والولايات المتحدة الأميركية. باختصار، باتت سوريا ساحة مواجهة اقليمية-دولية بامتياز تتواجد عليها اليوم جيوش نظامية من أربعة دول (أميركا، روسيا، تركيا وإيران) ومجموعات مسلحة غير نظامية من خمسة دول (العراق، اليمن، باكستان، أفغانستان ولبنان) بالإضافة إلى مقاتلي فصائل المعارضة السورية المتحالفين مع تركيا ودول عربية عدّة.

يحاول النظام السوري وحلفاؤه الإيحاء اليوم بأن الأزمة شارفت على نهايتها وبأنه قد انتصر. لكن الواقع بعيد كل البعد عن هذا الأمر. فما يجري اليوم على الساحة السورية هو تنفيذ غير منظم لتفاهم الرئيسن الروسي والأميركي في اجتماع هامبورغ والذي تتجلى معالمه على الأرض يوماً بعد يوم.

يحاول النظام السوري وحلفاؤه الإيحاء اليوم بأن الأزمة شارفت على نهايتها وبأنه قد انتصر. لكن الواقع بعيد كل البعد عن هذا الأمر. فما يجري اليوم على الساحة السورية هو تنفيذ غير منظم لتفاهم الرئيسن الروسي والأميركي في اجتماع هامبورغ والذي تتجلى معالمه على الأرض يوماً بعد يوم. فمن الواضح أن الزعيمين قد اتفقا على تركيز الجهد العسكري على محاربة داعش وإنهاء وجودها، على أن يحتفظ كل طرف بالأراضي التي يسترجعها من داعش. وحسب بعض المراقبين الأميركيين، فإن التفاهم الروسي-الأميركي نص على أن تكون الأراضي شرقي نهر الفرات من نصيب قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً على أن تسيطر روسيا والقوات المتحالفة معها على المنطقة غرب الفرات. لكن يبدو أن الروس نكسوا بشكل محدود حتى الآن بهذا الاتفاق، وقد يكون السبب تدهور العلاقات بين واشنطن وموسكو بشكل كبير منذ اجتماع هامبورغ.

  حلف شمال الأطلسي.. في خمسة أرقام!

استمرار التحقيقات في أميركا بعلاقة الرئيس دونالد ترامب وفريقه الإنتخابي مع روسيا ودور موسكو المزعوم بالتأثير على نتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة يضغطان اليوم بشدة على العلاقات بين الدولتين. فلا يبدو أن إدارة ترامب قادرة على أخذ أي خطوات إيجابية باتجاه روسيا أو التعاون معها على أي ملف خشية تعزيز أو تثبيت الاتهمات ضدها. وقد قامت بفرض عقوبات اضافية على روسيا وتعمد إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً. وفي حال خلصت التحقيقات لتثبيت تدخل موسكو بالانتخابات الأميركية، فإن علاقاتها مع واشنطن ستتدهور بشكل كبير، مما سيؤثر حتماً على ملفات عديدة ويزيد من حمى الحرب الباردة التي تعود اليوم إلى الساحة الدولية على أكثر من جبهة ومنها سوريا.

يبدو جلياً أن تركيز أميركا اليوم بعد السيطرة على مدينة الرقة وحقل كونوكو للغاز والنفط في دير الزور سيكون التوجه نحو بلدتي الميادين والبوكمال من أجل اتمام السيطر على طول حدود سوريا الشرقية مع العراق ومنع إيران من اتمام بناء جسرها البري بين طهران والساحل السوري

وبالعودة إلى الساحة السورية، يبدو جلياً أن تركيز أميركا اليوم بعد السيطرة على مدينة الرقة وحقل كونوكو للغاز والنفط في دير الزور سيكون التوجه نحو بلدتي الميادين والبوكمال من أجل اتمام السيطر على طول حدود سوريا الشرقية مع العراق ومنع إيران من اتمام بناء جسرها البري بين طهران والساحل السوري. كما تتحضر القوات التركية لاحتلال أجزاء كبيرة من محافظة ادلب ووصلها مع المساحة الكبيرة التي تسيطر عليها اليوم في ريف حلب الشمالي والشرقي. وتبقى الصورة غامضة فيما يخص مصير المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في غوطة دمشق ودرعا التي تشهد اليوم حالة من الهدوء الحذر. وعليه، فإن مصير سوريا لم يعد بيد نظام بشار الأسد، بل يخضع لمصالح ومخططات لاعبين إقليميين وقوى عظمى تبني قواعد عسكرية دائمة لها على الأراضي السورية إن كان على الساحل أو وسط البلاد أو شمالها وشرقها. فقرار ومصير سوريا خارج دمشق وفي عاصمتين أساسيتين: موسكو وواشنطن، وربما بعض العواصم الإقليمية.

  أميركا تتحضر للكشف عن أحدث طائرة تجسّس في العالم

تبقى اسرائيل اللاعب الإقليمي المترقب والذي تجهل القوى العظمى ما ستقدم عليه وتحاول استرضاءها وتطمينها لثنيها عن تدخل عسكري كبير. فالجميع يعلم مدى حساسية اسرائيل للتهديدات. كما أن الجميع يدرك عقيدة اسرائيل العسكرية القائمة على شن ضربات استباقية ونقل المعركة إلى أرض العدو بسرعة في حال شعرت بأن خطراً حقيقياً بات يتهددها. من هنا، غض النظر الروسي عن الضربات الأسبوعية التي يشنها سلاح الجو الإسرائيلي ضد اهداف في محيط دمشق والتي تطال أحيانا قواعد عسكرية لجيش النظام. لا تريد روسيا أي مواجهة مباشرة مع اسرائيل لأن ذلك سيؤدي الى مواجهة عسكرية مع حليفها الإستراتيجي – الولايات المتحدة. فمن غير المحتمل أن تتدخل روسيا لمساعدة ايران أو حزب الله في حال ما أدى التصعيد الحالي إلى تدخل عسكري اسرائيلي كبير في الجولان قد يمتد إلى طريق دمشق-بيروت ومن ثم سهل البقاع. فإن كافة القوى الدولية والإقليمية تدرك مدى حجم الدمار الذي ستخلفه حرب اسرائيلية وحتمية أحداثها موجة جديدة من النزوح باتجاهات متعددة.

لبنان أصبح خارج ساحة الصراعات الدولية والإقليمية والتي باتت محصورة اليوم في سوريا والعراق واليمن. وجاء ذلك نتيجة جهود من قبل قوى خارجية وداخلية أفضت الى وجود حد أدنى من الإتفاق السياسي بين القوى اللبنانية المتصارعة على السلطة

من أهم ما أظهرته تطورات السنوات الماضية هو أن لبنان أصبح خارج ساحة الصراعات الدولية والإقليمية والتي باتت محصورة اليوم في سوريا والعراق واليمن. وجاء ذلك نتيجة جهود من قبل قوى خارجية وداخلية أفضت الى وجود حد أدنى من الإتفاق السياسي بين القوى اللبنانية المتصارعة على السلطة مما أوجد الاستقرار الحالي حيث هي المرة الأولى في التاريخ الحديث تكون غالبية بلاد الشام مشتعلة باستثناء لبنان.

سياسة تحييد لبنان سياسياً أو ما يسمى النأي بالنفس نجحت بإبعاد لبنان عن النار السورية. العمل اليوم على انهائها تحت حجة إعادة اللاجئين أو لاعتقاد بأن النظام السوري قد انتصر وهو مسيطر على الوضع، سيؤدي الى ضم لبنان إلى ساحة الصراع السورية وانتقال نار الحرب هناك اليه.

لقد أعلنت القوى الغربية عبر وزير خارجية بريطانيا بأن لا دعماً مالياً لإعادة إعمار سوريا قبل اكتمال عملية الانتقال السياسي في سوريا. وعليه، لا عودة للنازحين من أي مكان كون غالبية بيوتهم قد دمرت.

فلقد أعلنت القوى الغربية عبر وزير خارجية بريطانيا بأن لا دعماً مالياً لإعادة إعمار سوريا قبل اكتمال عملية الانتقال السياسي في سوريا، وهي عملية لا تزال في بداياتها. وعليه، لا عودة للنازحين من أي مكان كون غالبية بيوتهم قد دمرت. أما موضوع العودة الى مناطق آمنه فهو بحاجة الى قرار أممي ينظم عملية إدارة هذه المناطق وتأمين سلامتها.

  الكشف عن قاعدة جوية أميركية "مهجورة" في القطب الشمالي

إن دفع لبنان باتجاه التطبيع السياسي مع دمشق سيؤدي حتماً الى اعتبار لبنان جزءًا من المحور الإيراني-الروسي، خاصة أن الصراع على المستويين الإقليمي والدولي يتصاعد بشكل تضيق معه المنطقة الرمادية: فإما أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك أو تكون محايداً بشكل تام. تجدر الإشارة إلى أن الحرب الأهلية اللبنانية انتهت بعدما انتهت الحرب الباردة والأمر عينه سيجري مستقبلاً على سوريا التي لن تشهد السلام الحقيقي قبل انتهاء الحرب الباردة المتجددة إقليمياً ودولياً.

باحث في الشؤون الاستراتيجية

المزيد للكاتب:

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.