تعاون القوى النظامية وغير النظامية في القتال في الحرب السورية

العميد م. ناجي ملاعب

قوات سوريا الديمقراطية
قوات سوريا الديمقراطية

عدد المشاهدات: 416

ما بين القوى النظامية وغير النظامية في سوريا قتال شرس لم يحترم فيه الفريقان اية معايير دولية لحقوق الإنسان ولا لإتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949. لكن الملفت في هذه الحرب الجديدة ليس قتال الفريقين (الجيش والميليشيا) ولكن تعاونهما؛ فقد تشارك الروس – وفق خبراء عسكريين –  معلومات استخباراتية حول أرض المعركة مع «حزب الله» في سوريا وعرّفوا الحزب على أدواتهم الاستخباراتية، كما تشارك الأميركيون في القتال مع قوات سوريا الديمقراطية في تحرير مدينة الرقة ومكنوا تلك الميليشيات من الإستفادة من خدمات التحالف الدولي في الإستعلام والتدريب على الأنظمة الحديثة.

وعلى نطاق أوسع، فقد تجاوز تنسيق وتعاون حزب الله مع الجيش السوري الى الإستفادة من قدرات وامكانات الجيش الروسي، بحيث يطّلع الحزب عن كثب على كيفية قيام المحللين الروس بجمع استخبارات الإشارات واستخبارات بصرية واستخبارات المصادر المفتوحة لتقديم صورة أوضح عن العدو وأرض المعركة. ويتضمن ذلك استخدام الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية وتصوير جوي من الطائرات بدون طيار من طراز “Orlan-10” وقدرات متطورة متعلقة باستخبارات الإشارات وعناصر الحرب الإلكترونية. وتعتبر هذه الملاحظات ذات قيمة خاصة بالنسبة إلى «حزب الله» كونه لا يملك خبرة كبيرة في جمع أقصى قدر من الاستخبارات البصرية انطلاقاً من الطائرات بدون طيار وفي إدراجها ضمن استخبارات أخرى.

صمود الجيش السوري وصيغة  “القوى العسكرية الرديفة”

لم يكن الجيش السوري مُهيّأً قتالياً عندما اندلعت الأزمة الحالية في البلاد في ربيع العام 2011. ومع ذلك، استطاع أن يصمد بعد ست سنوات في وجه ثورةٍ شعبيةٍ حاشدة، وحربٍ متعدّدة الجبهات، وعشرات آلاف الانشقاقات في صفوفه من كافة الرتب.

في تقرير لمؤسسة السلام الدولي في 14 آذار/مارس 2016 يرى الكاتب خضر خضور “أن العوامل التي سلبت الجيش قدرته القتالية في حقبة السلم، أصبحت قوّته الرئيسة في خضم الحرب. وعلى وجه الخصوص، تحوّلت شبكات الزبائنية والمحسوبية في الجيش، والتي تعود إلى ماقبل الحرب، إلى سلسلةٍ موازيةٍ من القيادة تشدّ عضد النظام. والواقع أن هذا الأخير استطاع، من خلال سحب الجيش من خطوط أمامية محدّدة، أن يعزّز قاعدته الاجتماعية والسياسية والمجتمعية المحلية، بعد أن جنّد ميليشيات مؤقّتة لتلبية احتياجاته من المشاة. سلسلة القيادة الموازية هذه، أتاحت للنظام أن يكيّف استراتيجيته للتفاعل مع ديناميكيات الصراع المتغّيرة بسرعة، وليضمن قبضته على القوات شبه العسكرية الموالية، ويرسّخ نفسه في المناطق ذات الأهمّية”.

كما أن الجيش يشكّل العمود الفقري اللوجستي للميليشيات التي يرعاها النظام، ودرج على تسميتها بالقوى العسكرية الرديفة، وهي شكلت الرافد الأهم لداعمي النظام: روسيا وإيران. ففي حين أن الميليشيات وفّرت معظم احتياجات النظام من المشاة، حافظ الجيش على سيطرته على القوة الجوية واستخدام الأسلحة الثقيلة. نتيجةً لذلك، تراجع عدد الإصابات والانشقاقات، وتعزّزت صورة نظام الأسد كرمزٍ للوحدة الوطنية. وهكذا أتاح تطوّر الجيش السوري وصموده منذ العام 2011 للنظام الصمودَ في الصراع، والتموضع في موقعٍ يجعله جزءاً لايتجزّأ من أي حلّ سياسي تفاوضي قد يجري التوصّل إليه.

  ارتفاع صادرات الأسلحة الخفيفة البلغارية بسبب نزاعات الشرق الأوسط

وتقول دراسة صادرة عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن ان “الانتفاضة والتمرد في سوريا وضعا القوات السورية (…) امام خياري التأقلم او الموت”. وتشير الدراسة الصادرة في ايلول/سبتمبر 2016 الى ان تحولات كبيرة حصلت اعتبارا من بداية سنة 2013 في هيكلية الجيش، هدفها تمكينه من القتال في الشوارع والارياف، حيث “انقسمت الوحدات الكبيرة الى وحدات أصغر، وتم تهميش القيادات القديمة (…) ومنح الضباط الصغار مسؤوليات اكبر على الارض”.

استخدام متواصل لأسلحة محظورة من دون محاسبة

من المستغرب في هذه الحرب الصمت الدولي على استخدام الطائرات والقاذفات الإستراتيجية والصواريخ الجوالة من البوارج والصوارخ الأرضية على الشوارع والحياء السكنية دون أي وازع، والطامة الكبرى كانت في اللجوء الى استخدام الأسلحة المحظورة من قنابل الفوسفور وغار السارين والكلور على المدنيين في مناطق سيطرة المعارضة أسلوباً لبث الرعب في تلك المناطق، في ظل “الخجل الدولي” في الوصول بالتحقيقات الى نتائج حاسمة الى ادانة الجهة التي لجأت الى هذه الأسلحة الإجرامية. ومن المفارقة أن تتطالب روسيا الدولة ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بالتحقيق وتعرقل ذلك باستعمالها حق النقض (الفيتو)، في كل مرة تجمع معظم دول المجلس على الإدانة.

وقد أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” ان أدلة جديدة أثبتت أن قوات النظام استخدمت مواد كيميائية تهاجم الأعصاب في 4 مناسبات على الأقل في الأشهر الاخيرة، وذلك في 4 نيسان 2017 في هجوم كيميائي على خان شيخون، أسفر عن مقتل 92 شخصا على الأقل، وفي 3 مناسبات أخرى في كانون الأول 2016 وآذار 2017.

وقال كينيث روث، المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش أن استخدام الحكومة اخيرًا للمواد الكيميائية التي تهاجم الأعصاب هو تصعيد قاتل، وجزء من نمط واضح”، مضيفًا: “في الأشهر الستة الماضية، استخدمت الحكومة الطائرات الحربية والمروحيات والقوات البرية لتنفيذ هجمات بالكلور والسارين في دمشق وحماة وإدلب وحلب. يعد هذا استخداما واسع النطاق ومنهجيا للأسلحة الكيميائية”.

  واشنطن مستعدة لتخفيف الحظر على تصدير الأسلحة إلى ليبيا

الميليشيات والطائرات الصغيرة المسيرة عن بعد

كان أول إعلان من الحزب حول استخدم طائرات من دون طيار لضرب تنظيم “داعش” في سوريا قرب الحدود مع لبنان في منتصف شهر آب/ أغسطس الفائت.

في الجهة المقابلة فقد اعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على الطائرات المسيرة عن بعد الصغيرة الحجم وحمّلوها بما لا يزيد عن 2كلغ من المتفجرات واستعملوها بشكل مكثف في دفاعهم عن مدينة الرقة بتفجيرها فوق مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي.

وكانت الفصائل السورية المعارضة قد حولت طائرات لإيصال الطعام للزبائن إلى طائرات تحمل القذائف، حيث توصلت الطائرة الى حمل 500 غرام من المواد المتفجرة”.

تنظيم الدولة “داعش” والإستفادة من ضباط سابقين

ومن الدروس المستفادة كذلك، كيفية استخدام تنظيم الدولة للأسلحة والأعتدة الحديثة لقوام فرق عسكرية عراقية وهو تنظيم ميليشيوي؟ فقد حصل التنظيم بعد انهيار «الفرق العراقية الست»  في العام 2014 على ترسانة هائلة من الأسلحة والأعتدة والذخائر  بينها 1700 عربة أميركية مدرّعة من طراز «هامر»، وأربعين دبابة أم1 آي1 الأميركية الحديثة، وأضاف إلى هذه الترسانة ما غنمه من الجيش السوري. وقد تسلم ضباط عراقيون سابقون من الجيش الذي تم حله بعد الغزو الأميركي في العام 2003 مراكز القيادة وأصبحت الهيكلية شبه عسكرية بتسميات اسلامية.

وعن نقاط القوة لدى «داعش» قال مسعود البرازاني رئيس إقليم كردستان: «السيارات المفخخة التي يقودها انتحاريون والعبوات الناسفة وبنادق القنص، والدقة في استخدام المدفعية بسبب وجود ضباط محترفين معهم”. وأكد بارزاني بأن “داعش” تنظيم شديد الخطورة، يتشكل من حوالى 50 ألف مقاتل في العراق وسورية.  وقال: «لديهم خبراء من مختلف بلدان العالم.. استقطبوا ضباطاً متقاعدين من الجيش السوفياتي السابق، من أوزبكستان وكازاخستان والتتار والشيشان. ولديهم عناصر من باكستان وعدد كبير من ضباط الجيش العراقي (السابق). وبعض الإختصاصيين من الدول الأوروبية، والذين أسهموا في تطوير وسائل الإتصال لدى التنظيم وشيفرتها.

وقد اعترف جيمس كومي رئيس FBI في شهادته أمام الكونغرس في 9/7/2015 أن داعش تستخدم على نطاق واسع برامج التشفير الأمني من أجل منع اختراق بياناتها ومعلوماتها الخاصة ووسائل تواصلها التي تستخدمها لتجنيد المقاتلين الجدد، وتعمد الى حماية مجندين محتملين ومن يوصفون بـ”الذئاب المنفردة” الذين يقومون بتنفيذ هجمات بقرارات منفردة، والذين يتواصلون مع التنظيم عبر برامج المراسلات المختلفة الموجودة في الهواتف الذكية، بأنظمة تشفير تبقي الأجهزة الأمنية بمنأى عنهم.

عودة الى المغاور والكهوف

  للمرة الأولى.. مركبات مدرعة أميركية لقوات سوريا الديمقراطية

شكلت المغاور الطبيعية والكهوف في الأماكن الجردية والجبلية مراكز لإيواء المسلحين ويتبين من عمليات البحث والتفتيش في المناطق التي استعادها الجيش اللبناني من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” – في عملية “فجر الجرود” التي خاضها الجيش لطرد داعش من جرود رأس بعلبك والقاع المحاذية للحدود مع سوريا – خصوصاً داخل المراكز والمغاور والخنادق، العثور على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات والاعتدة العسكرية، شملت مدافع هاون ورشاشات متوسطة وثقيلة وبنادق حربية وقنابل يدوية، وقاذفات مضادّة للدروع وصواريخ مضادّة للطائرات، وعبوات ناسفة وألغاماً مضادّة للأشخاص والآليات وقذائف وذخائر من عيارات مختلفة، بالإضافة إلى كميات من أجهزة الإتصال والتصوير ومعدات عسكرية متنوعة، وأدوية ومنشطات.

الأتراك والجيش الحر:

كانت تركيا معبراً أساسياً لتزويد المعارضة السورية المسلحة بالأسلحة والذخائر، وقد رعت تدريب بعض تلك الفصائل وكان التعاون والتنسيق بين الجيش التركي والجيش السوري الحر على أتمه في عملية درع الفرات التي خاضها الجيش التركي مع قوى غير نظامية ومنها الجيش الحر، وللمفارقة فإن الدبابة الألمانية ليوبارد 2 فخر الصناعة العسكرية الألمانية لم تصمد أمام صواريخ روسية مضادة للدروع وتبين عيبها من الجهة الخلفية حيث استطاع داعش اعطاب ست دبابات للجيش التركي.

في الخلاصة فإن الحرب بالوكالة في سوريا لم تصمد طويلاً بل اضطر الأميركيون الى ادخال قوات الى الشرق والشمال السوري ومساعدة القوات شبه العسكرية التي دربوها (قوات سوريا الديمقراطية)، ولم يكتفِ الأتراك بدعم فصائل المعارضة بل قاتلوا معها جنباً الى جنب في عملية درع الفرات، ونسقت القوات الروسية مع حزب الله وزودته بقدرات توازي مقومات جيوش، وحضر الحرس الثوري الإيراني الى ساحات القتال السورية بعد أن لحظ عدم كفاية تدخل ميليشيات تابعة وأخيراً حافظ الجيش السوري على بقاء هيكلته العضوية بفضل احتوائه وتدريبه لقوى “رديفة” من سوريين وغيرهم.

لم يحن الوقت بعد لبحث الدروس المستفادة من القتال ما بين قوى نظامية معتمدة على قوى رديفة، كلها تجارب موضع درس مستقبلاً: قتال بوسائل بدائية في زمن التقدم التقني الهائل.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.