زيادة الإنفاق الدفاعي التركي والمبرّرات

العميد (م). ناجي ملاعب

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتفقّد مروحية تركية الصنع
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتفقّد مروحية تركية الصنع

عدد المشاهدات: 2435

زادت الحكومة التركية من ميزانية مصاريف الدفاع والأمن لعام 2018 بنسبة 31% مقارنة بعام 2017. وبلغت ميزانية الدفاع والأمن التركية للعام القادم 84.6 مليار ليرة تركية (نحو 23 مليار دولار) كما سيتم تحويل حوالي 5 مليارات دولار إلى الصناعات الدفاعية لشراء أسلحة جديدة. فما هي أسباب تلك الزيادة؟

وكانت تركيا – بحسب قاعدة بيانات “سبيري” لعام 2016 – احتلت المرتبة الــ 18 في الإنفاق العسكري مباشرة خلف اسبانيا، ومتقدّمة بمرتبة واحدة فقط عن إيران التي احتلت المرتبة الــ19، وذلك بواقع 14.9 مليار دولار.

وفقاً للأرقام الصادرة عن تقرير حول الإنفاق الدفاعي في دول الناتو، فان الإنفاق الدفاعي التركي كان سلك مسلك التراجع خلال السنوات الست الماضية، من %1.93 عام 2010 إلى %1.56 عام 2016. لكن وفقاً للمشروع موازنة عام 2018، من المنتظر أن يرتفع الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي %2.

برامج الإنتاج الحربي المحلي والفاتورة العسكرية

أحد أهم أسباب الإهتمام بالفاتورة العسكرية يتمثل في التقدّم المذهل في مجال توطين صناعة الدفاع، بل والتحوّل إلى التصدير، فانّ صادرات تركيا الدفاعية – وفقاً لهيئة مصدّري صناعة الدفاع والطيران – وصلت عام 2016 إلى 1.677 مليار دولار. وتصدّر تركيا حالياً حوالي ثلث إنتاجها من الصناعات الدفاعية البالغة حوالي 5 مليارات دولار، وتساوي صادراتها في هذا المجال حوالي %1 من مجمل الصادرات التركية.

ويعود جزء من هذا التقدّم إلى اتفاقات الشراكات ومخصّصات الأبحاث والتطوير في القطاع الدفاعي والجزء الآخر يعود إلى العقود المتعلّقة بنقل التكنولوجيا، وهو الأمر الذي أدّى إلى تزايد الإعتماد على الصناعات الدفاعية المحليّة لتلبية احتياجات القوات المسلّحة، لتصل إلى نسبة %68 خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

وتنشط اليوم أهم شركات التصنيع العسكري في تركيا وخارجها وتضم بالإضافة إلى أسيلسان، شركات توبيتاك وروكستان وهافيلسان وتوساش وتومسان وميتيكسان التي اجتازت شوطاً بعيداً بتطوير الأسلحة الأصلية وأنظمة الدفاع.

  محللون: لا أساس لمخاوف واشنطن من صفقة شراء تركيا منظومة أس-400‏

أبرز برامج التسليح التي تنفذها تركيا منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة – والذي وضع نصب عينيه استقلالية التصنيع العسكري –  كان مشروع “ميلجيم” لإنتاج أول سفينة حربية محلية الصنع “هايبلي آدا” في عام 2011، وصولاً إلى البدء بصناعة 6 غواصات ستعمل على وقود الهيدروجين. وتناول خط الإنتاج البندقية إم تب بي 76، ومدافع الهاوتزر” فيرتينا”، إضافة إلى التقدم الهائل في إنتاج الدبابة التركية “ألتاي” (بالتعاون مع ألمانيا وكوريا الجنوبية) وتطوير طائرات “بيرقدار” من دون طيار. ويسلك مشروع “يالدريم” للصواريخ البالستية طريقه بنجاح أسوة بالمشروع الإيراني “شهاب”. وتسعى تركيا لأن تصبح مورداً نشطاً للسلاح، لا سيما إلى عدد من الدول الآسيوية الصديقة كقطر وباكستان وأذربيجان والسعودية والبحرين. وقد عقدت مع معظم تلك الدول صفقات بيع تمتد لسنوات.

الإستقلالية في القرار السياسي تبدأ بتنويع مصادر السلاح

ينظر المراقبون إلى أن هدف أنقرة من مشاريعها الطموحة للتسليح هو إعادة التموضع الإقليمي، بلعب الدور السياسي المتوافق مع الأمن القومي التركي، وصولاً إلى التوقف عن النظر إليها بوصفها حليف الغرب العاجز التقليدي منذ الحرب الباردة والمعتمد على الحماية الدولية.

وتتطلّب التحديات الأمنيّة والدفاعية لهذا البلد على الصعيد الإقليمي زيادة في الإنفاق للحفاظ على جهوزية القوات المسلحة، لا سيما أنّ الجيش التركي يعتبر ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، وهو بعد تغيير دوره في السلطة السياسية مر بأزمات ليست بالقليلة وأصبح التحديث والتطوير من الضرورات الداهمة.

كما أنّ العمليات التي تقوم القوات المسلحة بتنفيذها داخل كل من سوريا والعراق مؤخراً، وما تعهدت بتنفيذه في اجتماعات أستانا في القادم من الإيام، تحتاج الى تمويل، خاصّة أنّه من غير المتوقّع لها ان تنتهي قريبا، حيث قام البرلمان بتجديد الصلاحيات التي تتيح للجيش تنفيذ عمليات خارج حدود البلاد للدفاع عن الأمن القومي.

  مجموعة واسعة من المعروضات العسكرية الروسية خلال آيدكس 2017

وفي سبيل تحقيق المزيد من استقلالية القرار السياسي تسعى انقرة إلى إثراء ترسانتها من الأسلحة بتنويع وارداتها من الدول غير الأعضاء في حلف الناتو، وإنهاء اعتمادها على أسلحة الحلف، ما من شأنه أن يضعف على المدى الطويل نفوذ الناتو على تركيا. لا سيما مجالات الدفاع الجوي،

الدفاع الجوي من خارج شبكة الناتو

لا تلبي البداية الطموحة في الإنتاج الحربي للشركات التركية الحاجيات والمتطلبات العسكرية والأمنية، لا سيما في مجالات الدفاع الجوي، لتعزيز قدراتها الدفاعية، خاصةً أنها لا تملك مثل هذه الدفاعات حالياً، وكانت تعتمد في الماضي على ما تقدمه لها دول “الناتو”، كما حدث خلال حربي الخليج الأولى والثانية.

وقد حاولت أنقرة استدراك النقص بعقد صفقة مع الصين لإمتلاك صوارخ بالستية متقدمة خصصت لها مبلغ 4 مليارات عام 2013 لكن ضغوط قوية من حلف الناتو ألغت الصفقة، واستعيض عن ذلك بتقديم الناتو بعض بطاريات الباتريوت ومركزتهاعلى الحدود التركية السورية. لكن الناتو ما لبث أن سحب منظومته للدفاع الجوي من تركيا. واكب ذلك الحدث مجموعة من الأخطار ومنها القلق السياسي الذي عانته تركيا بعد محاولة الإنقلاب العام الماضي والموقف الأميركي والأوروبي من تعاطي أنقرة بصرامة مع الإنقلابيين، الى جانب التطورات المتسارعة على الحدود مع سوريا والعراق، وتطور القضية الكردية وانعكاسها على الداخل التركي. كل ذلك عجَّل في انتهاج سياسة تركية خارجية غير معهودة سابقاً توجت بالذهاب أكثر نحو موسكو حيث عقدت معها صفقة تاريخية للحصول على نظام الدفاع الجوي المتقدم أس 400.

وفي رد فعل مقبول على تلك الصفقة  اعتبر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أن كل دولة عضو في “الحلف” تتخذ قرارها بنفسها في ما يتعلق بـ”المعدات التي تشتريها”، فيما اكتفت الخارجية الأميركية، أثناء تعقيبها على الصفقة، بالإشارة إلى أنها تناقض التزامات الدول الأعضاء في “الناتو” كما تجلت في بيان قمة وارسو عام 2016.

  مراحل من برنامج الدفاع الجوي والصاروخي التركي

وقد يعبِّر التقرير الذي نشره السفير الإسرائيلي السابق في موسكو تسفي مغين، والباحثة في “مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي” غاليا ليندشتراوس، عن موقف شبه رسمي، حيث قال “إن الدروس التي استخلصتها تركيا من تلكؤ وتأخر دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) في نشر بطاريات “باتريوت” في أراضيها خلال حربي الخليج الأولى والثانية، تدفع الأتراك باتجاه بناء قوة ذاتية، وحيازة منظومة “أس-400″ الروسية”. ولفت التقرير إلى أن “إتمام الصفقة سيلزم بمواصلة التعاون التركي- الروسي المطلوب لتفعيل هذه المنظومة الدفاعية، مما قد يفضي إلى استمرار القلق في صفوف الحلف الأطلسي من تهريب ووصول معلومات استراتيجية بمستويات مختلفة من تركيا لروسيا”.

تقديم الأمن القومي التركي على ما عداه من إلتزامات تركية مع الغرب والشرق على السواء هو ما يقرر زيادة الإنفاق العسكري أو عدمه، وهو أمام عدم الثقة المتبادلة المتزايدة بين تركيا والغرب، في مقابل حاجة روسيا وتركيا إلى بعضهما البعض سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً تبقى العامل الأساس في هذا المجال.

sda-forum

1 Trackbacks & Pingbacks

  1. روسيا ستمدّ تركيا بأربع وحدات من منظومة أس-400 مقابل 2.5 مليار دولار

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.