سلاح الطيران وفعاليّته في عمليات التحالف العربي

العميد م. ناجي ملاعب

صورة التقطت في 16 تشرين الثاني 2015 تظهر طياراً سعودياً يسير إلى جانب طائرة مقاتلة من طراز أف-15 في قاعدة خميس مشيط العسكرية، على بعد 880 كيلومتراً من العاصمة الرياض (AFP)
صورة التقطت في 16 تشرين الثاني 2015 تظهر طياراً سعودياً يسير إلى جانب طائرة مقاتلة من طراز أف-15 في قاعدة خميس مشيط العسكرية، على بعد 880 كيلومتراً من العاصمة الرياض (AFP)

عدد المشاهدات: 1560

تحليل استراتيجي – عسكري

نجحت القيادة الحازمة للمملكة العربية السعودية منذ تسلّم الملك سلمان بن عبد العزيز سدة الحكم، وأعاد هيكلته لسياسة المملكة بشكل يتوافق مع المتغيرات الدولية، في خَلق حالة توازن جديدة في عدد من الملفات بين محاور الاختلاف، سيما في ملفي “تنظيم الدولة” والإخوان المسلمين.

إلّا أن العامل الإيراني في تسلّله إلى المنطقة العربية أحدث ارتباكاً وخللاً في الملف اليمني نتيجة دعمه الإنقلاب الحوثي على السلطة الشرعية، وهذا خط أحمر في مسألة الأمن القومي الخليجي، ما دفع الملك سلمان للإنخراط في عملية توافقية خليجية، رسمت أطر شراكة بين دول الخليج العربي وخارجه، وأسست لقوة عسكرية مشتركة، تحت مسمّى “عاصفة الحزم”، وهي بمثابة شراكة عسكرية قد تمهد لوضع إطار توافقي لاستراتيجية مستقبلية قد تتخطى دول مجلس التعاون.

بعيداً عن الموقف القطري المنسلخ عن السياق الخليجي الواضح الرؤية والأهداف، وما يتأتى عن خروج الدوحة عسكرياً من عاصفة الحزم – وقد يفيد هذا الخروج العملية العسكرية أكثر مما يؤذيها – كيف يمكن تقييم نتائج العملية العسكرية لدعم الشرعية في اليمن؟ وهل كان الإعتماد على سلاح الجو مجدياً؟

1 – في النتائج السياسية والإستراتيجية

استجابة عربية للقرار السياسي الخليجي:

أثبتت الشراكة العسكرية نجاحاً تنسيقياً ولوجيستياً وعملياتياً، أدى إلى خلق حقل تجاذب أفضى بدوره إلى مد جسور تعاون عربي – عربي تمثل بالاستجابة العربية للقرار السياسي الخليجي المُتخذ ببدء عاصفة الحزم لأن تكون جزءاً من هذا القرار الخليجي من ضمن مفاهيم تقاطع المصالح.

فقد جاء التحرك المصري بإعلان الإنضمام إلى عاصفة الحزم، بنسق اعتبارات القيادة المصرية في الاستجابة للحليف السعودي، الذي يُعدّ من أكبر الدول الداعمة لها منذ ثورة 30 حزيران/يونيو، بالإضافة إلى التأكيد المصري مراراً أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر. وأعاد انضمام السودان، كذلك، إلى العملية العسكرية إلى ربط البلد الأكبر مساحة في بلاد العرب، بعد السعودية، بالهوية العربية، بعد الإنهيار الإقتصادي وسلخ جنوب السودان عن البلاد. ومثّل “الظهير الخليجي” انفراجاً لعزلة الخرطوم إقليمياً ودولياً، وثبت صحة هذا الموقف في القرار الأميركي – بمسعى سعودي – بداية الشهر الحالي برفع العقوبات عن حكومة الخرطوم. وتوالت الاستجابة العربية لتصل مملكتي المغرب والأردن.

  قيادة التحالف العربي في اليمن تنهي مشاركة قطر فيه

المحصلة الإستراتيجية العربية في هذا التعاون العسكري مع مصر والسودان انعكس في الإحاطة بباب المندب في الحضن العربي، فإن أي تهديد يتسبب في إغلاقه سيؤدي للحيلولة دون وصول ناقلات النفط من الدول الخليجية إلى قناة السويس. وقد تطور التعاون العسكري بين البلدان العربية العشر إلى الشأن الإقتصادي، والمقصود هنا الدعم الخليجي للدول العربية المشاركة في عاصفة الحزم على عدة مستويات، تمثلت في مساعدات وهبات واستثمارات كبيرة أسهمت في انقاذ الإقتصاد المتعثر في معظم تلك الدول.

قائد طاقم تابع لسلاح الجو الإماراتي  يحيي السلام على طيّار مقاتلة ميراج 2000-9 قبل أن تقلع من خط طيران قاعدة نليس الجوية في 23 يناير 2013 (سلاح الجو الأميركي)
قائد طاقم تابع لسلاح الجو الإماراتي يحيي السلام على طيّار مقاتلة ميراج 2000-9 قبل أن تقلع من خط طيران قاعدة نليس الجوية في 23 يناير 2013 (سلاح الجو الأميركي)

استعادة التوازن المفقود مع إيران:

قد تخلص قيمة الشراكة العسكرية الخليجية العربية لهذه النتيجة. خصوصاً وأن تمدد طهران العسكري في العراق وسوريا ولبنان إضافة للولاء الحوثي لها، وتهديد إيران السعودية بتوجيه ضربة عسكرية تستهدفها، وأحداث البحرين التي سببت تلبّكاً واضحاً بين دول مجلس التعاون، كل ذلك يشي بأن خيار التحالف العسكري كخطوة أولى لِلَيّ أحد أذرع إيران في المنطقة العربية، ودراسة وقائع الدول المشاركة في هذا التحالف وطبيعة التوتر بينها وبين إيران، يشي بمدى الإرادة العربية الكامنة لتقويض النفوذ الإيراني، وفرض سياسة التوزان عليها أمام الفاعلين الدوليين.

ورقة ضغط قوية في التعاطي مع الحليف الأميركي:

التحرك العربي ضمن “عاصفة الحزم” أثبت النية والعزم على الجهوزية التامة لدفع الخطر المهدد للأمن القومي العربي، والذي من شأنه أن ينعكس بالنتيجة إلى إثبات وجود للمبادرة العربية كقرار فاعل في السياسة الدولية. وجرى توظيف التعاون العسكري والإجماع على تظهير سياسة عربية مجتمعة في تحقيق معايير جديدة لمفهوم “الحليف” بالنسبة لواشنطن، لتكون عاصفة الحزم ورقة ضغط جديدة لصالح العرب في تعاطيها مع السياسة الأميركية، التي أودت بها في النهاية إلى مواكبة واحترام سيادة القرار العربي وليس العكس واذا كانت البراغماتية التي طبعت سياسة أوباما تجاه حلفائه الخليجيين فقد فرضت عاصفة الحزم أن الرياض هي العاصمة الجامعة للدول الإسلامية والعربية وتجاهلها لا يحل أية مشكلة في المنطقة.

2– سلبيات وإيجابيات الإعتماد على القوى الجوية

  تحطم مروحية بلاك هوك إماراتية في اليمن ‏

دعم الشرعية في اليمن واكبه قرار أممي من مجلس الأمن الدولي تحت البند السابع برقم 2216 بتاريخ 14 نيسان/أبريل 2015 والذي يؤكد على دور دول مجلس التعاون في دعم السلطة الشرعية، وتجسد الدعم المنشود بتشكيل التحالف العربي وبدء استخدام أسلحة القوى الجوية، وتمكنت القوات البرية اليمنية المدعومة جوياً من إعادة السلطة إلى معظم أراضي البلاد، وما زالت العاصمة اليمنية صنعاء بيد المتمردين. فهل أدت العملية العسكرية أغراضها بالإعتماد على القوى الجوية؟

يعتقد الكولونيل مايك بيتروشا وزميله النقيب جيريمي رينكن من سلاح الجو الأميركي – في مقالة لافتة نشرت في العام 2015 في الموقع الإلكتروني الأميركي “وور أون ذا روكس” – أن “ليس كل المعارك يجب حلها عبر احتلال الأراضي، وليست كل الحلول السياسية بحاجة لاحتلال عسكري لإسنادها”. وتفسر المقالة أيضاً أن السلوك الأميركي حيال تنظيم “داعش” والتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن في مواجهته والأهداف الحقيقية له.

فهناك ميزة هامة للتدخل الجوي. ففي الحرب العالمية الثانية، مثلاً، “أظهرت أميركا وسلاحها الجوي الحديث والمتفوق قدراتهما بشكل لافت، حيث استطاع سلاح الطيران قنص الغواصات في المحيط المفتوح وأفلح في إعطاب الآلة الصناعية النازية، وضمن التفوق الجوي لتسهيل الإنزال البري للقوات المتقدمة صوب الأراضي الألمانية”.

كما أن قصة الحرب مع اليابان تؤيد على نحو قاطع – من منظور الكاتبين – أهمية القوتين الجوية والبحرية اللتين عزلتا اليابان وعوّقتا إمداداتها وثبتتا قواعد جوية للانطلاق منها نحو أهداف على الأرض اليابانية، وذلك حتى قبل استخدام القنبلتين الذريتين من الجو. ومع ذلك، لم تربح القوات الجوية وحدها الحرب مع اليابان، لكن أميركا لم تستخدم جندياً أميركياً واحداً على الأرض اليابانية الأم.

وفي مقاربة حديثة، فقد استخدمت أميركا في ليبيا القوة الجوية فقط ونجحت في تدمير جيش القذافي ـ كما يقول الكاتبان ـ ثم توقفت بعد عشرة أيام من مقتله وكلفت حوالي مليار دولار. وبرغم من أن النتيجة ليست مشجعة، إلا أن أميركا لم تخسر عسكرياً واحداً كما أن التدخل البري لم يكن ليؤدي إلى نتيجة أفضل.

  عملية سعودية استباقية أفشلت مخطط لمهاجمة خطوط الملاحة بالبحر الأحمر
مقاتلة أف-15 أس أيه المتطوّرة
مقاتلة أف-15 أس أيه المتطوّرة

.. وليس الحل بالقوى البرية

وينعى الكاتبان على القوة البرية أنّها “تتحرّك ببطء وتغادر بشكل أبطأ حتى، ومتى تموضعت في مكان فإنها تحتاج إلى دعم كبير، ومتى التحمت في معارك فمن الصعوبة بمكان فض الالتحام”. وهذا ما عانت منه برياً العملية العسكرية للتحالف العربي في اليمن.

وبالإضافة، وعلى سبيل المقارنة، فإنه “عندما تحولت أميركا من استعمال القوة الجوية في حربها في العراق إلى استخدام القوى البرية لاحتلال البلد، كانت النتائج في غير مصلحتها، وحتى الاحتلال لفترات طويلة لم يساعد على تحقيق الأهداف السياسية الأميركية هناك…. و”يعدّ الوضع في العراق والمنطقة أسوأ بكثير عما كان عليه قبل احتلاله. وإذ كلفت عمليات منطقة حظر الطيران ملياري دولار سنوياً فقط، إلا أن أميركا خسرت بعد الاحتلال خمسة وثلاثين ألف عسكري، منهم خمسة آلاف قتيل وتكلفة مادية قدرت بحوالي ثمانمئة مليار دولار وعراق غير قادر على الدفاع عن نفسه. كما تسبب الاحتلال في قيام مجموعات مسلحة انتشرت عبر الحدود في دول المنطقة.”

يعتقد الكاتبان أنه “بعد تجربة ربع القرن الماضية أن استعمال القوة الجوية يمكن إيقافه بسهولة نسبية ما يسمح بتنوع خيارات السياسيين في المعارك، على العكس من القوة البرية”.. وعليه فإن إسقاط هذه المقاربة على الحالة اليمنية تعني أنه رغم الخسائر البشرية والمادية في حرب التحالف العربي في اليمن فإن إيجابيات هذا التدخل لإنقاذ اليمن السعيد من محاولة حرفه عن عروبته قد أدت أهدافها، وأن القوى الجوية تغادر السماء العربية اليمنية في سهولة، عند اكتمال مهامها، مكتسبة الخبرات القتالية والتنسيق العملياتي المشترك وتعيد الثقة بالقدرات العربية للولوج الى القوة العربية المنشودة.

segma

Be the first to comment

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.