غياب التحليل الإستعلامي الإستراتيجي وتداعياته على الحروب العربية

دبابات M1A1 تابعة للجيش الأميركي "في ساحة الحفل"، في بغداد، العراق خلال عملية حرية العراق في 13 نوفمبر 2003 (وزارة الدفاع الأميركية)
دبابات M1A1 تابعة للجيش الأميركي "في ساحة الحفل"، في بغداد، العراق خلال عملية حرية العراق في 13 نوفمبر 2003 (وزارة الدفاع الأميركية)

عدد المشاهدات: 1088

في تحليل استعلامي استراتيجي كتب الأميركي كيفن وودز وهو أحد الباحثين في سلسلة معدّة من أجل توسيع نطاق المعرفة الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط المعاصر والتاريخ العسكري، وتحديداً فعالية الجيش العراقي خلال ثلاث حروب طاحنة، في كتابه: “جنرالات صدام”.

وهو أحد أعمال فريق بحث أميركي يسمى “مشروع سنة 1946” الذي أنتجه ضباط الإستخبارات ومؤرخو جيش الولايات المتحدة الأميركية في خدمة “جامعة الدفاع القومي” التابعة وزارة الدفاع.

أهمية هذا التحليل تكمن في محاولة الباحثين فتح “الصندوق الأسود” الخاص بصنع القرارات العراقية في عهد صدام حسين. وهو خلاصة استنتاجات من جلسات حوارية عقدها هذا الفريق خارج العراق عام 2009 مع خمسة جنرالات من قادة الجيش العراقي الذين خاضوا الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988 للإجابة على السؤال: هل من سمة خاصة للحروب العربية؟

سنحاول الدلالة على أهمية التحليل الإستعلامي الإستراتيجي، في وضع الخطط العسكرية والأمنية، من خلال الإضاءة على هذا التحليل الأميركي القيّم:

فبعد عشرين سنة على أفول تلك الحرب خلص الفريق الى مجموعة من التبصرات والإستنتاجات ومنها:

أولاً – الإفتقار إلى رؤية استراتيجية واضحة أو رؤية عملياتية جلية لدى القادة العراقيين سواء كانوا عسكريين أو مدنيين في بداية الحرب. وإن العراق قد ضل طريقه في النزاع من دون مجموعة واضحة من الأهداف الإستراتيجية أو تلك الخاصة بالعمليات العسكرية، ورافق هذا الضلال سيل من الافتراضات الخطيرة، ويسند الباحثون وجهة نظرهم هذه الى وثائق حصلوا عليها تخص القوات المسلحة والحكومة العراقية ونسخ طبق الأصل من حوارات مسجلة بين صدّام حسين والقادة العسكريين والمدنيين في صيف 1980.

ثانياً – وحيث أن الوصول إلى المعلومة من الجانب الإيراني دونها صعوبات فقد احتكم فريق العمل إلى تفسيرات محتملة لتحركات إيران، فيقول كيفن وودز: إن سوء الفهم للعلاقة المتبادلة بالقوات المسلحة هو احتمال واضح يتعلق بجهل آيات الله بالأمور العسكرية، وإن الإعتقاد القائل أن الله سيقف الى جانب المؤمنين الحقيقيين في حرب ضد البعثيين الكفار هو الإحتمال الثاني، والإحتمال الثالث هو الإعتقاد أن شيعة العراق سوف يصطفون حالاً مع شيعة فارس في أي نزاع بين البلدين. ويختم التفسيرات بأن الخميني ربما ظن كما الحال في الثورة الفرنسية 1792 أن النزاع الخارجي هو أسهل الطرق لحل الصعوبات السياسية التي يواحهونها في بلادهم. وأجمع الفريق الأميركي على أن كل تلك العوامل لعبت دوراً في تحركات إيران.

  تقرير "شيلكوت": السعودية حذرت مبكراً من خوض الحرب في العراق

وفي الوضع العملياتي يستنتج الفريق الأميركي أن”قرار شن الحرب على ايران كان قد أدهش القوات المسلحة العراقية إلى حد كبير، وهذا ما توحي به الحقيقة القائلة أن قادة الأسطول البحري لم يعرفوا بالقرار سوى قبل يومين من الغزو”.

ويضيف: كان الإخفاق في معاينة التضمينات الإسترتيجية والعملياتية كارثياً، على الصنوف العسكرية كافة؛ فبالإضافة إلى سلك البحرية فقد بدأت القوة الجوية بشن هجمات غير منسقة وغير مؤثرة، وتقدم الجيش في محاور عديدة لم يكن أي منها يقدم إسناداً مشتركاً.

بمعنى آخر كانت هناك بؤرة تكتيكية صغيرة ولا وجود لبؤرة عمليات فيما يتعلق بالعمليات العسكرية. ولعلّ أخطر ضعف في الغزو العراقي للأراضي الإيرانية هو الحقيقة التي مفادها أن ليس هناك مفهوم استراتيجي وراء الحملة العسكرية.

وإذا كان العراق قد نجح في حربه ضد إيران عموماً لأن ايران برهنت على كونها كارهة جداً للتعلم من المعركة – والكلام للباحث – ولما كان صدام حسين غير قادر على رؤية هذه الحقيقة أدى ذلك الى حصول كارثتي 1991 في الكويت و2003  في قلب بغداد.

وإذا ما أعدنا صياغة نص جورج باتون، يبدو أن صدّام لم يكن يفهم الحكمة القائلة أن مغزى الحرب هو ألا تموت من أجل بلادك بل أن يموت العدو بسببها.

ما أقرب اليوم إلى البارحة.. المأساة ذاتها نجترها وندفع ثمنها.. وندخل أتون حروب من دون استعلام أو رؤية استراتيجية، ندمر بلداننا ونخدم عدونا حتى لو لم يكن ضليعاً في اشعال النزاع.

وتسألون لماذا يستطيع الآخرون إغراقنا في حروب لا تنتهي. أوتسألون لماذا لا يوجد في معظم عالمنا العربي مراكز بحوث وتحليل واستعلام استراتيجي؟ وإذا وجدت فتهميشها واجب على الحاكم، فهي تحد من مزاجيته، وحركيته المتجاهلة للمؤسسات.

  لماذا تأخر تحرير الرقة

فليس لدى الحاكم الديكتاتور مصلحة في بناء مؤسسات بحثية تحليلية استعلامية تخدم استراتيجياً الدولة، فهو يقطع رؤوس كل من يعترض أو يعارض من الوزراء ومن كبار الضباط، ولا يرعوي عن استعمال السلاح الكيميائي لمعاقبة الشعب. أليست مجزرة حلبجة خير دليل على ذلك.

في لبنان ليست الصورة قاتمة إلى تلك الدرجة، ولا بد من تسجيل نقطة ضوء منيرة خطها الجيش بقيادته الحكيمة في التحضير والتحليل والإستعلام ما قبل عملية فجر الجرود بحيث جاء التنفيذ على أقصى درجات التنسيق بين صنوف الوحدات المشاركة، وأوقفت العملية عندما أدت الغرض منها، بأقل الخسائر الممكنة، ونالت اعجاب قادة عسكريين وخبراء محليين وأجانب.

لقد أشبع موضوع الإستعلام الإستراتيجي بحثاً ودراسة، ولم تقصّر قياداتنا في انتداب الضباط الى المركز البحثية العسكرية في الدول المتقدمة. ولكن أهمية الموضوع هي في دق جرس الإنذار بأن الدورات والمؤتمرات لا تكفي إن لم تواكب بخلق وتنمية مؤسسات أبحاث أمنية وعسكرية تحلل وتتبنى النظريات الحديثة في الإستعلام المسبق في خدمة استراتيجية الفرد والمؤسسة والدولة.

والموضوع لا ينبغي حصره من ناحية عسكرية فقط فهو يتعدى الجانب النطري إلى التدريب والتطبيق في المؤسسات المدنية والعسكرية على السواء. فإن الإستعلام هو تحقيق ارادة ملموسة ومنظمة، تنطلق من تسليم المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب إلى الشخص المناسب سواء كان صاحب القرار عسكرياً أو اقتصادياً.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.