الأكراد .. الإستفتاء.. وجهوزية “البيشمركة” (1)

العميد م. ناجي ملاعب

sda-forum
عناصر من البيشمركة الكردية الإيرانية والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني يشاركون في تدريبات عسكرية روتينية في كويا على بعد 100 كلم شرق اربيل عاصمة منطقة كردستان العراقية في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2017 (AFP)
عناصر من البيشمركة الكردية الإيرانية والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني يشاركون في تدريبات عسكرية روتينية في كويا على بعد 100 كلم شرق اربيل عاصمة منطقة كردستان العراقية في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2017 (AFP)

عدد المشاهدات: 399

بحث عسكري استراتيجي

عشية الإستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كردستان العراق في 25 أيلول/سبتمبر 2017 والذي لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ لأسباب عدة، سوف يعنى هذا البحث (في أجزاء ثلاث) بتقديم مقاربة عسكرية استراتيجية لمدى جهوزية قوات الدفاع الكردية – البيشمركة – سواء نجحت الخطوات الجديدة في إحياء التفاهمات السابقة مع الحكومة المركزية، أو تعثرت وأعاد الأكراد محاولتهم الإنفصال أو التهديد به.

بات الإستفتاء الذي نظم في مناطق الحكم الذاتي الكردي وثيقة تأريخية وقانونية للشعب الكردستاني سلكت الطريق السلمي والديمقراطي، رغم كل القرارات المتخذة ضده في بغداد. وهي تؤكد حق الشعب الكردي في التعبير عن الرغبة بالاستقلال والتمتع بالحرية مثل بقية شعوب العالم، وإذا كنا نؤمن بأن الشعب مصدر السلطات، فإن من الصعب إن لم يكن مستحيلاً إلغاء نتائج هذا الإستفتاء.

الإقدام على هذه الخطوة رغم الإعلان المسبق عنها، ورغم عدم الموافقة والتحذير من قبل الحكومة المركزية في بغداد، والرفض الصارم من تركيا وإيران، وغياب القرار السوري حالياً، حيث ينتشر الكرد في الدول الأربعة، من جهة، والثبات وجرأة المواجهة بإمكانات ضعيفة من التجهيزات القتالية التي مكنت البيشمركة من تحقيق انتصارات عجز عنها الجيش العراقي في بدايات تمدد ما عرف بتنظيم الدولة الإسلامية، من جهة أخرى. ورغم “الكرَم” الأميركي والأوروبي في تسليح وتدريب قوات البيشماركة التي تمكنت من تحرير عدة مناطق في الأقليم وخارجه من سيطرة داعش، فهل كانت البيشمركة جاهزة لحماية قيام دولة كردية والدفاع عنها؟

اليوم، وبعد التصلب العراقي الرسمي في عدم تمكين الأكراد من تجاوز الدستور المتعمد في البلاد بعد الغزو الأميركي، وبنتيجة سوء التقدير الكردي في التقاط الفرصة في غير نضوجها، في الزمان والمكان، يلمس المراقبون أن العودة إلى إحياء التفاهمات مع الحكومة المركزية أقرب الى تحقيق الإستقرار والإمان الذي يحتاجه كل العراق، لا سيما بعد التضحيات الكبيرة التي قدمها الجيش العراقي مدعوما من الحشد الشعبي، والمساهمة الوازنة للبيشمركة في قتال داعش واعلان النصر عليها. ولكن، إذا تعثرت المفاوضات، ما هو وضع الجهوزية العسكرية لحماية هذا الإستفتاء اذا ما جنحت القيادة الكردية الى الإنفصال مجدداً.

  دور البيشمركة في دعم المسار السياسي والتحولات الكردية (2)

نشأة البيشمركة وتطورها

البيشمركة ومعناها بالعربية “الفدائيون” وعرفوا بالرجال “الذين يواجهون الموت”، وهي قوات عسكرية مستقلة تضمن أمن منطقة الحكم الذاتي الكردية في العراق  محافظات دهوك وأربيل والسليمانية) وتمتد جذورها، وفق بعض المؤرخين، إلى أوائل القرن العشرين حين كانوا حراس حدود قبليين وأصبحوا أكثر تنظيماً بعد سقوط الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى.

تنامت قوات البيشمركة وقويت مع اتساع الحركة القومية الكردية وإعلان الثورة في بداية الستينيات، وأصبحت جزءاً من الهوية الكردية العامة للدفاع عن الحقوق القومية والمطالبة بتوسيعها. ودخلت البيشمركة في حروب مع القوات الحكومية العراقية في مراحل متعددة. وبعد تشكيل حكومة إقليم كردستان في شمال العراق في بداية التسعينيات، بعد الانتفاضة الواسعة التي شهدها العراق في الجنوب والشمال إثر حرب الكويت، أصبحت قوات البيشمركة جزءاً من مؤسسات حكومة الإقليم وتحولت إلى قوة نظامية، وأصبحت عام 2003 نواة لجيش إقليم كردستان العراق، مستفيدة من مساندتها للقوات الأميركية والبريطانية خلال غزوها للعراق.

في آخر إحصاء لها في 15 أيار/مايو 2017، كشفت وزارة البيشمركة عن أعداد من سجلوا أسماءهم في الوزارة ضمن نظام “بايومتري”، مؤكدا بأن 230 الفا من البيشمركة سجلت اسماءهم ضمن النظام. وقال مسؤول الإعلام في الوزارة هلكورد حكمت، في تصريح للموقع الخاص بالحزب الديمقراطي الكردستاني إن عملية تسجيل أسماء العاملين في الوزارة ضمن نظام “بايومتري” ستنتهي في موعدها المحدد، الا ان تسجيل الاسماء سيستمر لحين اكمال جميع اسماء البيشمركة في الوزارة.

المسار العسكري والعلاقات مع بغداد

بدأت المواجهات بين البشمركة والحكومة العراقية بإعلان زعيم الحزب الديمقراطي الكردي الملا مصطفي البارزاني تمرده على بغداد، في خريف 1961، وإطلاقه حرب عصابات ضدها. وأصبحت قوات البيشمركة في سبعينيات القرن الماضي وخلال الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات منه قوة مؤثرة تقاتل قوات الحكومة العراقية منتهجة أسلوب حرب العصابات.

  تشكيل أول كتيبة عسكرية نسائية لفتيات إيزيديات

وفي آذار/مار 1970، جرى الإعلان عن انتهاء المواجهات بين العراق ومقاتلي البشمركة بتوقيع البارزاني، وصدام حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقية (آنذاك)، على اتفاقية سمحت للأكراد بمنطقة حكم ذاتي بثلاث محافظات في الشمال هي السليمانية ودهوك وأربيل، كما منحتهم حق المشاركة بالحكومة العراقية. ودخل اتفاق صدام والبارزاني حيز التطبيق عام 1975 بعد خضوع الأكراد للحكومة العراقية نتيجة تخلي شاه إيران محمد رضا بهلوي عنهم، وتوقيعه اتفاقية الجزائر مع صدام. وأفرز هذا الواقع تأسيس قوات بشمركة جديدة بقيادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

وشارك بعض المقاتلين الأكراد إلى جانب الجيش العراقي في حربه مع إيران، وانشق كثيرون منهم عن الجيش في تلك الحرب وانضموا إلى قوات البيشماركة. وتحالف جزء من البيشمركة مع القوات الإيرانية بغية الظفر بمناطق في كردستان العراقية. وبدأ الرئيس صدام حسين حينئذ حملة من العقاب الجماعي عرفت باسم حملة “الأنفال” ضد سكان بلدات وقرى كردية كثيرة تضمنت تهجيرا واعتقالات وتصفيات. وصولاً إلى قصف بلدة حلبجة عام 1988 بالسلاح الكيمياوي، حيث راح ضحية الهجوم نحو 5000 شخص، معظمهم نساء وأطفال بفعل قنابل غاز الخردل وغاز الأعصاب.

خلال تسعينيات القرن الماضي وفي أعقاب حملة الأنفال والهجوم الكيمياوي، وعلى الرغم من الخسائر الفادحة، واصلت قوات البيشمركة معركتها مع القوات العراقية بعد حرب الخليج الأولى وعمليات عاصفة الصحراء. وبعد الانتفاضة في أعقاب حرب الكويت وفرض منطقة الحظر الجوي تمتعت المنطقة باستقلالية اكثر عن الحكومة المركزية في بغداد. وبعد أحداث 11 – 9 – 2001 خاض مقاتلو البشمركة مع قوات خاصة أميركية معارك ضد جماعة أنصار الإسلام في شمالي العراق.

الجزء الثاني: دور البيشمركة في دعم المسار السياسي والتحولات الكردية

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.