دور البيشمركة في دعم المسار السياسي والتحولات الكردية (2)

العميد (م) ناجي ملاعب

مقاتلو البشمركة يتجمّعون في موقع عملية انتحارية نفذها تنظيم الدولة الإسلامية في قرية كساريج جنوب مدينة زمار في محافظة نينوى شمال العراق بالقرب من الحدود مع سوريا في 18 كانون الأول/ديسمبر 2014 (AFP)
مقاتلو البشمركة يتجمّعون في موقع عملية انتحارية نفذها تنظيم الدولة الإسلامية في قرية كساريج جنوب مدينة زمار في محافظة نينوى شمال العراق بالقرب من الحدود مع سوريا في 18 كانون الأول/ديسمبر 2014 (AFP)

عدد المشاهدات: 565

بحث عسكري استراتيجي

عشية الإستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كردستان العراق في 25 أيلول/سبتمبر 2017 والذي لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ لأسباب عدة، سوف يعنى هذا البحث (في جزئه الثاني) بتقديم مقاربة عسكرية استراتيجية لدور “البيشمركة” في دعم المسار السياسي والتحولات الكردية

ساندت البشمركة قوات الغزو الأميركي البريطاني للعراق في آذار/مارس 2003. وتولت بعد سقوط صدام مسؤولية الأمن الكاملة بالمناطق الكردية. وشاركت الجيش الأميركي في معظم عملياته داخل العراق، وأعلنت في آب/أغسطس 2003 اعتقالها طه ياسين رمضان نائب صدام.

وتحولت البشمركة، بتدخل وحماية أميركية، لنواة جيش إقليم كردستان العراق، بعد تأسيسه عام 2005. وسمح لها دستور الإقليم الجديد بالقيام بعمليات في الأراضي العراقية، في حين منع وجود أي جندي عراقي بأراضي الإقليم الكردي إلا بإذن من حكومته. كذلك وعلى خلاف باقي الميليشيات، لم يحظر القانون العراقي البيشمركة، فتحوّلت عملياً إلى جيش مواز تحت وصاية العشائر القبلية المحلية المحسوبة على برزان وطالبان، ما قوّى لديها حلم التطلع إلى الاستقلال.

ترتبط التوجهات الفكرية والأيديولوجية للبشمركة بالأحزاب والحركات التي تنتمي إليها، وتتراوح الأطر الفكرية لهذه الجماعات بين القومية واليسارية والإسلامية. وتمثل فكرة إقامة دولة مستقلة للأكراد الخيط الناظم بين كل هذه الأطر الأيديولوجية.

ثبات وانتصارات في مواجهة تنظيم الدولة

لم يكن العديد من الأكراد في أيار/مايو من العام 2014 مستعدين للإنجرار إلى صراع مع الدولة الإسلامية الناشئة. لكن الكرد سرعان ما أصبحوا مع حلول شهر يوليو/تموز هدفاً للمسلحين المتشددين من خلال الهجمات الانتحارية كما حدث في محافظة ديالى حين هاجمت “داعش” الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) في بلدة جلولة.  ولما كانت أزمة الثقة تتحكم في علاقة الإقليم بحكومة نوري المالكي في بغداد؛ وضعف وقِدم إمكاناتهم العسكرية،  فقد ظلوا في البداية على هامش المعركة. ويقول ضابط كبير في قوات البيشمركه إن “ما نملكه من سلاح لا يمكن الاعتماد عليه، ولهذا كانت مواجهة داعش تعني إرسال الجنود الكرد إلى الموت بسبب عدم التكافؤ (…) الرصاص الذي بحوزتنا قديم جداً وقد فقد صلاحيته”. لكن تراجع الجيش العراقي في المحافظات الشمالية أتاح للبيشمركة السيطرة على محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها، موسعين مناطق سيطرتهم وواضعين أيديهم على الأسلحة التي تركها الجيش العراقي.

  عقد يفوق الـ100 مليون دولار لتعديل مروحيات أباتشي السعودية على أربع سنوات

وفي آب/أغسطس، شنّ تنظيم الدولة الإسلامية عدواناً جديداً على مناطق سيطرة الأكراد، مهاجماً مراكزهم حول زمار، منكّلاً أثناء اقتحامه بلدة سنجار بسكانها الإزيديين ذبحاً وتشريداً. كذلك تقدمت جماعة التنظيم نحو أربيل، ما دفع بالولايات المتحدة لشن أولى غاراتها الجوية لمساعدة الأكراد على صد العدوان. وقد أفضى قتال البيشمركة ضد الدولة الإسلامية إلى استعادة سد الموصل في آب/أغسطس2014 ، وسنجار 2015 – 2014 وسهول نينوى في   2015 بعد سلسلة هجمات قام بها حزب العمال الكردستاني PKK) ) ووحدات حماية الشعب ((YPG ، حيث تتحول الجبهة إلى حدود مانعة تقدم داعش باتجاه مناطق السيطرة الكردية.

فمن شمال سنجار إلى محافظتي كركوك وصلاح الدين مروراً بالموصل، تمتد منطقة عازلة أُفرغت من سكانها، لتفصل المناطق المتنازع عليها بين الأكراد والعرب.  لكن مسؤولين أكراد صرحوا بأن ليس لديهم خطة للتحرك خارج المناطق الكردية والخطوط الأمامية.  بعبارة أخرى ما اعتبروه حينها  “حدوداً” لمنطقتهم.

تسليح الكرد مصلحة أميركية

وفي ظل التخطيط الأميركي إلى تحقيق التفوق العسكري والمحافظة عليه، بالمثابرة على نشر قواعد جديدة في المناطق الهامة من العالم. ومن حيث أن أميركا لا تطمئن في العراق الى نفوذ ونشاطات الجماعات الأصولية كتنظيم القاعدة وبقايا حزب البعث المنحل، والمد الإيراني المتزايد في العراق بشكل خاص، ومساعي بعض الدول المجاورة الى زعزعة الوجود الأميركي في هذا البلد، مثّل أقليم كردستان العراق أحد المحاور المهمة الذي أنشأت فيه القوات الأميركية عدة قواعد برية وجوية، وتسعى أميركا الى البقاء فيها أطول مدة ممكنة بناء على أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية.

التسليح الأميركي للبيشمركة عزّز شعور الكرد بأن حصولهم على أسلحة متطورة للمرة الأولى منذ العام ١٩٩١ حقق لهم مكاسب عسكرية كبيرة، فقد تخطوا إلزامية حصول موافقة من الحكومة المركزية في بغداد، وهو ما تطلبه شركات السلاح الكبرى. حتى أن جهود دمج قوات البيشمركه مع منظومة الدفاع العراقية منيت بالفشل في السنوات العشر الماضية، ما جعل نظام التسليح الوطني متفاوتاً بين بغداد وأربيل.

  الجيش الأميركي يعزز تقنيات الحرب الإلكترونية والمركبات الثقيلة... فهل سيفتح جبهات قتالية جديدة؟

والحال، أن التسليح الأميركي للكرد قلب معادلة المواجهات مع “الدولة الإسلامية”، إذ تحول مسار المعارك لصالح الإقليم الكردي منذ تحريرهم لمناطق ربيعة وأجزاء من زمار و كوير، وسد الموصل. وكذا في سوريا، فقد أثبت نجاح قوات حماية الشعب الكردي في تحرير عين العرب المسماة “كوباني” باللغة الكردية، بأنهم جديرون في القتال، ونالوا الثقة القوية من قبل التحالف الدولي الذي قدم لهم المزيد من الأسلحة والأنظمة المتطورة، والدعم المباشر الذي كان من نتيجته تحرير محافظة الرقة كاملة وأجزاء هامة من محافظة دير الزور.

علاقات مميزة مع ألمانيا

إعادة تسليح الكرد بعد التمدد الواسع لتنظيم الدولة الإسلامية لم يقتصر فقط على الولايات المتحدة، فقد انضمت ألمانيا إلى دول أوروبية أخرى لجهود إعادة تسليح القوات الكردية. وهذه الدول هي، البانيا وكندا وكرواتيا والدنمارك وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا. لكن الدعم الألماني وصل إلى تسليم الإقليم نحو 1800 طن من السلاح والذخيرة في العام 2015.من بينها 20000 بندقية وألف صاروخ مضاد للآليات. وتدرّب في ألمانيا 4700 من البيشمركة وكتيبة من الأيزيديين في ذاك العام. ويمتلك الإقليم علاقات جيدة مع ألمانيا، التي ترتبط معه بمصالح تجارية مهمة، كما أن الآلاف من الكرد هم رعايا لألمانيا في برلين ومدن أخرى.

وتعدّ خطة تسليح الكرد، جريئة وتكاد أن تكون مغامرة دولية تحت ضغط  تهديدات مسلحين متطرفين كانت تزداد قوتهم يوماً بعد يوم. وتخوفت أنغيلا مركل، المستشارة الألمانية، في خطاب لها أمام البرلمان، من أن “تسليح البيشمركه خطر على المدى البعيد، لكنه ضروري”.

في الجزء الثالث والأخير: عقبة توحيد البيشمركة ودمجها.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.