عقبة توحيد البيشمركة ودمجها (3)

العميد (م) ناجي ملاعب

segma
جنود من القوات العراقية يطلقون قذائف هاون على مواقع البشمركة الكردية بالقرب من منطقة فيش خابور الواقعة على الحدود التركية والسورية في المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2017 (AFP)
جنود من القوات العراقية يطلقون قذائف هاون على مواقع البشمركة الكردية بالقرب من منطقة فيش خابور الواقعة على الحدود التركية والسورية في المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2017 (AFP)

عدد المشاهدات: 446

بحث عسكري استراتيجي

عشية الإستفتاء الذي نظمته حكومة اقليم كردستان العراق في 25 أيلول 2017 والذي لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ لأسباب عدة، سوف يعنى هذا البحث بتقديم مقاربة عسكرية استراتيجية لمدى جهوزية قوات الدفاع الكردية – البيشمركة – سواء نجحت الخطوات الجديدة في إحياء التفاهمات السابقة مع الحكومة المركزية، أو تعثرت وأعاد الأكراد محاولتهم الإنفصال أو التهديد به. وسنعالج في الجزء الثالث والأخير من هذا البحث موضوع “عقبة توحيد البيشمركة ودمجها”.

ثلاث كيانات عسكرية مستقلة.. والجهاز الرسمي أضعفها 

مع أن تعداد قوى البيشمركة غير معروف بدقة، تفيد المعلومات المتداولة أنها تتألف من حوالي 36 لواءاً تضم تحت قيادتها الوحدات المسيحية واليزيدية المقاتلة، كما تضم بعض الوحدات نساءاً توكل إليهن في العادة مهمات لوجستية وإدارية. ولا يوجد عملياً كثير من الإتصال بين الألوية الموجودة، فهي خاضعة لثلاثة كيانات مستقلة: قوى تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني KDP، وأخرى للاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، بالإضافة إلى الجهاز الرسمي “وزارة شؤون البيشمركة” التابعة لسلطة حكومة إقليم كردستان (KRG) .

كما أن لبعض هذه الكيانات وكالات استخبارات وشرطة خاصة لا يجمعها سوى هدف تعقّب تنظيم الدولة الإسلامية. ولا تزال الكيانات العسكرية التي تتشارك السيطرة على كردستان تحافظ، وهي تنتقل بين الاتفاقيات والمواجهات، على مصالحها الأمنية والاقتصادية الخاصة، على الرغم من صدور دستور حكومة إقليم كردستان الذي وضع عام 2005.

هذا التباعد في الولاءات لم يحافظ على سلميّته، فقد شهد عقد تسعينيات القرن الماضي مواجهات دموية بين بشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني ونظيرتها التابعة لحزب الإتحاد الوطني. وأنهت اتفاقية واشنطن عام 1998 هذه المواجهات بمصالحة زعيمي الحزبين مسعود البرزاني وجلال الطالباني.

لقد أثبت الشقاق الحزبي أنه عقبة كأداء في وجه توحيد البيشمركة ودمجها. وما لايقلّ أهمية هو أن هذا “التعصب الحزبي” عرقل إقامة علاقات مدنية – عسكرية صحية وديمقراطية في كردستان العراق. فتوكيد سلطة حكومة الإقليم على البيشمركة بدلاً من المكاتب السياسية للأحزاب، مسألة حاسمة، لكن من غير المحتمل أن تتحقق بالكامل، طالما أن مجموعات البيشمركة تواصل العمل كأداة للزبائنية السياسية للحزبين – الحزب الديمقراطي والإتحاد الوطني. لذلك، فالخلافات الكردية رغم وجود عدو مشترك يمكن أن تتعمق، بدلاً من التوحيد.

  الأكراد .. الإستفتاء.. وجهوزية "البيشمركة" (1)

ولاءات خارجية مقيدة للحلم الكردي وصراع مع دول الإنتشار

يبدو أن آلية التسليح والتدريب الأجنبيين وتزايد حجم القوة العسكرية للكرد بموجب الهبات والمساعدات الغربية دونه ولاءات مقيِّدة للحلم الكردي في الإستقلال. وتهدد تلك الولاءات، فيما لو وُظفت في الخلافات الداخلية الاستقرار السياسي الهش أساساً بين القوى الرئيسة اللاعبة في الإقليم. ولا يزال التصنيف التركي لحزب العمال الكردستاني PKK بالإرهابي، وزج زعيمه عبدالله أوجلان في السجن والحكم بإعدامه، مشكلة كبرى في التعاطي بين الأتراك وباقي القوى الكردية. وقد أعلنت تركيا جهاراً الحرب على هذا الحزب وجناحه العسكري ولا تتخلى عن أية فرصة سانحة لتحجيمه عسكرياً وضرب تجمعاته سواء في تركيا أو العراق. ولم تعد الساحة السورية بعيدة عن الغارات التركية في ظل الفوضى السائدة في شمال سوريا والتدخل التركي المغلّف والمباشر.

كذلك فقد بدا واضحاً للعيان التدخل الإيراني أو “المَونة” الإيرانية ممثلة بالحضور الفاعل للجنرال قاسم السليماني في الشأن الكردي و”إقناع” الكرد في محافظة السليمانية وقواتهم العسكرية بعدم المقاومة في كركوك وإفساح المجال للجيش العراقي مدعوماً بقوات الحشد الشعبي باستعادة المدينة، ما أوجد شرخاً كبيراً بين الحزبين الكرديين وشكوكاً لم تكن في الحسبان بينهما، وانهارت الحكومة التي يرأسها البرزاني. وبدأ الحوار مع الحكومة المركزية، حيث تم تسليمها المعبر المقابل للحدود الإيرانية، وتجري المفاوضات لتسليم المعابر الأخرى على الحدودالتركية.

رغم القوة العسكرية التي اكتسبتها البيشمركة في قتالها بمواجهة التنظيم الإرهابي الشرس وتحرير أراض عراقية وبناء جيش من 230 ألف تابع “نظرياً” لوزارة الدفاع، فلم يكن الشقاق الحزبي والقبلي السبب الوحيد في فشل توحيد البيشمركة، وبالتالي الدفاع عن قيام الدولة التي كان الأكراد يحلمون بها. وقد أكد تجاهل القوى الدولية لنتائج الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، ومعارضته من دول الإنتشار الكردي الأربعة التي تستطيع فرض الطوق البري على الإقليم، أن وقت تغيير الخرائط التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو لم يحن بعد، ذلك أن الواقع الجديد يؤكد إجماع المجتمع الدولي والدول المؤثرة في الاقليم على التمسك بالحدود القائمة، وأن أقصى ما يمكن أن تطمح له الأقليات الطامحة لتأكيد هويتها هو القبول بحلول لا تتجاوز سقف الفيدرالية التي لن يكون لها تأثير على حدود الدول.

  تشكيل أول كتيبة عسكرية نسائية لفتيات إيزيديات

وفي ظل هذا الإستنتاج من التقاء المصالح الإقليمية على رفض انفصال الإقليم، وغياب السند الدولي، وما يحصل في الداخل من فقدان الثقة بحكومة البرزاني والمظاهرات الشعبية ضد فسادها، وتبادل الإتهامات بين الحزبين في تسليم كركوك، حسناً فعلت القيادة الكردية بالتوجه إلى بغداد وإعادة استلهام الدستور العراقي فيصلاً لقواعد العمل المشترك بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية، فالحلم الكردي يصعب تحقيقه – حتى إشعار آخر – ويسهم في ذلك عدم جهوزية البيشمركة كما شرحناه آنفاً.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.