الصين من إستيراد الأسلحة الروسية إلى إختراق أسواقها

أغنس الحلو زعرور

صورة التُقطت في 6 كانون الثاني/يناير 2011 تُظهر مقاتلة الشبح "جاي-20" الصينية في إحدى عمليات التجارب في القاعدة الجوية في تشنغدو، مقاطعة سيتشوان جنوب غرب الصين (AFP)
صورة التُقطت في 6 كانون الثاني/يناير 2011 تُظهر مقاتلة الشبح "جاي-20" الصينية في إحدى عمليات التجارب في القاعدة الجوية في تشنغدو، مقاطعة سيتشوان جنوب غرب الصين (AFP)

عدد المشاهدات: 1210

مرّت الشراكة الدفاعية بين الصين وروسيا بالعديد من المراحل. فبعد أن كانت الصين أكبر مستهلكي الأسلحة الروسية، باتت تشكّل تهديداً لأسواق هذه الأسلحة بعد أن أنتجت أسلحتها محلياً بجودة توازي أو تضاهي الأسلحة الروسية في بعض الأحيان.

بعد إنتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفيتي، شهدت روسيا انخفاضاً حاداً في الموازنات العسكرية المتلاحقة. فقد انخفض الإنفاق العسكري السوفيتي من 350 مليار دولار في 1988 إلى أقل من 60 مليار في 1992 و 19 مليار دولار في 1998. كما انخفضت صادرات روسيا من الأسلحة وخاصة إلى الدول الأعضاء في حلف وارسو والعراق.

في الوقت نفسه، كانت الصين تعمل على تطوير وتحديث قدراتها العسكرية. فبعد الإزدهار الإقتصادي، بدأت بكين العمل على إطلاق خطة طويلة الأمد لإعادة تنظيم قواتها المسلحة وحيازة أسلحة متطورة. كما شرعت بالعمل على هذه الخطة منذ عام 1970 وخاصة بعد أداء بكين الضعيف ضد فيتنام في 1979. وبدأ الإنفاق العسكري الصيني بالإرتفاع منذ 1989؛ وارتفع من 21 مليار دولار في 1998 إلى 215 مليار دولار في 2015. ومع هذا التضخم الهائل في الإنفاق العسكري الصيني تفوقت الصين على روسيا. وفي خضم خمس سنوات، أصبحت الدولة الثانية في الإنفاق العسكري في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية.

وفي ظل استراتيجية تعزيز قدراتها العسكرية، لجأت الصين للبحث عن دول غربية لتزويدها بالمعدات خاصة وأن معظم أنظمتها العسكرية مصممة على أساس تكنولوجيا سوفيتية قديمة.

وصدفة اجتمع العرض الروسي بالطلب الصيني. فبين أعوام 1990 و2000، اعتمد قطاع الصناعة العسكرية الروسي على تصدير المقاتلات الحديثة والمدرعات والسفن الحربية. وكانت الصين أكبر مستهلك للأنظمة العسكرية الروسية بين 1999 و2006 بحيث استحوذت على 34-60% من صادرات الأسلحة الروسية.

إلا أن قرار بيع الأسلحة إلى الصين واجه معارضة روسية. فقد انتشرت التحذيرات في روسيا أنها مع تسليح الصين، تكون تسلّح عدواً محتملاً يعتقد المحللون أنه يسعى للسيطرة على مقاطعة الشرق الأقصى الروسية. هذا بالإضافة إلى المخاوف من أن تقوم الصين بصناعة منتجات دفاعية مشابهة للمعدات الروسية بدون أن تأخذ إذن روسيا. وعلى المدى البعيد، تتخوف روسيا أن تتحول الصين إلى منافسة في سوق المعدات الدفاعية. إلا أن طلب الصين لكم هائل من الأسلحة المتنوعة هو ما دفع روسيا إلى تصدير معداتها الدفاعية إلى بكين. فقد حصلت الصين عام 2005 على 60% من صادرات الأسلحة الروسية.

  تخطيط روسي لتصدير أسلحة عسكرية في 2016 بقيمة 15 مليار دولار

إلا أن استيراد الصين للمنتجات الدفاعية الروسية شهد انخفاضاً حاداً إنطلاقاً من سنة 2006 حيث انخفضت حصة الصين من الصادرات الدفاعية الروسية إلى ما دون 25% بين 2007 و2009. ومنذ 2010، انخفضت هذه النسبة إلى 10%. وفي هذه الفترة وسّعت روسيا سوق تصدير منتجاتها الدفاعية لدول مثل فنزويلا وعززت شراكاتها لتصنيع المنتجات الدفاعية مع الهند والجزائر.

أما سبب انخفاض استيراد الصين للأسلحة الروسية يعود إلى تطوير قدرات بكين الصناعية. فقد بدأت الصين بتصنيع نماذج تشبه الأسلحة الروسية دون الحصول على إذنها. فبعد سنوات من استحواذ الصين على مقاتلات “سوخوي-27” قامت الصين بتصنيع مقاتلة “جاي-11”. ورغم أن هذه المقاتلة هي محلية الصنع إلا أنها تشبه إلى حد كبير نظيرتها الروسية. كما أنتجت الصين أنظمة الدفاع الجوي الشبيهة بنظام “أس-300” الروسي، بالإضافة إلى غواصات تشبه غواصات من طراز Project-877 وProject-636 Kilo التي حصلت عليها من روسيا.

كما بدأت بكين بإنتاج أسلحتها المتطورة مثل مقاتلات J-10 و J-11، وصواريخ جو-جو وجو- أرض وعدد من السفن الحربية المتنوعة. وبالتالي تحول استيراد الصين للأنظمة الدفاعية من استيراد الأنظمة ككل إلى استيراد أجزاء من المعدات الدفاعية مثل المحركات على سبيل المثال. وتبقى الصين متأخرة في إنتاج المروحيات محلياً لأنها لم تتمكن من إنتاج أنظمة الدفع مثل المحركات وأنظمة الإرسال والأجنحة الدوارة. وبالتالي تبقى روسيا هي المصدّر الأساسي للمروحيات إلى الصين.

هذا وتحولت الصين إلى مصدّر للمنتجات الدفاعية حين دخلت في منافسة في الأسواق التي تصدّر روسيا إليها مثل الجزائر ونيجيريا وفنزويلا وإندونيسيا وتركمانستان. (لا تواجه روسيا منافسة صينية في سوقي فيتنام والهند فقط).

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم تأكيد عملية اقتناء الجيش الشعبي الوطني الجزائري راجمات الصواريخ من نوع “أس أر- 5” من إنتاج شركة “نورينكو” الصينية في كانون الثاني/يناير الماضي، وذلك بعد أن أصدرت وزارة الدفاع الوطني صوراً تظهر النظم المذكورة وهي ُتستخدم أثناء تمارين حية في المنطقة العسكرية الرابعة.

هذا وتعاقدت المملكة العربية السعودية على طائرات من دون طيار مسلحة من طراز Wing Loong كما بات من المؤكد استحواذ سلاح الجو الإماراتي على هذا النوع من الطائرات غير المأهولة حيث أظهرت صور أقمار اصطناعية ثلاث منها شبيهة جدًا للـ“وينغ لونغ“ من حيث الأبعاد في قاعدة “القصيرة” الجوية في الإمارات الواقعة بالقرب من الحدود مع سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

  رغم تسويق أسلحتها في سوريا.. روسيا تواجه ركوداً غير مسبوق في صناعة الأسلحة

أما في سياق الإنتاج، فقد كشفت شركة صناعة السفن الصينية عن ثلاثة تصاميم غواصات جديدة مخصصة لسوق التصدير في معرض الدفاع والأمن 2017 في بانكوك. هذا وباعت الشركة مؤخراً 8 غواصات “أس-20″ إلى باكستان و3 غواصات ”أس-26تي أس أس كاي” إلى تايلاند.

هذا وأفاد بعض الصحف العالمية في  تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي أن الجيل القادم من الصواريخ الصينية البالستية العابرة للقارات ستكون جاهزة خلال النصف الأول من 2018. وذكرت أن الصواريخ البالستية الصينية، التي ستكون مجهزة برؤوس نووية، سيكون بإمكانها ضرب أي مكان في العالم. وقالت تقارير إعلامية أخرى إن صاروخ دونغفنغ – 41 أجرى اختباره الثامن، وهو الآن على وشك الاكتمال، مضيفة أن الصاروخ يبلغ مداه 7500 ميل على الأقل (12 ألف كيلومتر)، ويمكن أن يحمل ما يصل إلى 10 رؤوس نووية. كما يتميز الصاروخ “الخارق” بسرعة جنونية تصل إلى 7672 ميل في الساعة.

ولكن تبقى بعض الصناعات الدفاعية الصينية تعتمد بشكل كبير على تكنولوجيا المعدات الروسية ولكنها تعمل على التخلص من هذا الإعتماد. فتنوي الصين تصميم مقاتلة أخرى من الجيل الخامس من طراز “جاي-31″، وهي طائرة خفيفة مزودة بمحركين روسيين من طراز “آر دي-93″، ويتوقع أن يحل المحرك الصيني 13A-WS  مكانهما.

انتقلت الصين وروسيا إلى مستوى جديد من تجارة الأسلحة في عام 2015 بعد خمس سنوات من المفاوضات. فقد وافقت روسيا بيع الصين مقاتلة “سوخوي-35″و 4 أنظمة دفاع جوي من طراز “أس-400” بحوال 7 مليار دولار. وتعتبر هذه من أحدث الأنظمة العسكرية الروسية. وشكل هذا الإتفاق نقطة تحول في العلاقت الروسية- الصينية، فهو يعتبر أول عقد ضخم لتصدير الأسلحة الروسية إلى الصين منذ عام 2000. كما يمثّل زيادة كبيرة في قيمة الصادرات الروسية السنوية، والتي تراوحت بين 13.5 و 15 مليار دولار أميركي في السنوات الأخيرة.

وهذه الإتفاقية قد تؤدي إلى حقبة جديدة ن تصدير أحدث المنتجات العسكرية الروسية إلى الصين. إلا أنه يمكن إعتبار العقد هو الفرصة الأخيرة لروسيا لزيادة عائداتها الدفاعية من تصدير منتجاتها إلى الصين قبل أن تصل هذه الأخيرة إلى الإكتفاء الذاتي. هذا وبدأت الين بالفعل بتسلّم بطارية أس-400 الأولى والتي تشمل عربة قيادة، عربة رادار وعربات أخرى للإمداد وقطع الغيار، وذلك في كانون الثاني/يناير الماضي.

  خطط لاستبدال المروحيات الروسية في أفغانستان بآليات أميركية

بعد أن قامت الصين باستيراد المعدات الدفاعية الروسية، انتقلت إلى التصنيع بهدف منافسة روسيا. ومع مستوى الإنتاج الصناعي المتقدّم في البلاد، من السهل أن تطوّر التكنولوجيا أكثر من روسيا. فالإلكترونيات الصينية والمواد المتقدمة ومصانع بناء السفن متطورة أكثر بكثير من تلك الموجودة في روسيا. كما أن حجم الإقتصاد الصيني يتمتع بموارد عديدة وبالرأسمال البشري الضخم للبحث والتطوير. وبالتالي ليس من المستغرب أن تتفوّق الصين على روسيا في تكنولوجيا الصناعات العسكرية على كافة الأصعدة.

وتجدر الإشارة إلى أن أن مشاركة روسيا في العمليات العسكرية في سوريا فتح لها آفاقاً على سوق الخليج بحيث كانت مشاركتها شبه استعراض عسكري لبيع منتجاتها الدفاعية. وليس أقل نتائج هذه المشاركة توقيع عقد مع السعودية تحصل بموجبه الرياض على منظومة الدفاع الجوي أس-400 الروسية التي أثبتت مشاركتها في الحرب السورية.

ولعل هذه الأسواق الجديدة التي دخلتها روسيا من بابها الواسع هي السبب الرئيس الذي سمح لها بإعادة تصدير منتجاتها الدفاعية إلى الصين. فحتى لو قامت الصين بنسخ الأنظمة العسكرية الروسية، قامت روسيا حتى الساعة بتأمين عائدات دفاعية كبيرة من دخولها السوق الخليجية. كما لا يمكننا أن نغفل أن روسيا تنتج للإمارات العربية المتحدة منظومة بانتسير إس-1 للدفاع الجوي. بالإضافة إلى الإهتمام المتزايد بالإنظمة الدفاعية الروسية في الشرق الأوسط.

ولكن يبقى السؤال: هل ستلحق الصين بروسيا وتنافسها في الأسواق الخليجية؟

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.