اتفاق “النووي الإيراني” أشعل سباق تسلّح مكتوم في الشرق الأوسط

الدكتور ظافر محمد العجمي - مدير مجموعة مراقبة الخليج

عدد المشاهدات: 1672

تقول خريطة جينات الحماس النووي الذي أصاب الشرق الأوسط أن توقيع الاتفاق النووي مع إيران كان فتيل إشعال سباق تسلّح نووي مكتوم في الشرق الأوسط بمشاركة من تركيا والسعودية ومصر وكافة أعداء إيران؛ ويأتي ذلك في تناقض لرأي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الذي يكاد أن يكون الوحيد الذي قال إن الاتفاق أوقف مخاطر انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط. كما ناقض طرح أوباما السفير الأميركي السابق جون بولتون الذي قال إن “الدول الأخرى في المنطقة لن تقف مكتوفة الأيدي، ولهذا فإن سباق التسلح النووي جار بالفعل”. وتحدث حليفهم رئيس دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن أن “الاتفاق سيطلق شرارة السباق النووي في الشرق الأوسط” بل أن خبراء أمن في معهد بروكينغز في واشنطن ساروا في ذلك المسار، وهو أن إيران إذا لم تلتزم ببنود الاتفاق، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى انعكاسات سلبية على مستقبل السباق النووي في منطقة الشرق الأوسط.

فالخشية السعودية من أن يتيح الاتفاق تحرر إيران لتقدم مزيداً من الدعم لحلفائها في اليمن، رجّح تسريع الرياض لخطواتها النووية. يدعم ذلك قول الأمير تركي الفيصل بأن التوصل لاتفاق مع إيران قد يدفع السعودية وغيرها للحصول على الحق نفسه. وكانت صحيفة “ديلي تلغراف” قد زعمت أن السعودية بدأت مساعي للحصول على سلاح نووي في 2013، في قاعدة سرية. أما صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية فذهبت أيضاً إلى أن السعودية اتخذت قرارًا إستراتيجيًا بشأن شراء أسلحة نووية من باكستان.

أما تركيا فاستبعدت نفسها من المخاوف من نووي إيران، ولكي يُنظر إليها كإحدى ركائز التوازن في منطقة الشرق الأوسط مع إيران. لكن مصادر ألمانية تؤكد سعي تركيا إلى إنتاج قنبلة نووية سراً، مما يفسر هذا عدم انخراطها في صخب التخوف من نووي إيران. كما وقعت أنقرة اتفاقا مع شركة “روس أتوم” الروسية لبناء مفاعل نووي كبير عام 2011، بعد أن أمر رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان ببناء منشآت لتخصيب اليورانيوم سراً. وهناك من يقول بامتلاك تركيا لعدد كبير من أجهزة الطرد المركزية يعتقد أنها أتت من باكستان.

  مجلس الشيوخ يقر رسمياً تعيين مايك بومبيو رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية

من جهتها، دخلت مصر نطاق السعي للتسليح النووي، مع إمكانية امتلاك القاهرة للمعرفة والموارد التي تؤهلها لتحقيق قدرات نووية. وعليه فبمجرد حصول إيران على السلاح النووي، سينفتح “صندوق باندورا” كما في الميثولوجيا الإغريقية، وهو صندوق يتضمن كل الشرور.

كيفية رؤية دول مجلس التعاون للسباق النووي في الشرق الأوسط تتم من خلال تتبع الطموح النووي الخليجي وأسلوب تقربها من التكنولوجيا النووية. فمما لا شك فيه أن منطقتنا ليست بمنأى عن التحديات العالمية؛ التي تلقي بتأثيراتها القوية على مستقبلها، كما أن عدم الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط يؤثر في مجريات الأحداث العالمية.

ولا تستطيع الدول الكبرى تجاهل قلق دول الخليج وعدم الرضى عن الإتفاق النووي مع إيران لكونه يمنح إيران حق تخزين اليورانيوم المخصب على أراضيها ويمنح إيران كامل الحقوق بعد 15 عاماً. لكن ذلك لم يمنع دول الخليج من التقرب من المشاريع النووية إن كانت في بابها السلمي حتى الآن. رغم أن الخطوة السلمية هي مدخل للمسيرة النووية بكافة أشكالها.

ولعل من إفرازات ذلك الاتفاق الانقضاض الغربي والشرقي على دول الخليج للحصول على عقود مشاريعها النووية. فقد تشكل سباق نووي سلمي يناهز في أهميته سباق التسلح العسكري من حيث الأهمية والسرعة وحجم الاستثمار وحجم التدافع للحصول على عقوده. فقد صرّح سفير دولة الإمارات العربية المتحدة بواشنطن يوسف العتيبية، أن “إيران حصلت على مزايا أفضل من باقي دول المنطقة”، مشيراً إلى رغبة العديد من دول المنطقة في الحصول على نفس قدرة تخصيب اليورانيوم أسوة بطهران. ومن متابعات حثيثة، يمكن القول بتفوق الإمارات على بقية دول الخليج في مضمار سرعة المضي في برنامجها النووي السلمي. وستصبح الإمارات المتحدة أول دولة تمتلك برنامجاً نووياً لأغراض مدنية، فالحماس النووي حتى في شقه المدني مدفوع بمخاوف شعوب المنطقة من الطموحات النووية الإيرانية.

وفي المملكة العربية السعودية الشقيقة، أجرت مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة دراسات خلصت إلى إمكان إنشاء المفاعل النووي للأغراض السلمية شرق المملكة أو غربها. وتنتظر خلال الفترة المقبلة اعتماد “القانون النووي السعودي” للبدء في إنشاء 16 مفاعلاً نووياً، سيستغرق إنشاء الأول منها مدة تصل إلى ‏10‏ سنوات. حيث أن مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة فرغت من إعداد “القانون النووي السعودي”، وإنشاء “هيأة السلامة النووية”. وعلى النقيض من المعارضة الدولية الواسعة للبرنامج النووي الإيراني الذي يعد تهديدًا للسلام العالمي، يبدو حسب مصادر عدة أن الرياض تتمتع بدعم عالمي في كل ما يتعلق ببناء المفاعل النووي. حيث بدأت الخطوات السعودية بعقد اتفاقات عالمية مع دول عدة تمتلك تصريح بناء المفاعلات النووية، في مقدمها كوريا الجنوبية والصين وفرنسا.

  الكشف عن صفقة إيرانية ألمانية "غير قانونية" على تجهيزات صاروخية متطوّرة

وفي مسار مشابه، أعلنت الكويت قبل عقد من الزمن عن عزمها إنشاء مشروع مفاعل نووي سلمي لاستخدام الطاقة للأغراض السلمية، حيث كانت من الدول السباقة في عمل دراسة لإنشاء مفاعلات نووية للطاقة السلمية، من قبل لجنة وطنية، كلفت عمل الدراسات الأولية للمشروع، فأنشأت الكويت لذلك الغرض اللجنة الوطنية للطاقة الذرية عام 2010، بهدف بناء 4 محطات نووية وبدأت الدراسات لهذه المحطات سنة 2013. وكان من المفترض أن تبدأ المحطة الأولى بالعمل عام 2020، وفق ما كان مخططاً له.

لكنها من خلال إعلان رسمي، تراجعت عن هذه الخطوة معربة عن رغبتها في انتظار التوصل إلى تقنيات حديثة أكثر أمانًا. كما أن انخفاض أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة جعل من استخراج الكهرباء ومصادر الطاقة بواسطة المفاعلات النووية أكثر كلفة وفق دراسة اقتصادية جرت أخيرًا. وذلك بالإضافة إلى صغر الرقعة الجغرافية للكويت، والحاجة إلى كميات كبيرة من مياه التبريد لعمل المفاعلات.

كما تخلت سلطنة عُمان عن البرنامج النووي في هذا الوقت، لسبيين: الأول اقتصادي، فبحسب دراسات من منظمة الطاقة الذرية، فإنه إذا كان سعر البترول تحت الخمسين دولارًا، فنحن لسنا بحاجة لإنتاج واستخدام الطاقة النووية، لأننا سنستخدم هذه الطاقة بكلفتها البترول والغاز وهي أرخص من الطاقة النووية. والسبب الثاني أن كل منتجي الطاقة النووية وضعوا من معايير السلامة ما يجعل الإنسان يطمئن إلا في حالة الخطأ البشري أو الكوارث الطبيعية، وإن حصل تلوث فهو غير قابل للعلاج. وأوضح بأن السلطنة لازلت في مرحلة نمو، وقدرة تقليل المخاطر مازالت متواضعة جداً، كما أن متطلبات الحماية من التأثر بالإشعاع ليست سهلة.

وليس للبحرين طموح نووي، لكن مجلس الدفاع المدني أكد تشكيل فريق عمل لإعداد خطة للأمن النووي بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تسهم في الحماية من مخاطر التهديدات النووية، بما يُسهم في دعم الجهود الوطنية المبذولة في هذا المجال، كما تم النظر في تعيين بيت خبرة بالتعاون مع الوكالة الدولية لمراجعة الخطة الوطنية للاستجابة للطوارئ الإشعاعية والنووية.

  صاروخ إيراني "غامض" في استعراض يوم الجيش الوطني في طهران

كما عبرت دولة قطر عن امتنانها لمساهمة الوكالة في تنفيذ المشاريع التي تقدمت بها خلال السنوات السابقة، في مجالات تضمنتها وثيقة “رؤية قطر الوطنية 2030” في مجال تطوير البنى الأساسية والكوادر البشرية في استخدامات التقنيات النووية، وبالذات في مجالات الطاقة والصحة والزراعة والصناعة وإدارة المياه والبيئة والأمان النووي والإشعاعي.

ونشير هنا إلى الطموح النووي الخليجي بأنه طريق “للقيام بشيء ما” لموازنة القوة الإيرانية؛ كما كتب جورج بيركوفتش من معهد كارنيجي حيث قال عنه بالحرف الواحد (One way to do something) لأن امتلاك الطاقة النووية كما يرى له تأثير نفسي قوي، فكلمة نووي مشوشة (Muddled) وغامضة (Ambiguous). وما قاله بيركوفتش عن الجانب النفسي صحيح بلا شك، إلا أن الطموح النووي الخليجي السلمي ليس بغموض مفاعل ديمونة الإسرائيلي حيث لم يكلف الصهاينة أنفسهم طوال 50 عاماً حتى عناء الكذب للقول بأنه لإنتاج الطاقة الكهربائية.

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.