دول مجلس التعاون الخليجي والقوى الإقليمية: توازن أم تنافس (1)

د.ظافر محمد العجمي - مدير مجموعة مراقبة الخليج

عدد المشاهدات: 1058

مرت دول الخليج العربي في عام 2017 بتحولات حادة، لم تكن لتحدث في تقديرنا بمعزل عن توازنات في الجوار الإقليمي، وخصوصاً القوى الإقليمية غير العربية المؤثرة مثل إيران، تركيا، باكستان والهند. ففي زمن المصطلحات الذرائعية التي تصكها وتوظفها ظفتها القوى الإقليمية للتغطية على أهدافها النهائية يصبح من الظروري تمحيص كل تحرك اقليمي من منظور علاقاتنا مع تلك القوى.

 العلاقات الخليجية الإيرانية    

اختارت جل القراءات للعلاقات الخليجية الإيرانية – قصوراً – الدخول من بوابة التباينات في الرؤى الاستراتيجية للقضايا في المنطقة. صحيح أنه منذ قيام الثورة الايرانية عام 1979، لم تجعل طهران من أطماعها سراً تحتفظ به لنفسها، فهي تحاول أن تجعل من الخليج منطلقاً لتحقيق أطماعها بالتدخل في شؤون أهله الداخلية والخارجية. ‏ لكن هذا لا ينفي وجود مايقرب الطرفين من روابط تاريخية وجغرافية ‏واقتصادية مشتركة بين الجانبين، فدول مجلس التعاون من أكبر الشركاء ‏التجاريين لإيران، ما يعزز فرضية تحسن العلاقات بين الجانبين، انطلاقًا ‏من أن المصالح الاقتصادية أساسًا جيدًا لبناء الثقة.

ولكن هذا الحلم يتلاشى حين ندرك بوضوح أن ما يبعد الطرفين هو ‏أن طهران ومنذ عقود لم تنشط في التقرب الودي من دول الخليج العربي بل نشطت في تعميق الحُفر. وأهمها توظيف ‏طهران للمذهبية، وكأن طهران تبحث عن أمة شيعية لا لتخدمها بل ‏لتحكمها عبر الفتنة والتقسيم وفق مطامحها التوسعية وسعيها للتوغل ‏في المنطقة واستهدافها لأمن الخليج بحروب تخاض عنها بالوكالة في كل ‏من العراق وسوريا واليمن، مما فاقم من حدة هذه العلاقات لتخضع بذلك لمنحى ‏تصادمي يقلص من مساحة التوافقات. حيث لم تكن مشكلتنا مع إيران إنتاج المزيد من المفاعلات النووية بل إنتاج المزيد من ‏الميليشيات المذهبية، كما أن طهران لم تربط  ‏إيقاف البناء في المفاعلات مع وقف البناء في ‏المستوطنات ولم تسخر طموحها النووي إلا لإذلال محيطها الإقليمي لا حمايته.

  بعد الحرب الناعمة.. عالمنا العربي إلى الجيل الرابع من الحروب - الجزء الأول

‏فخلال فترتي حكم الرئيس السابق أحمدي نجاد الذي يمثل  حقبة حكم تيار المحافظين، اتسم الخطاب ‏الإيراني تجاه دول الخليج بالتشدد. وعليه أثار فوز الرئيس حسن روحاني -المحسوب على التيار ‏الإصلاحي- في الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي أجريت في حزيران/يونيو 2013، الكثير من التفاؤل في دوائر ‏صنع القرار الخليجية فرحبت بتلك النتيجة. ليتضح أن روحاني نسخة مزيفة من الإصلاح الذي يدعيه.  ‏فقد تخلى روحاني أخيراً عن خطابه الذي كان يوصف بـ “المعتدل” في كلمته التي ألقاها في البرلمان الإيراني وبثها التلفزيون المحلي، على استمرار دعم ميليشيات إيران في المنطقة ‏واليمن، قائلاً: “أقبل أیادي مقاتلي المقاومة الذین زرعوا الیأس في قلوب الاستكبار العالمي والصهیونیة. ‏إنهم نشروا الأمن في ربوع العراق وسوریا ولبنان وسينعم الیمن بالأمن أيضاً”. فحكومة روحاني ولم تعد  ‏تخفي رسمياً دعمها للحوثيين، حيث أكد الرئيس الإيراني  في كلمة له في 10 ديسمبر 2017، على ‏استمرار التدخل العسكري الإيراني عن طريق دعم ميليشياته في اليمن، على غرار التدخل الذي يقوم به ‏الحرس الثوري، بدعم ما أطلق عليهم “مقاتلي محور المقاومة” في العراق وسوريا ولبنان”‏ . وعليه يمكننا وضع طهران في خانة القوة الاقليمية المتحدية لدول الخليج العربي.

الدور التركي في الخليج    

قاد الاقتصاد العربة التركية لصعود التحديات المحيطة بتركيا خلال العقدين الأخيرين، لكن أنقرة بدأت بتغيير إستراتيجيتها في التوسع من استخدام القوة الناعمة ممثلة بالاقتصادي والدبلوماسية والثقافة، إلى القوة الصلبة عبر القواعد العسكرية والصناعات العسكرية. فتركيا تحتلّ المرتبة العاشرة عالمياً بين جيوش العالم، كما تحتلّ المرتبة الثانية في حلف شمال الأطلسي بعد الجيش الأميركي. وهو ما رفع  التقييم الجيوسياسي لتركيا لامتلاكها  هذين العنصرين الهامين من عناصر القوة. ثم تخلت أنقرة عن التحفّظ المؤدّي إلى الانكفاء فيما يخص سوريا. واستجابة لمستجدات وظروف اقليمية ودولية تبنت تركيا معادلة الحفاظ على مقومات القوة التركية المتمثلة في الموقع الاستراتيجي والإرث الحضاري والقوة العسكرية والاقتصاد المتنامي. وما نشاهده في “عملية غصن الزيتون” هو تفعيل للقوة العسكرية، التي اثبت استخدامها حتى الان ان انقرة  متحفزة لعلاقات شراكة مع  دول الخليج العربي عبر فوهات المدافع لا صناديق الخضار.

  أهداف عميلة "غصن الزيتون": أمن قومي تركي أم تسلّل إلى الساحة السورية؟

لقد كان إدراك صانع القرار الخليجي لهذا الأمر سابقاً للأحداث الأخيرة، فقد تم في 2008 توقيع مذكرة تفاهم للشراكة الإستراتيجية بين تركيا ودول الخليج، والحوار الإستراتيجي نقلة نوعية، أظهر إدراك دول الخليج  وتركيا حجم التهديدات الأمنية التي تتعرض لها المنطقة، وقدرة تركيا ومدى رغبتها في الوقوف بجانب الخليجيين في مواجهة التهديد الإيراني. فمتطلبات المرحلة تفرض حاجة الخليجيين لمحور رديف. ومصالح الخليجيين مع أنقرة  تستدعي التنسيق في ملفات عدة  فقد تحصد ما يمكن أن يُطلق عليه “الاحتواء المزدوج” للإرهاب وإيران بشراكة تركية خليجية. كما أن مبادرة اسطنبول 2004 هيكل تعاون جاهز لو انضمت إليه عمان والسعودي. أما عوامل تنامي التقارب الخليجي – التركي فمنها أن حرب تحرير العراق 2003 تمخض عنها آثار سلبية على توازنات القوى الإقليمية، أدى لتنامي النفوذ الإيراني مما أثار حفيظة الخليجيين،ودفعهم للتقارب مع تركيا لتكوين “تحالف سني” لمواجهة التمدد المذهبي الإيراني. يضاف لذلك رغبة تركيا بجذب الاستثمارات الخليجية، وفتح أسواق  للصادرات التركية وتأمين احتياجاتها النفطية. ولاستفادة الخليجيين من الخبرات التركية بمجال الصناعات الدفاعية لكسر احتكار الدول الغربية . بما يقود الى اضطلاع  تركيا بدور في أمن منطقة الخليج، فالتوازن الإقليمي الفاعل هو الصيغة المثلى لأمن منطقة الخليج. ولإيمان صانع القرار السياسي الخليجي بأن البعد الخارجي ضرورة لتحقيق أمن الخليج ،فلن تجد أفضل من أنقره كموازن مؤتمن لطهران، وتتفق هذه النظرة الخليجية مع نظرة استراتيجية تركية شاملة تستهدف تثبيت انقرة كقوة مركزية مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط. لا سيما وان واشنطن تبدي ارتياحاً لهذا الدور وتنظر إليه بشكل إيجابي، وخصوصاً أن مشاركة أنقرة في تسوية العديد من الأزمات الراهنة تسهم في الحد من النفوذ الإيراني بإيجاد توازن جديد في المنطقة. ثم حدثت الإشكالية على مسارين: الأولى أتت كإحدى تبعات الأزمة الخليجية بين دولة قطر وبين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، حيث أظهرت تقرب عسكري تركي غير مريح في الخليج العربي، وهذا التقرب يعد بحد ذاته من معوقات مساعي الكويت لحل الأزمة الخليجية، ومن جانب آخر دفع إلى تراجع الدور التركي كجزء من الترتيبات الخليجية لموازنة القوة الإيرانية. أما المسار الآخر، فهو عملية غصن الزيتون، فدول الخليج ضد تواجد جميع الأطراف الدولية في الساحة السورية بما في ذلك تركيا التي قد تقتطع جزء من بلد عربي شقيق نتفق مع شعبه ونختلف مع حاكمه  الطاغية بشار الأسد.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.