دول مجلس التعاون الخليجي والقوى الإقليمية: توازن أم تنافس (2)

الدكتور ظافر محمد العجمي - مدير مجموعة مراقبة الخليج

صورة نشرتها العلاقات العامة للخدمات المشتركة (ISPR) في 10 كانون الثاني/يناير 2016، نائب ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان آل سعود مع قائد الجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف في مقر القيادة العامة في روالبندي (AFP)
صورة نشرتها العلاقات العامة للخدمات المشتركة (ISPR) في 10 كانون الثاني/يناير 2016، نائب ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان آل سعود مع قائد الجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف في مقر القيادة العامة في روالبندي (AFP)

عدد المشاهدات: 1309

 العلاقات الخليجية الباكستانية

لاشك أن الخليج العربي من ناحية الجغرافيا السياسية، أكثر اتساعاً من الخليج العربي من ناحية الجغرافيا الطبيعية، حيث يضم بالمعيار الجيوسياسي، عدداً من الوحدات السياسية التي ليست لها سواحل خليجية، فيتسع الحديث عنه ليشمل اليمن وباب المندب حتى قناة السويس، وليشمل أيضاً تركيا وأفغانستان وباكستان والهند؛ باعتبار أن هذه المناطق هي مناطق متصلة بالخليج العربي.

فقد كان الخليج في مطلع القرن العشرين امتداداً للهند في دوائر الحكم البريطانية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو امتداد لحلف شمال الأطلسي بحكم أن إيران والعراق وباكستان وكلها دول على أطراف الخليج، تمثل حلف بغداد 1955 والذي كانت تقف من خلفه بريطانيا والولايات المتحدة. كما تمد تركيا يديها بين الحلفين لتظهر مدى تطابق ما يرميان إليه من خطط وأهداف، ويظهر ارتباط الخليج بجنوب أسيا في مطلع السبعينيات، حيث كان من نتائج الحرب الهندية الباكستانية 1971 أن مالت الهند إلى عدن الماركسية في جنوب الجزيرة العربية وإلى بغداد شبه الاشتراكية في أقصى شمال الخليج العربي، فيما توثقت العلاقات الباكستانية مع السعودية وإيران التي التزمت بأمن باكستان منذ العام 1973. ولولا أن الحرب البحرية خلال المعارك الباكستانية الهندية كان مسرحها بحر العرب وخليج البنغال، لكانت إيران جزءاً منها ضد الهند على أطراف مضيق هرمز. كما نجد أن باكستان من خلال قوات (البلوش) كانت جزءاً من الجهد السلطاني العماني في حرب ثوار ظفار في السبعينيات. إن باكستان حلقة من حلقات أمن منطقة الخليج العربي منذ قيامها 1947، وجزء من جواره الجيوسياسي، بل إن حرب أفغانستان 1979 قد خاضتها أطراف الصراع في عصر الحرب الباردة طمعاً ودفاعاً عن الخليج العربي، ولم يظهر مبدأ كارتر الذي جعل أمن الخليج العربي جزء من أمن الولايات المتحدة القومي إلا بعد أن احتفل السوفيت برأس السنة في شوارع كابل 1979.

لكن باكستان منذ تفجير قنبلتها النووية وهي تعتمد على الردع النووي لتوفير ميزانيات الدفاع، ما أثر على تطور القوات المسلحة التقليدية في مجالات التسلح والتدريب، حتى إننا كنا نتساءل عن جدوى التمارين بين القوات المسلحة  ببعض دول الخليج وباكستان وهي في حالتها هذه. بل خاب ضننا في المظلة النووية. فقد توقعت السعودية أنها تقع تحت المظلة الباكستانية النووية، كما هو الحال مع اليابان التي يقال بأنها تحتمي بالمظلة النووية الأميركية، خاصة وأن القدرات النووية الباكستانية تتخطى حاجز 2750 كم. ثم اتضحت الأمور بما لانريد برفض البرلمان الباكستاني مؤخرًا الإنضمام إلى التحالف ضد الإرهاب الحوثي واعادة الشرعية في اليمن، رغم تأكيد باكستان على التزامها بحماية أراضي المملكة العربية السعودية. هذا التكشف المخيب للآمال جراء التردد الباكستاني في دعم السياسة السعودية في اليمن، دفع الرياض إلى  التفكير في البحث عن بدائل نووية أخرى كنوع من الضغط على إسلام آباد، باعتبارها شريكاً نووياً كان من المفترض أن يوفي بتعهداته. وهو ما تفق عليه أكثر من طرف خليجي حيث انتقد وزير الشؤون الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، أنور قرقاش، القرار الباكستاني، واصفاً إياه “بالقرار المتناقض والخطير وغير المتوقع”. كما اتهم قرقاش باكستان بتعزيز المصالح الإيرانية على حساب حلفائها في الخليج العربي، وأضاف بأن إسلام أباد اختارت الحياد في “مواجهة وجودية”، وبأنها ستدفع الثمن.

  قرار خليجي بإقامة تمرينَي "أمن الخليج" المقبلين في الإمارات وقطر

التعاون الخليجي ـ الهندي

التعاون العسكري الخليجي الهندي هو صيغة من صيغ جديدة لأمن الخليج، تدفع نيودلهي لذلك مصالحها للانخراط في قضايا الأمن الإقليمي، خصوصاً أن الخليجيون قد كلت أيديهم وهو يطرقون أبواب الغرب والصين وروسيا، دون أن يتحقق الأمن المنشود، بالاضافة إلى وجود الكثير من مشجعات التقارب الخليجي الهندي، فحتى منتصف القرن الماضي كان الخليج امتداداً جغرافياً للهند، في ملبسه ومأكله وكثير من مفرداته اللغوية، ونظمه الإدارية. واليوم تعد الهند من أكبر 10 اقتصادات في العالم، و2 أكبر دول العالم في عدد السكان، و3 أكبر مستورد للنفط، و4 أكبر مستورد للغاز، حيث تعتمد الهند على دول الخليج ب 60% من حاجتها النفطية. ويبلغ حجم التجارة بين الطرفين 130 مليار دولار سنوياً، وتُعتَبر دول مجلس التعاون الخليجي ثاني شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تزايد عدد العمالة الهندية في الخليج. كما تشير الأرقام إلى أن للهند 6 مليون عامل في دول مجلس التعاون يقومون بتحويل 35-40 مليار دولار سنوياً، جاعلة تنامي العلاقات بين الطرفين في المحاور الاقتصادية والإستراتيجية ذو قابلية عالية. كما تعرضت الهند كدول الخليج للإرهاب الجهادي والتطرف، والجريمة عبر الحدود، وغسيل الأموال والمخدرات وتهريب الأسلحة مما يهدد استقرار الطرفين. ثم يتنامي النفوذ الصيني حول الهند، وتتأثر السياسة الإقليمية للهند بذلك، خصوصاً في منطقة الخليج.

ولأن الخليج جزء من المحيط الهندي، تعده نيودلهي ضمن مجالها الحيوي المجاور. كما تحاول دول الخليج تعزيز الروابط الأمنية مع الهند وتأمين مصالحها؛ حيث وقعت دول الخليج اتفاقيات للتعاون الدفاعي، تهدف من خلالها  لترقية التعاون العسكري في شراكات أمنية منها التعاون العسكري الإقليمي، حيث بامكان الهند المساهمة في توازن القوي في الخليج، ربما عبر إظهار قدراتها العسكرية بتدريبات سنوية مشتركة مع “قوات درع الجزيرة” لمواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية. وخلق  دور محدد لنيودلهي في الأمن الإقليمي والأمن البحري ومكافحة القرصنة. ومكافحة الإرهاب في إطار اتفاقيات أمنية قائمة او استحداث جديدة  مع عدد من دول مجلس التعاون، كما يحتاج  الطرفان لتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية وتسليم العناصر الإجرامية. وبتدريب قوات خليجية على عمليات مكافحة الإرهاب. بالاضافة إلى توفير المعدات العسكرية الهندية، فماذا يمنع دول الخليج من سعيها للحصول على معدات عسكرية إضافية يمكن أن توفرها الهند. دون الشروط الغربية غير الحقة، والمرتبطة بقيود الديمقراطية الغربية وحقوق الإنسان وغيرها.اخيرا الاحتماء بالهند النووية: فقد أصبحت الهند قوة نووية في عام 1974، فالهند لقربها من الخليج قد تكون اجدى من الاحتماء بالمظلة الغربية.

  دول مجلس التعاون الخليجي والقوى الإقليمية: توازن أم تنافس (1)

أما عقبات التعاون الخليجي الهندي فمنها أن إيران تعدّ مصدراً مهماً لطاقة الهند، وعنصراً حاسماً في حساباتها الإستراتيجية، لقُربها الجغرافي من باكستان وأفغانستان، وكممر تجاري إلى آسيا الوسطى. وهذه الشراكة الاستراتيجية بين الهند وإيران مصدراً للقلق الخليجي وتستوجب جهد تقرب خليجي عاجل لتوجيه نيودلهي بعيداً عن طهران عبر تقديم اغراءات جادة للهند. لقد عارضت الهند علناً البرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تخفي رغبتها  في بناء علاقات سياسية واقتصادية قوية مع طهران. كما كان موقفها صامت ومعيب من الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت، كما لاينظر الخليجيون بارتياح الى طريقة معاملة المسلمين في الهند. بل إن الهند اعترفت بالكيان الصهيوني عام 1950، ولا زالت للهند علاقات وثيقة مع الصهاينة. يضاف إلى ذلك التقارب الباكستاني– الخليجي: وهو تقارب تاريخي استغلت فيه إسلام آباد العامل الديني واتهمت الهند بمعاداة المسلمين، لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية مع دول الخليج، وإن كان هناك تراجع في اانفراد باكستان بالنفوذ  في الخليج. مما يجعل الدفاع عن إسلامية باكستان معقدة علاوة على قدراتها العسكرية والنووية. من جانب آخر، يقلق الهند خطوات الصين – غريمها الدائم- السريعة في تقربها نحو الخليج. وتواجه العلاقات الهندية الخليجية صعوبة قدرة الهند على مزاحمة واشنطن فقد تقدمت دول الخليج خطوة بمنح الهند صفة “شريك حوار” من قبل دول مجلس التعاون الخليجي في أكتوبر 2003 لتصبح ثالث دولة بعد الولايات المتحدة واليابان تتمتع بهذه الميزة. لكن ذلك لا يعني  قيامها بدور أمني محل التواجد الغربي وخصوصاً الأميركي، فالاحتياجات الأمنية  لدول المنطقة لم تحققها واشنطن الأبعد نصف قرن من التعامل مع  التحديات في الخليج. ومن المبكر استقراء أبعاد ماستقدمه نيودلهي. كما لا زالت ثقافة صيانة العلاقات الدولية الخليجية مع بلد بقرب الهند غائبة. فقد اقتصرت العلاقات الهندية الخليجية في جانبها العسكري على”المجاملات العسكرية” بدل الشراكات الاستراتيجية، كالزيارات المتبادلة للسفن وزيارات ضباط الارتباط ،والملحقين العسكريين.

  تركيا والخليج: الصفقات العسكرية السابقة والمنتظرة

 

تبقى إيران ومشاريعها الإقليمية من مفجرات الصراع في الخليج العربي.و تظهرطبيعة العلاقات بين دول مجلس التعاون والقوى الإقليمية غير العربية المؤثرة مثل تركيا باكستان  والهند، تظهر توجه خليجي نحو هذه الدول في حوارات استراتيجية جادة، كان اغلبها من خلال سياسة خليجية موحدة تحت مظلة مجلس التعاون. لكن التحديات وضعف قدرات هذه القوى تجعل استثمار هذه العلاقات لملء الفراغ الاستراتيجي وتحقيق الاستقرار والتوازن في منطقة الخليج، أمر محفوف بالمغامرة مقارنة بما بين دول الخليج والدول الغربية الكبرى من اتفاقيات أمنية هي أكثر مصداقية وفعالية، لكن ذلك لايفرغ التواصل مع جوارنا الإقليمي من جدواه ولو كان محدوداً.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.