السياسات المتضاربة تقوّض المكاسب الأميركية في الشرق الأوسط، على الرغم من التفوق العسكري

رياض قهوجي - مدير عام مجلة الأمن والدفاع العربي

صورة تم التقاطها في 3 نيسان/أبريل 2018 تُظهر مركبات تابعة لقوات التحالف المدعومة أميركياً في مدينة منبج السورية الشمالية (AFP)
صورة تم التقاطها في 3 نيسان/أبريل 2018 تُظهر مركبات تابعة لقوات التحالف المدعومة أميركياً في مدينة منبج السورية الشمالية (AFP)

عدد المشاهدات: 594

يُعتقد على نطاق واسع أن الولايات المتحدة الأميركية تتمتّع بأقوى قوة تقليدية وغير تقليدية في كافة أنحاء العالم حيث لا يملك أي من منافسيها سوى نصف حجم قدرات قوة الإسقاط (Projection Power) الخاصة بها. مع ذلك، فإن تأثير الولايات المتحدة ونفوذها السياسي يتضاءلان في العديد من المناطق، لا سيما في الشرق الأوسط؛ حيث يبدو أن روسيا، التي تمتلك حاملة طائرات واحدة فقط مقارنة مع حاملات الطائرات العشرة الأميركية، أصبحت تكتسب اليد العليا في هذه المنطقة، في حين يتصوّرها الجمهور – بشكل متزايد – “الرئيس جديد” في البلدة. هذا ولا تزال آلاف القوات والأصول الأميركية متمركزة في المنطقة، لكنها لا تبدو فعالة كما كانت سابقاً، والسبب الرئيس يعود إلى السياسات الخارجية غير المتّسقة والاستخدام السيء لمبدأ “اقتصاد القوة”.

كتب العديد من استراتيجيي ومؤرخي الحروب عن “اقتصاد القوة”، وأكثرهم شهرة هما اللواء جون سي. فولر وكارل فون كلوزفيتز. لتبسيط الأمر، إن اقتصاد القوة هو في الأساس كيفية استخدام الحجم المناسب للقوة في المكان والزمان المناسبين مع الإرادة القوية لمتابعة الخطط المعدّة مسبقاً بمرونة وتصميم من أجل تحقيق أهداف استراتيجية الحرب. ويقول كلوزفيتز إن “كل هدر غير ضروري للوقت، وكل تحويلة لا لزوم لها، هي إهدار للسلطة، وبالتالي تتعارض مع مبادئ الإستراتيجية”.

ففي الولايات المتحدة كان هناك بالفعل الكثير من “التحويلات” وهدر للوقت على مدى السنوات الـ17 الماضية – بدءاً من الحرب العالمية على الإرهاب في عام 2001. ولقد ازدادت المشكلة سوءاً في العقد الماضي مع سياسات واستراتيجيات متغيّرة باستمرار لكل من العراق، إيران وسوريا. وينسب الكثيرون في الولايات المتحدة ذلك إلى البلد الذي يعاني من إرهاق الحرب أو إلى النظام الديمقراطي الأميركي. ولكن في الواقع، يبدو أن المشكلة هي القيادة السياسية الفاشلة التي تتّسم بسياسات متضاربة، وأحياناً متهورة، والتي حوّلت المكاسب العسكرية إلى كوارث سياسية.

وقد شهد النظام الديمقراطي الأميركي نفسه – في ظل القيادات السابقة – دعم الولايات المتحدة للحلفاء للانتصارات المتتالية في الحربين العالميتبن الأولى والثانية، ليخرجوا منتصرين من الحرب الباردة، ويرفعوا أميركا باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم. هذا، وتم استخدام مبدأ “اقتصاد القوة” بكفاءة عالية خلال الحرب الباردة الذي شهد هزيمة الولايات المتحدة للاتحاد السوفييتي دون مواجهة عسكرية مباشرة. واليوم، يعمل الإتحاد الروسي – وهو خليفة الاتحاد السوفييتي – بالـ”تنمير” على الولايات المتحدة على جبهات مختلفة في أوروبا والشرق الأوسط.

يصف ويحدد الدليل العقائدي الحالي لجيش الولايات المتحدة مبدأ “اقتصاد القوة” على النحو التالي: “تخصيص الحد الأدنى من القوة القتالية الأساسية للجهود الثانوية. اقتصاد القوة هو المعاملة بالمثل (Reciprocal of mass). ويتطلب الأمر قبول المخاطر الحكيمة في مناطق محددة لتحقيق التفوق – والتأثيرات الغامرة – في العملية الحاسمة. وينطوي اقتصاد القوة على عنصري التوظيف التمييزي وتوزيع القوى. إن القادة لا يتركون أي عنصر دون غرض. فعندما يحين وقت التنفيذ، يجب أن يكون لكل عنصر مهام يجب تنفيذها”.

  وصول كتيبة مدرعة أميركية الى بولندا

يتم تطبيق مبادئ “اقتصاد القوة” من قبل القوات المسلحة في جميع أنحاء العالم وفي كافة أنواع العمليات العسكرية. ومع ذلك، فإن هذا الأمر يعتبر أكثر أهمية بالنسبة للجيوش التي تريد امتلاك قدرات قوة الإسقاط الفعالة. ويجب على القوى العظمى التي ترسل قوات للقيام بالمهام التي تبعد آلاف الأميال عن الوطن أن تكون مجهزة تجهيزاً جيداً لإنجاز الأهداف المحددة لها في تنفيذ السياسات الخارجية لبلدها. كما يجب أن يكون وجود القواعد في الخارج جزءاً من سياسة تقرِّرر من خلالها القيادة العسكرية حجم القوة في كل قاعدة ونوع الأصول المطلوب. أما في حالة الولايات المتحدة، فتريد أن يكون للجيش أقلّ قدر من الوجود البري على الأرض في الشرق الأوسط من خلال الاعتماد على القوة الجوية، أسلحة المواجهة، والشركاء المحليين.

إذا درسنا تنفيذ مبدأ “اقتصاد القوة” في عمليات نشر القوات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط منذ عام 2003، فلن يكون من الصعب الاستنتاج بأن أميركا نجحت بشكل كبير عسكرياً ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً على المستوى الاستراتيجي. فقد قام القادة العسكريون الأميركيون بعمل رائع عسكرياً في مجال تحقيق السيطرة على العراق في غضون ثلاثة أسابيع مع أقل عدد ممكن من الإصابات. ومع ذلك، أثبتت عملية إدارة العراق لاحقاً فشلاً كبيراً لأن استراتيجية الحرب التي كان العسكريون مستعدون لها نصّت على إزالة أسلحة الدمار الشامل من العراق بينما كانت للقيادة السياسية أجندة خفية مختلفة. وحتى عندما نجح الجيش الأميركي في استعادة السيطرة على الوضع هناك من خلال بناء القوات بشكل تدريجي وتدريب الجماعات المحلية على محاربة المتمردين الإسلاميين – ما كان يعرف آنذاك باسم “The Surge” – أنهى تغيير القيادة في البيت الأبيض الموضوع من خلال سحب كافة القوات من العراق، تاركاً فراغاً كبيراً للإيرانيين ولإرهابيي القاعدة للسيطرة واحتلال المنطقة.

وعندما أثارت التمردات الشعبية في سوريا والعراق اضطرابات وأشعلت صراعات طائفية سمحت لعشرات الآلاف من مسلحي تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) باحتلال مناطق شاسعة في كلا البلدين، عرضت الفرصة نفسها على الولايات المتحدة لنشر قواتها لمكافحة الإرهاب واحتواء التوسّع الإيراني السريع.

  أستراليا وأميركا تبدآن أكبر مناوراتهما العسكرية المشتركة على الإطلاق

أرسلت إيران عشرات الآلاف من الميليشيات الشيعية بقيادة الحرس الثوري إلى العراق وسوريا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الحربية التي انطوت عليها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما – والتي كانت تصبو إلى عودة العلاقات مع طهران إلى الحالة العادية – كانت الحد من التدخل العسكري الأميركي وحصره بالقوة الجوية، بالإضافة إلى تقديم الدعم للقوات البرية المكوّنة من الحرس الثوري الإيراني، الميليشيات الشيعية العراقية المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي (PMF)، والقوات العراقية النظامية. أما الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترامب فعكست مسارها ولم تعد تنسق مع قوات الحشد الشعبي وإيران في الحرب على داعش في العراق، والتي انتهت إلى حد كبير بسبب الدعم الجوي القوي للولايات المتحدة وقدراتها الاستخباراتية. وقد تكون القوات الأميركية الحالية المنتشرة في العراق أصبحت غير كافية للتعامل مع التهديد المتصاعد من قوات الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني إذا قررت طهران تصعيد الأنشطة ضد الولايات المتحدة.

في سوريا، عملت السياسة الأميركية القائمة على “عدم وجود أي قوات برية على الأرض” (No boots on the ground) بشكل جيد. وبعد تجربة قصيرة، لكن غير ناجحة، مع متمردي الجيش السوري الحر، قرر الجيش الأميركي استخدام المقاتلين الأكراد في هجمات برية ضد تنظيم داعش في شمال شرق سوريا؛ حيث تم نشر 2000 جندي أميركي فحسب لمهام التدريب ومساعدة المقاتلين الأكراد الذين يسيطرون الآن على الأراضي السورية شرق نهر الفرات، وبعض رجال القبائل العرب الذين يسيطرون على منطقة التنف على طول الحدود العراقية السورية الأردنية. وهكذا، لم تنجح الولايات المتحدة في هزيمة داعش فحسب، بل تمكّنت أيضاً من إحاطة الطريق السريع الرئيس بين العراق وسوريا الذي كانت إيران تستخدمه لإنشاء جسرها البري الذي يربط طهران بالبحر المتوسط. وكان هذا تطبيقاً رائعاً لمبدأ “اقتصاد القوة” لأنه حقق الهدف بحد أدنى من الموارد. ومع ذلك، فاجأ الرئيس ترامب، على الأقل، كافة زملائه في مجلس الأمن القومي، وخاصة الأعضاء العسكريين، بطلب لسحب القوات الأميركية من سوريا في أقرب وقت ممكن.

من جهتها، تعاونت روسيا بدورها مع إيران والنظام السوري لتمهيد الطريق أمام عودتها الكبيرة إلى منطقة الشرق الأوسط. ومع وجود عدد قليل من أسراب القوات الجوية، أنظمة الدفاع الجوي “أس-400” وعدة مئات من قوات العمليات الخاصة، تمكّنت موسكو من ترسيخ مكانتها كقوة رئيسة في سوريا بعد مساعدة النظام السوري والميليشيات المدعومة من إيران على استعادة مناطق واسعة من المتمرّدين السوريين وتنظيم داعش. حتى أن موسكو أحضرت حاملة طائراتها الوحيدة لبضعة أسابيع إلى الساحل السوري لإظهار قوتها التنبؤية وإثبات نفسها على المستوى الإقليمي.

  ترامب أبلغ أردوغان أن واشنطن لن تسلّم أكراد سوريا مزيداً من الأسلحة

هذا، وقد وقّعت روسيا معاهدات مع النظام السوري تمنحها تواجداً عسكرياً طويل الأمد في سوريا كما أنها تقود المحادثات مع إيران وتركيا لرسم خريطة لمستقبل سوريا، الأمر الذي سيؤثر بالتأكيد على مستقبل كافة الدول المتاخمة لسوريا وهي العراق، الأردن، لبنان وإسرائيل. لذا فإن اقتصاد القوة الذي استخدمه الروس في استراتيجيتهم الحربية في سوريا يبدو وكأنه مغمور تماماً بجدول أعمال الكرملين.

إن المسألة ليست في عدد حاملات الطائرات التي تمتلكها الدول أو مدى تقدم تكنولوجياتها العسكرية، بل بكيفية تخصيص الموارد والأصول لتحقيق استراتيجية حرب مع سياسة متسقة. لقد أثرت التغييرات المستمرة في السياسة في الإدارات الأميركية المتعاقبة – وفي حالة اليوم داخل إدارة واحدة – بشكل كبير على صورتها ومكانتها في العالم وكذلك على جيشها الذي شهد إنفاق الموارد وهدر الأرواح مع القليل من المكافآت. كما أن للسياسات الاستبدادية ذات الصلة بالانتشار العسكري الأميركي تأثيراً كبيراً – على المدى القصير والطويل – ويمكن أن تكون أضرارها متعذرة المعالجة.

واليوم، بعد أن انتهت الحرب على تنظيم داعش تقريباً – ماذا ستكون المهمة التالية للقوات الأميركية في العراق وسوريا؟ فإذا كان الهدف هو احتواء الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المتحالفة معها – كما دعا البيت الأبيض مراراً وتكراراً – فهل قوات الولايات المتحدة مجهزة جيداً وعلى الحجم التشغيلي المطلوب لهذه المهمة؟ وإذا كانت القوات الأميركية ستنسحب من العراق وسوريا اليوم، فهل تيقنت من عدم ترك مجال لداعش للعودة أو للحرس الثوري الإيراني للسيطرة بشكل كامل؟ كيف ستعمل الولايات المتحدة على ردع النظام السوري من استخدام المزيد من الأسلحة الكيماوية ضد السكان المدنيين إذا لم يكن لديها أصول منتشرة لمعاقبة النظام عندما يعبر الخط الأحمر؟ تبدو موسكو وطهران واضحتين فيما تريدانه في العراق وسوريا وهما تحققان أهدافهما بشكل جيد بالحد الأدنى من الموارد. لقد حان الوقت لواشنطن لاتخاذ قرار بشأن سياسة ثابتة ومتسقة تمكّن جيشها من تحقيق الغلبة من خلال الاستخدام الملائم لمبدأ “اقتصاد القوة”.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.