حكم الميليشيات في حروب الجيل الرابع في منطقة الشرق الأوسط: إتجاه خطير

رياض قهوجي – مدير عام مجلة الأمن والدفاع العربي

قوات الحكومة العراقية وأعضاء وحدات التعبئة الشعبية يرفعون أسلحتهم على الخط الأمامي خلال المعارك ‏مع جماعة الجهاد الإسلامية على الطريق المؤدي إلى الصقلاوية، شمال الفلوجة في محافظة الأنبار ‏العراقية في 4 آب/أغسطس 2015 (‏AFP‏)‏
قوات الحكومة العراقية وأعضاء وحدات التعبئة الشعبية يرفعون أسلحتهم على الخط الأمامي خلال المعارك ‏مع جماعة الجهاد الإسلامية على الطريق المؤدي إلى الصقلاوية، شمال الفلوجة في محافظة الأنبار ‏العراقية في 4 آب/أغسطس 2015 (‏AFP‏)‏

عدد المشاهدات: 956

أصبحت الميليشيات التي تشارك السلطة مع الحكومات المركزية الضعيفة ظاهرة متنامية في الشرق الأوسط، الأمر الذي ينذر باحتمالية انهيار هيكل الدولة المعاصرة في المنطقة وانتشار الفوضى عبر الحدود. وفي حين يتمتّع هذا الاتجاه الجديد بسمات مشتركة على العديد من المستويات، إن الأهم من ذلك هو الروابط القوية بين الميليشيات وبعض القوى الإقليمية، وخاصة إيران. يعتبر الحرس الثوري الإيراني (IRGC) المصدر الأساسي للتسليح والتمويل للجهات الفاعلة من مجموعات غير الحكومية التي رسخت نفسها بقوة كصانعة قرار في بلدانها مثل قوات الحشد الشعبي (PMF) في العراق، الحوثيون في اليمن، حزب الله في لبنان والعديد من الميليشيات الموالية للنظام في سوريا. وبالاضافة لتسلحها الجيد فان القوى الرئيسية مثل قوات الحشد الشعبي، الحوثيين وحزب الله يمتلكون أيضاً تمثيلاً سياسياً قوياً داخل دولهم على شكل أعضاء في البرلمان أو الحكومة.

إن الميليشيات، بحكم تعريفها، هي جماعات مسلحة تشارك في حروب التمرد ضد الحكومة المركزية أو ضد قوة أجنبية أو ميليشيات أخرى داخل دولة قد تكون تحت الاحتلال أو قد تكون دولة فاشلة أو على وشك أن تصبح كذلك. وغالباً ما يكون أعضاء الميليشيات، أيديولوجيين يشكلون مجموعة متطرفة قومية أو جماعة طائفية سعياً إلى إضعاف قوة احتلال أو الحكومة المركزية وإجبارها على التمسك بمطالبهم والامتثال لإيديولوجيتهم. كما أن الميليشيات بشكل عام لا تحترم قانون الدولة أو القوانين الدولية. وتخضع بعض البلدان لصراع داخلي على السلطة السياسية الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية. ولكن، هذه ليست القضية التي تُناقش في هذه المقالة، بل الأمر يتعلّق بالجهود المكثفة التي تبذلها قوة اقليمية لإنشاء مجموعات مسلحة غير حكومية في دول ذات سيادة بهدف السيطرة عليها. إن الميليشيات هي الأدوات المفضلة التي تستخدمها القوى الإقليمية أو العظمى في خوض حروب بالوكالة ضد بعضها البعض. وازدهر هذا النوع من الميليشيات خلال حقبة الحرب الباردة وفي فترات أخرى من الصراعات العالمية. أما اليوم، فقد حققت عودة قوية على نطاق غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط.

يمكن النظر إلى الوضع الحالي في الشرق الأوسط من قبل العلماء العسكريين بأنه حرب من الجيل الرابع، والتي يتم تعريفها ببساطة على أنها فقدان احتكار الحكومة المركزية لاستخدام القوة بسبب صعود تنظيم  مسلح غير حكومي. في الدول الحديثة، تتمتع الوكالات الأمنية والقوات المسلحة النظامية بالحق الحصري لاستخدام الأسلحة واللجوء إلى وسائل العنف لفرض القانون والنظام بالإضافة إلى الدفاع عن حدود البلاد. ومع ذلك، ففي بيئة حروب الجيل الرابع، غالباً ما تكون الميليشيات المسلحة أو الجهات غير الحكومية أدوات قوى أجنبية تسعى إلى فرض سيطرتها على دولة ما، وبالتالي تعزز النفوذ الإقليمي من خلال نهج غير مباشر وأقل تكلفة. وفي ظل هذا السيناريو، لا تحتاج القوى المعادية إلى إرسال قواتها النظامية لهزيمة الدولة الأخرى أو الاستيلاء عليها، بل ببساطة، تسلّح وتموّل مجموعات غير الحكومية في البلدان المستهدفة وتحثّها على القيام بعملها القذر. وقد خاضت إيران حرباً دامت ثماني سنوات ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي كلّفتها مئات الآلاف من الأرواح دون تحقيق أي انتصار؛ أما اليوم، فقد حقّقت قدراً كبيراً من التقدم في السيطرة على العراق عبر ميليشيات قوات الدفاع الشعبي دون التضحية بأي من قواتها. بالإضافة إلى ذلك، فإنه من خلال حزب الله والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في سوريا، تسيطر طهران افتراضيا أو بشكل غير مباشر على كافة الأراضي من حدودها الجنوبية الغربية حتى البحر الأبيض المتوسط.

من هنا، أصبحت الميليشيات اليوم تشكل عنصراً رئيساً في ما يسمى بحروب الجيل الرابع. وغالباً ما يهدف وجودها إلى إضعاف الحكومة المركزية ونشر الفوضى لتسهيل استحواذها العدائي على مؤسسات الدولة. هذا ويصبح الوضع أكثر تعقيداً عندما تكون هناك ميليشيات متعددة في دولة واحدة وكل ميليشيا تخدم قوة أجنبية مختلفة، وهو ما يحدث اليوم في دول مثل سوريا وليبيا. وتدعم القوى الإقليمية والعالمية الفصائل المتحاربة في هاتين الدولتين التي أصبحتا موبوئتان بجماعات إرهابية راديكالية بينما لا تزال عملية الوساطة للتوصل إلى تسوية سياسية لإعادة تأسيس حكومة مركزية قوية تواجه طريقا مسدود.

إن إحدى الظواهر التي تهدّد الاستقرار العالمي والقانون الدولي هي أن بعض هذه الميليشيات اكتسبت اعترافا رسميا بها من أعضاء المجتمع الدولي التي تعاملها على أنها كيانات شرعية. إن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في العراق وحتى أواخر عام 2016، تعاون مع قوات الحشد الشعبي وقدم لها الدعم الجوي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وتعمل روسيا بشكل وثيق مع حزب الله والميليشيات الشيعية الموالية لإيران في سوريا لإسقاط قوات المتمردين وإنقاذ النظام هناك. إن القيادة السياسية لحزب الله معترف بها من قبل الاتحاد الأوروبي وروسيا، وهناك خطوط اتصالات رسمية بين القوتين مع مسؤولي حزب الله، على الرغم من أن الفرع العسكري للحزب هو جزء لا يتجزأ من قيادتها السياسية. وتصنف الولايات المتحدة وبعض دول الخليج العربي حزب الله على أنه تنظيم ارهابي.

إذاً، فإن قوات الحشد الشعبي وحزب الله يُعاملان ككيانات شرعية تتعايش مع الأجهزة الأمنية للدولة والقوات المسلحة. لقد أقامت المجموعات غير الحكومية مؤسسات متوازية مع الدولة التي تتعامل مع الخدمات الاجتماعية والشؤون الدينية والتعليم والاتصالات ووسائل الإعلام. ونتيجة لذلك، أصبحت دول مثل لبنان والعراق مسرحا للنزاعات السياسية في كافة الأوقات، وغالباً ما تكون أعمال وقرارات قياداتها السياسية موضع شك من قبل المجتمع الدولي. إن جعل هذا الوضع غير الطبيعي أمراً طبيعياً وشرعيا شجع القوى الإقليمية على خلق المزيد من الميليشيات، والظاهرة آخذة في الانتشار.

إن وجود ميليشيا في بلدان متعددة الأعراق أو متعددة الطوائف سيزيد من احتمال نشوب حرب أهلية، لأنه عندما تمتلك إحدى الأطراف غير الحكومية أسلحة، فإن مجتمعات أخرى في البلاد ستشعر بتهديد وجودي وتسعى لاحقاً إلى إيجاد طرق لتشكيل ميليشياتها المسلحة لحماية أنفسها. وسيؤدي هذا في نهاية المطاف إلى حرب أهلية كما هو الحال في ليبيا وبلدان أخرى في المنطقة. علاوة على ذلك، أثبتت المناطق غير الخاضعة للحكم والدول الهشة أنها جذابة للغاية للجماعات المتطرفة مثل القاعدة وداعش لترسيخ وجودها ونشر الإرهاب في كافة أنحاء العالم. وهذا واضح اليوم في أماكن مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا.

وحتى لو لم يكن سكان بلد ما ينتمون الى مجتمعات متعددة الأعراق أو الطوائف، فلا يمكن للميليشيات التعايش السلمي الدائم مع الدولة لأنها ستتنافس دائماً مع الحكومة المركزية لاحتكار استخدام القوة وصياغة السياسة الخارجية بالإضافة إلى إدارة مؤسسات الدولة. يمكن تأجيل الصراع بين الجانبين ولكن لا يمكن تجنّبه. إنها مسألة وقت قبل أن تمر البلاد بانهيار تدريجي لمؤسساتها مما يؤدي إلى حرب أهلية واحتمال تفسخ الدولة الى دويلات.

من هنا، يجب على القوى العالمية التركيز على إنعاش وتقوية الحكومات المركزية في منطقة الشرق الأوسط، وعدم منح أي شرعية للميليشيات المرتبطة بالقوى الأجنبية. علاوة على ذلك، يجب على المجتمع الدولي وضع قواعد صارمة جديدة فيما يتعلّق بالمجموعات غير الحكومية المسلحة والممولة من قبل قوة أجنبية للسيطرة على دولة معترف بها دولياً وهي عضو في الأمم المتحدة. يعتبر هذا الفعل بمثابة غزو أجنبي لدولة ذات سيادة ويجب التعامل معها على هذا النحو من قبل المجتمع الدولي.

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.