العلاقات الروسية الإيرانية في حالة اختبار مع اكتساب موسكو الدعم الأميركي لدورها في سوريا ‏

رياض قهوجي – مدير عام مجلة الأمن والدفاع العربي

لقاء روسي-إيراني في موسكو بحضور وزيري دفاع البلدين (صورة أرشيفية)
لقاء روسي-إيراني في موسكو بحضور وزيري دفاع البلدين (صورة أرشيفية)

عدد المشاهدات: 590

إن الجهود الروسية المستمرة لإنهاء الحرب السورية المستدامة منذ سبع سنوات لا تتمتع إلا بفرصة ضئيلة للنجاح بسبب عوامل عدة، تتعلق معظمها بالدور الإيراني المتزايد في المنطقة، تصاعد شعور اسرائيل بالتهديد (من ايران) والطبيعة المعقدة للمشهد المحلي السوري التي تُطيل أمد محادثات السلام (السورية) وتُفاقم مشكلة حوالي 9 ملايين نازح سوري.

وبعد قمة استمرت ساعتين مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هلسنكي، أصبح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الآن الوسيط الرئيس الذي ينهض بإنهاء هذا النزاع هناك. لكن دبلوماسية روسيا وشأنها العسكري يعملان في بيئة متقلبة سريعة التطور، حيث تحدث أمور كثيرة في خلفية ومقدمة المسرح السوري، أبرزها:

  • تشن إسرائيل هجمات أسبوعية تقريباً على مواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا وتحذر من هجوم واسع النطاق لإبعاد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية من حدودها الشمالية.
  • تنامي شعور ايران بالتهديد الأميركي قد وصل أوجه نتيجة تبادل خطابات التهديد الساخنة مع الرئيس ترامب الذي ألغى الاتفاق النووي مع إيران ويوشك على فرض عقوبات صارمة على صادرات ايران من النفط والغاز.
  • يستعد النظام السوري، بدعم من القوة الجوية الروسية، لهجوم كبير لاستعادة المعاقل الأخيرة للمعارضة السورية في الجزء الشمالي من البلاد على طول الحدود مع تركيا. وقد حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النظام السوري من مهاجمة إدلب، في حين تطالب أنقرة بأن توضع محافظتي حلب وإدلب تحت إشرافها وقد أرسلت بالفعل قوات إلى هناك.
  • يعاني ملايين النازحين السوريين من عدم امتلاكهم لمساكن للعودة إليها بسبب الدمار واسع النطاق الذي تسببت به الحرب في معظم المدن والبلدات الرئيسة في البلاد، وخاصة في الأحياء ذات الأغلبية السنية. وقد أعلن المجتمع الدولي – وبالتحديد القوى الغربية – أنهم لن يقدموا الأموال لإعادة إعمار سوريا الا عندما يتم التوصل إلى تسوية سياسية نهائية للصراع هناك.
  • لا تزال المحادثات السياسية بين الفصائل السورية المتحاربة بعيدة عن الانتهاء رغم عشر جولات من المحادثات والضغط القوي من مختلف اللاعبين الدوليين.
  • لا يزال مسلحون إرهابيون تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) نشطين في سوريا على الرغم من طردهم من معظم الأراضي التي احتلوها في السابق في البلاد. وقد منح النظام السوري منذ عدة أسابيع مقاتلي داعش المتبقين حول دمشق ممرًا آمنًا إلى المناطق الصحراوية الجنوبية الشرقية من البلاد، مما مكّنهم من مضايقة وضرب محافظة السويداء ذات الأغلبية السكانية الدرزية. هذا ولم ينضم المجتمع الدرزي السوري إلى صفوف الثوار والمتمردين، لكنه رفض السماح للنظام بتجنيد شبانهم في الجيش لمحاربة قوى المعارضة. ويعتقد بعض القادة الدروز أن النظام قد أرسل داعش في اتجاههم للضغط عليهم من أجل تجنيد رجالهم داخل قواتها النظامية والميليشيات. ويعاني النظام السوري من نقص حاد في القوى البشرية داخل الجيش ويعتمد بشكل كبير على الميليشيات الشيعية التي تزودها إيران وضباط الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله في مواجهته مع المتمردين. لكن روسيا ترغب في إنهاء اعتماد النظام على الميليشيات المدعومة من إيران كخطوة أولى لإخراج إيران من سوريا.
  • تستمر الحرب الباردة بين إيران وبعض الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية بقوة في المسارح اليمنية والعراقية واللبنانية. ويشهد كل من العراق ولبنان أزمة سياسية بسبب عدم قدرة الأحزاب السياسية فيهما على تشكيل حكومات هناك. في غضون ذلك، تدفع القوات التي تقودها السعودية المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران على جبهات مختلفة من أجل السيطرة على البلاد.
  قادة أميركيون: البحرية الإيرانية تهدد الملاحة الدولية في الخليج

يبدو أن قمة هلسنكي قد حصلت على دعم إدارة ترامب لخطط بوتين في سوريا. وقد جاءت العلامات الأولى على ذلك من خلال الزيارة التي قامت بها القيادة السياسية للحزب الديمقراطي الكردستاني المتحالفة مع الولايات المتحدة والتي تسيطر على الجزء الشمالي الشرقي من البلاد. هذا ويتمركز حوالي 2000 جندي من القوات الخاصة الأميركية هناك لمساعدة وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) في مراقبة المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات (ما يقارب 30٪ من الأراضي السورية) والحفاظ عليها من هجمات داعش.

بالإضافة إلى ذلك، تم تشكيل لجان مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة لتسهيل عودة ما يقارب الـ3 ملايين لاجئ سوري في الأردن ولبنان. لكن عملية إعادة النازحين هذه تتطلب مليارات الدولارات لإيوائهم وخلق فرص عمل؛ والأهم من ذلك كله الحفاظ على سلامتهم وأمنهم من الأعمال الإنتقامية من جانب مسلحين من النظام السوري.

كما كشفت قمة هلسنكي أن سلامة إسرائيل ستكون أولوية في أي اتفاق يتم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وروسيا. وكان هذا جلياً في المؤتمر الصحفي المشترك الذي أعقبه، حيث أكد الزعيمان على أمن إسرائيل وحماية مصالحها. لكن إقناع إيران بالإنسحاب ببساطة من سوريا بعد كل ما استثمرته طهران مالياً وسياسياً وعسكرياً (من خلال آلاف عناصر الحرس الثوري الإيراني والمسلحين الشيعة الذين قُتلوا أو جُرحوا) لن يكون أمراً سهلاً على الإطلاق. ويتساءل العديد من المراقبين عما إذا كانت روسيا لديها القدرة على الضغط على إيران للانسحاب أو حتى الرغبة في القيام بذلك، مع العلم مسبقاً بضرورة وجود قوة بشرية كافية لمساعدة النظام ابقاء سيطرته على البلاد.

قد تأمل روسيا بأن تمكن العودة السريعة لملايين اللاجئين السوريين النظام بالحصول على مجندين لقواته العسكرية وتنهي اعتماده على القوة البشرية التي تزودها إيران. لكن هل سيكون الرجال السنة السوريون الذين يعودون مع اللاجئين مستعدين للانضمام إلى قوات النظام بعد كل ما حدث من إراقة الدماء وعمليات القتل الطائفية؟ وهل سيكون الإسرائيليون راغبين في الانتظار إلى أجل غير مسمى حتى يتمكن الروس من إقناع الإيرانيين بالمغادرة بينما يشاهدون الحرس الثوري الإيراني يبني حالياً ترسانته من الصواريخ والأسلحة المتقدمة في سوريا؟

  الحرس الثوري الإيراني يكشف عن 10 قاذفات جديدة

من الواضح أن الإسرائيليين يفقدون صبرهم بسبب تعزيز إيران لوجودها داخل سوريا. ولقد فشل وفد روسي بقيادة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف – الذي زار إسرائيل بعد قمة هلسنكي – في إقناع الحكومة الإسرائيلية بقبول وجود عسكري إيراني على بعد 100 كيلومتر من حدودها الشمالية مع سوريا. لذا، يبدو أن روسيا الآن تمنح إسرائيل اليد الحرة لضرب أي هدف إيراني في سوريا تعتبره تهديدًا. ومع ذلك، فإن إسرائيل تراقب بفارغ الصبر ما إذا كان الحرس الثوري الإيراني أو ميليشياته المتحالفة سوف يتسللون إلى خطوط النظام السوري المنتشرة على طول حدودها متنكرين في شكل قوات نظامية سورية. سيكون من الصعب جداً على الروس منع هذا التسلل وكشف ما إذا كان ما يسمى بالقوات النظامية السورية في مرتفعات الجولان ليسوا في الواقع ميليشيات شيعية إيرانية. علاوة على ذلك، فبعد أن أنشأت إيران ممراً برياً يربط حدودها الغربية بالساحل السوري، سيكون من الصعب جداً رؤيتها تتخلى عنه دون قتال. لذا، فإنها مسألة وقت قبل اندلاع الاشتباك الإسرائيلي – الإيراني في سوريا.

إن ما يسمّى بـ”صفقة القرن” التي أطلقها ترامب لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي قد تشهد فرصة في سيناريو تنجح فيه روسيا في إخراج إيران من سوريا وتؤكد على أن يبقى الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة ضمن عملية سياسية لإنهاء الصراع السوري. لم يعلن ترامب بعد تفاصيل خطته للسلام في الشرق الأوسط، لكن خطوته الأولى في نقل السفارة الأميركية إلى القدس جردته من الدعم المتوقع من حلفائه العرب، خاصة المملكة العربية السعودية. وتريد إسرائيل الاحتفاظ بمرتفعات الجولان التي احتلتها من سوريا في حرب 1967 وضمتها لاحقاً. لقد أشارت الحكومة الإسرائيلية بالفعل إلى أنها تفضل بقاء الأسد في السلطة في سوريا، وإذا ما قطع الروس صلات النظام مع طهران، فمن المرجح أن تكون القيادة السورية الضعيفة منفتحة لاتفاق سلام تحتفظ إسرائيل فيه بالسيطرة على الهضبة الاستراتيجية. هذا سيخلق واقعاً جديداً بالكامل في منطقة الشرق الأوسط، ويعزز فرص السلام ويعزل إيران إقليمياً بالكامل. ولكن مرة أخرى، لدى إيران حزب الله في لبنان وآلاف الميليشيات في سوريا وهي تموّل جماعات فلسطينية رئيسة مسلحة في قطاع غزة، ومن المرجح أن تلجأ إلى كل هؤلاء اللاعبين لإجهاض الجهود لإخراجها من سوريا أو إستئناف محادثات السلام السورية الإسرائيلية.

  مسؤول إيراني: أميركا لن تستطيع الإطّلاع على قدراتنا العسكرية إلّا بعد أن يكون قد فاتها الاوان

لم تحقق المحادثات بين الفصائل السورية المتحاربة تحت رعاية الأمم المتحدة  وروسيا أي تقدم ملموس. وفي الوقت الذي يدفع فيه الروس والأميركيون من أجل نظام فيدرالي أو لامركزي جديد، يريد النظام وإيران الحفاظ على النظام المركزي والاكتفاء بخطوات محدودة لتقاسم السلطة مع المعارضة. يبدو أن الأسد وطهران عازمان على مواصلة الهجوم العسكري لاستعادة كافة الأراضي السورية وفرض نسختهما من الحل السياسي. ومع ذلك، فإن الاستيلاء على الأراضي المتبقية خارج سيطرة النظام سيكون مهمة صعبة للغاية. وقد حذر القادة الأتراك بالفعل من أي هجمات على إدلب، حيث يعملون على دعم مواقعهم في المناطق الخاضعة لسيطرتهم المباشرة أو غير المباشرة، في حين تتمتع المناطق الكردية بحماية الولايات المتحدة.

لذلك، يبدو الروس على خلاف مع إيران والنظام حول مستقبل سوريا. إن النظام السوري دكتاتوري وجامد للغاية ومذهبي، وأي تغييرات كبرى – مثل اللامركزية – ستعني في النهاية تغيير الوضع الراهن وفقدان احتكار الأقلية العلوية للسلطة في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، ستعني اللامركزية أو الفدرالية أن أجزاء كثيرة من البلاد لن ترحب بالنفوذ الإيراني. من هنا، مهما كانت خريطة الطريق أو الخطة الموضوعة في هلسنكي، فإن موسكو ستخوض جولة صعبة للغاية وقد تضطر إلى اتخاذ بعض القرارات الصعبة بشأن شكل تحالفاتها وخططها في سوريا والمنطقة.

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.