دور الجيش الكويتي في حرب حزيران/يونيو 1967 (3)‏

د. ظافر محمد العجمي

طائرة هليكوبتر عسكرية كويتية تشارك في مناورة عسكرية للذخيرة الحية في منطقة الاديرع العسكرية، على ‏بعد 140 كلم شمال مدينة الكويت، في 17 كانون الثاني/يناير 2017 (‏AFP‏)‏
طائرة هليكوبتر عسكرية كويتية تشارك في مناورة عسكرية للذخيرة الحية في منطقة الاديرع العسكرية، على ‏بعد 140 كلم شمال مدينة الكويت، في 17 كانون الثاني/يناير 2017 (‏AFP‏)‏

عدد المشاهدات: 604

20 دقيقة لوضع خطة الانسحاب

إنه من المحزن أن تضم الموسوعات العسكرية حرب حزيران 67 كمثال على واحدة من أسوأ عمليات الانسحاب في الحروب، بل أن الأسوأ من ذلك أن الخسائر المصرية كافة في يوم القتال الأول كانت 294 شهيدا فقط، ولم تنته الحرب بعد قرار الانسحاب الذي تحول الى مطاردة اسرائيلية للجنود العرب العزل إلا وقد صار العدد 6811 شهيداً. وحتى لا ننقاد مع نتائج الأحكام التي صارت جزءاً من أدبيات حرب 1967، والتي أدانت الجندي العربي بسبب الانسحاب نذكر أن موقف القوات المصرية لم يكن هزيمة مطلقة، فقد صمدت الفرقة الثانية حتى يوم 7 يونيو في «القسيمة»، بل أن اللواء المدرع الأول المصري في الكونتيلا قد صد لواء ميكانيكيا اسرائيلياً، ثم حول عملية الصد إلى هجوم معاكس ثم إلى مطاردة إلى داخل حدود اسرائيل.

في اليوم الثاني من الحرب سقطت العريش، وانفتح المحور الشمالي أمام القوات الإسرائيلية المدرعة. وراح الطيران الإسرائيلي في تثبيت الوحدات المدرعة المصرية في الممرات الجبلية، وفي استخدام ناجح للحرب النفسية. أذاعت اسرائيل مساء اليوم نفسه أن عناصر قواتها وصلت إلى قناة السويس مما أصاب جنود الجيش المصري بالذعر.

انهارت الفرقة السابعة المصرية برجالها ودبباتها ودروعها ومدفعيتها ففقد لواء اليرموك الكويتي الظل الذي كان يركن اليه في شمس حزيران الملتهبة، وقررت القوة الكويتية الانسحاب من العريش الى البحر وفي الشاليهات وزع فهد الأحمد الحراسات وطلب عشرة عسكريين لا يدخنون أخذهم معه للبحث عن قائد القوة في سيناء العقيد عبدالله فراج الغانم ومجموعته التي لم يظهر لهم اثر بعد الهجوم الاسرائيلي على العريش. وفي مساء اليوم الثاني كان لابد من الانسحاب غربا حيث اصدر الجنرال الاسرائيلي «تال» أوامره بالهجوم الرئيسي عن طريق الساحل بقيادة العقيد جراتيت يسرائيل الذي نجح بالالتفاف حول العريش ثم احتلالها.

كان على القوة الكويتية الانسحاب مرة اخرى واخذ طريق العريش – القنطرة المعبد كدليل للمسير، ولعمل ذلك اخذ فهد الأحمد أربعة جنود للاستطلاع قبل المسير العام، وكانت الكتيبة بعد ذلك تسير على الطريق المعبد في الليل وتبتعد عنه في النهار. كما كانوا يفككون الأسلحة في النهار حتى يخف وزنها ويتسنى حملها موزعة بين الرجال الذين أرهقهم التعب والجوع. وقد كان عدد أفراد بعض المجموعات التي تفرقت بعد الهجوم على العريش يبلغ 92 عسكريا والأخرى 50 عسكريا والبعض الآخر 18 عسكريا. بل ان الغريب في الأمر كان في كثرة تفرق المجموعة ثم الاجتماع مرة أخرى نتيجة صدفة بحته، فقد صعد الملازم ضاحي حمد احد الكثبان الرملية وشاهد في أسفله جنودا لم يعلم ان كانوا عربا أم اسرائيليين، ثم سقط من شدة الاجهاد والعطش وتدحرج فاقدا الوعي ليستيقظ بين يدي رفاقه الكويتيين الذين افترق عنهم قبل عدة أيام.

  نائب كويتي: دبابة تي-90 الروسية ذات عيوب كبيرة وتشكل خطراً على الجنود

كانت عبارات الحماس والتشجيع تتردد أثناء المسير الطويل للتخفف من الجوع والخوف والارهاق. وقد سارت المجموعة الى قرية بئر العبد ثم قرية رمانة وبعد منتصف ليل اليوم الثالث ظهرت كتل كبيرة داكنة وأصوات خافتة اتضح بعدها عن المجموعة الكويتية التي يبلغ عدد أفرادها 50 عسكريا أنهم قد دخلوا أطراف «قرية بئر المزار» التي تعد من المحطات المهمة حيث وجدت القوة الكويتية حامية عسكرية مصرية في القرية، ورحبوا بهم في استقبال عاطفي حار عندما علموا أنهم كويتيون فلم يكن على الجبهة آنذاك الا المصريون والكويتيون فقط، وقد قدموا لهم الطعام المتوافر الذي لم يتعد شوربة عدس وبسكويت. كان رجال المجموعة الكويتية يمنون النفس بالراحة بعد التعب والشقاء، لكن أعينهم لم تغمض طويلا، فمع صوت مؤذن القرية لصلاة فجر يوم 7 يونيو 67 انطلقت أصوات قذائف قوة اسرائيلية قامت بالهجوم على القرية، فتفرقت الكتيبة قسرا الى مجموعات.

كان الارهاق والخوف الجوع والعطش يحوم فوق رؤوس المجموعات المتفرقة على حد سواء، وبعد خروج احداها من قرية المزار وعلى اطراف قرية في سيناء وجد أفراد القوة الكويتية بيتا مهجورا وأخذوا منه (قلة) تمر وزعوها بينهم، كما وجد أفراد مجموعة أخرى مزرعة لتربية الدواجن قاموا فيها بذبح عدد من الدجاج واكله على عجل. أما احدى المجموعات فقد سارت دون نوم أو طعام حتى قابلت بعض البدو الذين باعوا لهم خروفا واحدا تقاسمه الرجال البالغ عددهم في تلك المجموعة 92 عسكريا.ثم وصلت المجموعة نفسها الى قرية بنيت منازلها من سعف النخيل، حيث أمر عمدة القرية بتزويدهم بكيس واحد من الطحين وبعض الطعام خلال الأيام الأربعة عشر يوما التي قضوها في هذه القرية. وبعد يوم من السير في شمس يونيو الحارقة وصلت مجموعة كويتية أخرى خرجت من المزار في تلك الليلة الى بئر ذات مياه مالحة، لكن ذلك لم يمنع الأفراد من شربه بل والتزود به، ثم معاودة السير لتسلق الكثبان الرملية المرهقة. ثم وصلت المجموعة نفسها بعد أيام الى مزرعة بها بئر ماء وعليها بدوي يسقي جمله، حيث تكفل بايصالهم الى قناة السويس، وسارت المجموعة بعد ان تزودت بالماء في قرب على ظهر الجمل، وفي صباح اليوم الثالث، بعد ليلة مرهقة أفاق رجال المجموعة دون ان يجدوا للبدوي أو جمله أو قرب الماء أي أثر، لكنهم وجدوا سكة القطار فتتبعوها متجهين الى الغرب.

كما وصلت مجموعة أخرى الى احدى الواحات وهناك كلف العمدة ابنه ليرشد المجموعة الى الطريق، وسارت المجموعة مع ابن العمدة بعد التزود بالماء والزاد القليل، وفي احدى الليالي وصلت المجموعة الى الطريق المعبد، لكنه كان كسيل من الأنوار لاينقطع من كثرة الآليات العسكرية الاسرائيلية، ولم يكن من السهل اجتيازه بمجموعة يصل عددها الى 92 رجلا، وكان لابد من ممارسة اقسى أشكال المهارات العسكرية وهي الزحف والركض لمسافة سبعة كيلومترات دون توقف حال انقطاع الرتل الاسرائيلي لفترة وجيزة. ثم أشار ابن العمدة بعد هذا الموقف الصعب الى ضوء مصباح بعيد قائلا ان ذلك هو مرسى قارب سينقلكم الى الضفة الغربية من قناة السويس، وكان على الرجال للوصول الى ذلك النور الضعيف ان يسيروا من التاسعة مساء الى الخامسة من فجر اليوم الثاني.

  الجيش الكويتي ينفّذ تمرين "البيرق 6"

كما قام النقيب عبد الوهاب المزين والجندي محمد حسين بعبور القناة سباحة من الشرق للغرب، وقد كلفهم امر لواء اليرموك العميد صالح المحمد الصباح بالسباحة مرة أخرى الى الشرق والعودة الى سيناء لابلاغ من يجدونه من بقية أفراد القوة بالتوجه شمالا حيث تنتظرهم المراكب في بحيرة البردويل، وتم منحهم مكافأة على هذا العمل الجريء. حيث عبرت المجموعات الكويتية من بحيرة البردويل الى بور سعيد بواسطة أربع سفن تم اركاب الجنود فيها أولا ثم الضباط.

موقف القيادة الخلفية

على الخطوط الخلفية في مطار فايد كان قائد لواء اليرموك العميد صالح المحمد الصباح في صبيحة يوم 5 يونيو حزيران لايزال يجهز بقية اللواء للالتحاق برفاقهم الذين سبقوهم، وكان شعورهم في حينها هو الامتعاض من رفاق السلاح المصريين الذين يقومون بمناورات جوية بالذخيرة الحية دون ابلاغ رفاقهم على الجبهة. لكن ذلك الشعور تبدد بعد أقل من ساعة حين أغارت عليهم وهم يسيرون طائرة أمريكية من نوع سكاي هوك تحمل العلم الاسرائيلي وأطلقت عليهم وابل من نيران رشاشها، مما جعلهم يصدرون الأوامر بحفر الخنادق وأخذ المواقع الدفاعية فقد بدأت جولة أخرى من الصراع العربي الاسرائيلي. وبالفعل تعرضوا الى 12 غارة جوية اسرائيلية في ذلك النهار. من جانب آخر أنطلق المقدم محمد عبدالعزيز البدر لتفقد قطار الشحن الثاني الذي غادر وهو يحمل المدافع والآليات، وكان قد عبر جسر الفردان الذي تم قصفه أثناء عبور القطار لكن الأسلحة سلمت من الدمار وتم انزالها ونشرها بين الأشجار. أرادت القيادة السياسية والعسكرية على أعلى المستويات معرفة مصير لواء اليرموك، ولتبديد الحيرة تم في اليوم الثاني من الحرب تجهيز عربات نقل محملة بالذخيرة والمواد الغذائية لاسناد القوة المعزولة في مكان ما قرب العريش. وسارت قافلة الانقاذ الكويتية من فايد الى القنطرة شرق، وفي الساعة الحادية عشرة مساء تم ايقاف الرتل من قبل ضباط مصريين نجحوا في اقناع القوة بالتوقف والعودة من حيث أتت، الا أنهم كانوا بصدد تنفيذ عملية انتحارية طرفيها شاحنات كويتية ضد فرقة مدرعة اسرائيلية. ولم يتعدى أسلوب اقناع المصريين أكثر من الطلب من قائد القوة ان يضع أذنه على الاسفلت ليسمع صوت جنازير الدبابات الاسرائيلية وهي مقبلة. ولم يبدد حالة القلق ألا وصول الملازم فيصل الخترش مرسلا من العقيد عبدالله فراج حيث أبلغهم بسلامة القوة وبخطة العقيد بالانسحاب.

  دور الجيش الكويتي في حرب حزيران/يونيو 1967 (2)‏

استراحة المحارب في «دهشور»

نزلت القوة الكويتية التي حملتها المراكب من بحيرة البردويل في بور سعيد وهناك استقبلهم الضباط المصريون بحرارة وحيوهم على تحمل عناء القتال والضياع معهم، حيث تم نقلهم الى احد المباني الحكومية وهم في حالة يرثى لها من جراء المسير الطويل. وقد احتاجوا الى ثلاثة أيام من الراحة وزعت عليهم خلالها الملابس والأطعمة والأدوية، ثم تم نقلهم الى نقطة تجمع القوات الكويتية الجديد. وقد تم تخصيص موقع للقوة الكويتية في دهشور بالقرب من القاهرة، وهناك استقبل العائدون الشيخ العميد صالح الصباح الذي بادرهم بالقول «أنا أتحمل المسؤولية عما حدث لنا جميعا»، وقد حيا سرية المغاوير التي يقودها النقيب علي دهيمان الشمري فقد تماسكت السرية ولم تتعرض الى التشرذم خلال عبور سيناء وعاد أفرادها سالمين بسلاحهم. كما تمت مكافأة النقيب عبد الوهاب المزين والجندي محمد حسين على شجاعتهم كما اشرنا الى ذلك سابقا. وبعد اعادة تنظيمها رجعت القوة بعد شهر واحد الى الجبهة وأخذت مواقع لها في جزيرة الفرسان وبحيرة التمساح حيث خاضت معارك حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973م. لقد كان هناك قصور في تقدير الأولويات فقد زجت الكويت بخيرة أبنائها وبما يصل الى ثلث الجيش الكويتي بسلاحهم الى الجبهة المصرية بدواعي الأمن العربي المشترك على الرغم من قلة الامكانات العسكرية الكويتية، حيث تجاوزت الكويت بقرارات عاطفية تشوبها الرمزية درس أزمة عبد الكريم قاسم التي لم يمض عليها 6 سنوات، وتركت الكويت بلدا مكشوفا أمام العراق، فما كان من نظام البعث ألا الانقضاض على الكويت بعد 6 سنوات في حادثة الصامتة 1973، في حين كان جيشنا مرابط على الجبهة المصرية بلواء اليرموك، وعلى الجبهة السورية أيضا بقوة الجهراء.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.