التداعيات العسكرية لإنهيار إتفاق الملف النووي على الخليج (1)

د. ظافر ‏محمد العجمي

عدد المشاهدات: 752

ليس هناك نظام في العالم على ألفه بمصطلحات الحصار والمقاطعة الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية، والهجوم العسكري مثل نظام طهران؛ وربما يعود ذلك إلى صورة النظام التي شكلتها أهدافه الموضوعة منذ 1979 في أربع مراحل “إعلان الثورة”، “تثبيت الثورة”، “تصدير الثورة” ومن ثم المرحلة الرابعة وهي “إعلان الدولة الإسلامية” التي ستكون طهران محورها. وعليه فإن الإجراءات الأمريكية الجديدة كما تعتقد طهران ستكون مصدر إزعاج فحسب وقد تعطل جزء من مرحلة من مراحل الثورة الأربع لكن ليس المشروع الثوري كله، حيث يعتقد الإيرانيون بتمتعهم بخبرة كبيرة في التعامل مع العقوبات وأصبحوا ماهرين في إيجاد حلولٍ جديدة للخروج من العزلة الدبلوماسية والاقتصادية والتكيف مع التهديد بالحرب.

لكن ما هي تداعيات انهيار اتفاق الملف النووي عليهم واحتمالات التصعيد والسيناريو المتوقع وتأثيره على دول مجلس التعاون الخليجي؟

أشكال الصراع المتوقع

في تقديرنا، إن الانسحاب الأميركي من الاتفاق قد يعجل بمواجهة بين وطهران وواشنطن مباشرة وغير مباشرة عبر استهداف الحرس الثوري ككيان عسكري واقتصادي وسياسي وعبر الساحات التي يمتد فيها خصوصاً في الجبهة السورية، حيث تأتي سوريا في صدارة الدول المرشحة لأن تشهد تداعيات قرار الإنسحاب وتحولها لجبهة صدام غير مباشرة مع الأميركان لكن بين إسرائيل وإيران.

1- الحرس الثوري وخليط غير ناضج من التصاريح

فجأة، بدأت الحرب الكلامية وكأنها الحدود القصوى للتحرك خارج دائرة العقوبات الاقتصادية الأميركية؛ فقد صرحت واشنطن أنها لا تستبعد استخدام القوة ضد إيران وقد جاء هذا بعد أن مهدت طهران لذلك بانهمار جلاميد لغوية للصدام حين قالت عن نيتها إنشاء المزيد من أجهزة الطرد المركزي، مما يعني في مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية وعند أهل البيت الأبيض الإنتقال إلى برنامج أسلحة نووية. اللافت للنظر هو التهديد بضرب إيران بطريقة مربكة. فقد قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن حاولت طهران حيازة أسلحة نووية ستواجه “حنق العالم كله”. فما درجة الحنق! و ما شكله! وهل هناك تنسيق دولي! أو على الأقل غربي بين أميركا وأوروبا! أم أنه تنسيق بين واشنطن ودول الخليج بحكم أنها المتضرر الأول من الطموح النووي الإيراني! هذا التهديد زاد حجم الإرباك فيه حينما أكمل الدبلوماسي الأميركي الأول قائلاً “عندما أقول الحنق فلا تخلط ذلك بالعمل العسكري. عندما أقول الحنق فأنا أقصد العار الأدبي والقوة الاقتصادية التي تسقط عليهم، هذا ما أتحدث عنه، لا أتحدث عن العمل العسكري هنا”. فأربك بومبيو أصدقاء أميركا أكثر من طهران.

  الأسلحة "الذكية" الجديدة التي هدّد بها ترامب لضرب سوريا: ما هي؟

وفي تقديرنا إن ما رشح حتى الآن مما سيجري تجاه إيران هو خليط غير ناضج من عناصر حرب إعلامية تمهيدية متباعدة، وكما هو معروف لا يصنع الإعلام سياسات الدول؛ وإن كان يمهد لها، بل تصنعه مصالح الدول بالدرجة الأولى إذا كانت بيد رجال دولة محنكين. ولعلّ مجرى التصعيد سيصب كما يبدو في شرايين الحرس الثوري الايراني أو الأطراف الإيرانية في سوريا ولبنان. ويقوي هذا الإعتقاد الهلع الذي رافق تحركات قادته مؤخراً. وفيما يتعلق بإيران كان ترامب مقاوماً في شكل غير عادي أمام السذاجة والتفاؤل الخاطئ الذي كان ميزة العديد من قرارات سلفه أوباما،، حيث سبق أن وصف الرئيس دونالد ترامب، الحرس الثوري بأنه “ميليشيا وقوة إرهابية فاسدة”، ثم فرض عليه عقوبات اقتصادية. لأنه كما قال “جيش عدائي يسرق الشعب الإيراني لتمويل الإرهاب في الخارج”. وهو بحق يسرق قوت الشعب منذ ان تأسس عام 1979 للدفاع عن النظام الإسلامي في إيران، كقوة عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة في البلاد. حيث ستستهدف العقوبات بشكل خاص ذراع عملياتها في الخارج “فيلق القدس”. كما أدرجت وزارة الخزانة الأميركية خمس شخصيات إيرانية على قائمة العقوبات الخاصة بها، على علاقة بالحرس الثوري الإيراني وجميعهم يعملون في “الحرس الثوري” الإيراني، ومتورطين في “تطوير القوة الصاروخية لإيران”. كما أن هذا الهلع  جعل الميجر جنرال محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني يصرح إن إيران لا تعتزم في الوقت الراهن زيادة مدى صواريخها، مشيراً إلى أن المدى الحالي وهو 2000 كيلومتر كاف لحماية الجمهورية الإسلامية مضيفاً أن معظم أهداف الأعداء الاستراتيجية تقع بالفعل ضمن مدى 2000 كيلومتر. هذا المدى كاف لحماية الجمهورية الإسلامية الإيرانية و،في ماسبق رسائل لتحقيق أهداف عدة أهمها:

-تهيئة الشعب الإيراني والقوى المرتبطة بالحرس الثوري في الخارج كحزب الله والحوثيين والحشد الشعبي من أن الظروف تتطلب الإنحناء للعاصفة. كما أن الظروف قد تلزم الحرس الثوري بالتنازل عن توسعه الصاروخي وربما الوصول للسيناريو الكوري الشمالي بتدمير بعض الصواريخ في مرحلة قادمة.

  خطوات أميركية أولى تبرهن إمكانية الإستغناء عن قاعدة "العديد" في قطر

-طمأنة الدول الأوروبية التي كان لها موقف شبه مقبول من ايران حيث لم تنسحب من الاتفاق وأبقت أبواب التواصل مشرعة، فكان على طهران إظهار حسن النية من أن صواريخها لن تطال أوروبا، مما يبدد مشروعية وجود صواريخ باتريول الأميركية في بولندا والتي كررت واشنطن امام العتب الروسي أنها لحماية الغرب من صواريخ ايران وليس صواريخ موسكو.

-لكسب تعاطف المجتمع الدولي فيما لو هاجمت واشنطن الحرس الثوري وصواريخه، حيث يمكنها القول ان مسافات صواريخنا هي لحماية المدى الحيوي لطهران وليس للوصول لأماكن أخرى. وفي الوقت نفسه هي رسالة تشي بإمكانية التفاوض مع واشنطن على برامج الصواريخ ،مادام مزاج التنازلات مقبولا بعد قيام بيونغ يانغ بالتطوع بتدمير بعض صواريخها.

ويستمر سيل التصاريححيث عاد قائد الحرس الإيراني برفض التفاوض حول الصواريخ ودعم الحلفاء الإقليميين، حيث تفاخر بتمدد إيران في سوريا والعراق ولبنان، موضحاً أن الهدف من الضغوط الأميركية إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية ومشيرا إلى أن بلاده تملك الترسانة الصاروخية الأولى في المنطقة؛ وفقاً لمراكز أبحاث أميركية.

2- كسر إيران في سوريا أو احتواؤها

رغم أن الخطر الإيراني يتجاوز البرنامج النووي ويشمل دعم طهران للإرهاب إلى جانب الخطر الإلكتروني الذي يشكلونه. إلا ان الإيرانيين يحاولون قدر الإمكان أن لا يجازفوا بحرب مع إسرائيل لمعاقبة الأميركيين. لكن الصهاينة لهم وجهة نظر مخالفة وتأكيدا على ذلك التوجه في تل ابيب رفع الجيش الإسرائيلي حالة التأهب إلى القصوى تحسباً لأي تصعيد في سوريا المجاورة حليفة إيران أكثر من مرة خلال الشهرين الماضيين.

ولأنه من المرجح أن يكون مستقبل سوريا هو نموذجاً اتحادياً يتم بموجبه نقل السلطات إلى مناطق مختلفة. فإن استراتيجية إيران هي أن تستولي على نفوذ لها في هذه المناطق يسمح لها بالسيطرة على السلطات الحاكمة فيها. ويرى باحثون أنه بالنظر إلى الوقائع يصل المرء إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن القضاء على النفوذ الإيراني في سوريا، لأنه لا يوجد فصيل أو وكيل إيراني محدد يمكن استهدافه وإنما شبكة واسعة من القادة والمقاتلين والموارد والأسلحة التي تمتد عبر المنطقة وصولاً إلى أفغانستان. لا يمكن طرد إيران من سوريا، ولكن يمكن احتواؤها بضربات محدودة.

  إلتحاق طائرات ذات أجنحة ثابتة وبرمائية بالقوة البحرية الإيرانية

لقد تركت طهران بصماتها على كل أزمة كبيرة في المنطقة. ومن ذلك قيادة قوات الحرس الثوري مشروع طهران التوسعي من سوريا التي حققت فيها نجاحات كبيرة مقارنة باللاعبين الإقليميين المناوئين لها كدول الخليج وواشنطن وحتى تركيا. وعليه فرغم مباركة تلك الأطراف للضربات الجوية للأسد وحزب الله  إلا انهم يرون أنهاغير كافية بمفردها لمعالجة جذور قدرة الأسد، والسبب هو أن جذور هذه الجرائم لا تأتي من دمشق بل من طهران فيجب عقاب إيران أيضاً. فاحتمالات الحرب الأميركية مع إيران في سوريا عالية حيث لا يمكن تجاهل تبعية الهياكل المسلحة هناك لإيران كحزب الله اللبناني والحشد الشعبي وغيرهما من الزينبيون والفصائل الأفغانية والباكستانية الشيعية، وهي التي لن تقف مكتوفة الأيدي حال تعرُّض إيران لضربات عسكرية؛ وهو ما يلزم واشنطن بقطع رأس تلك الأذرع . ففي فترة ما  كان هناك مساعي أميركية لإيجاد موطئ قدم في مثلث الحدود العراقية السورية الأردنية إن لم يكن لها فللقوات التي تحظى بدعم من الولايات المتحدة والتحالف الذي تقوده، بهدف إجهاض المساعي الإيرانية المقابلة لإيجاد نفوذ عبر الحشد الشعبي المدعوم منها في تلك المنطقة، ومحاولة ربط الجبهتين العراقية والسورية، وتسهيل مخطط الحشد لدخول الأراضي السورية والقتال بجانب الجيش السوري، وتأمين الإبقاء على الطرق مفتوحة بين إيران وسوريا عبر العراق، وضمان وجود ممر بري يصل إيران بحلفائها في المنطقة.كما اخذ الطرفان في التنافس في محاولة لفتح طرق غرب العراق، في الوقت الذي تتم فيه استعادة الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة.

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.