“فوستوك – 2018” تذكير بالمدى الحيوي السوفييتي -1

قوات روسية صينية منغولية تشارك في تدريبات فوستوك 2018 - "أ ف ب"
قوات روسية صينية منغولية تشارك في تدريبات فوستوك 2018 - "أ ف ب"

عدد المشاهدات: 655

انهت روسيا في مداءات سيبيريا والشرق الأقصى، مناورات “فوستوك (الشرق)- 2018″، بتدريبات لقوى هائلة تمثلت بـ 300 ألف جندي وألف طائرة وطوافة وثمانين قطعة بحرية، و36 ألف آلية عسكرية. وبمشاركة رمزية من 3600 من رجال القوات الخاصة الصينية، ومن الجيش المنغولي.

في الغرب،الذي تجاهلت وسائله الإعلامية الحدث، وبعد عدة مناورات روسية على تخوم الدرع الصاروخية لحلف الناتو، يقولون إن الروس يريدون تخويف حلف شمال الأطلسي بمثل هذه التدريبات الواسعة. فهل التخوف الغربي في محله وهل تتعمد موسكو بتذكير القوى الغربية بإعادة المدى الحيوي للإتحاد السوفييتي؟ وأية رسائل تبعثها موسكو من خلال التمرين الأضخم وفي أي اتجاه؟

سيناقش هذا البحث، في جزأين، أهمية المنطقة الإستراتيجية المختارة والأخطار المحدقة فيها من خلال الثقل النوعي الأميركي المتمثل بالتمدد الإقتصادي والعسكري فيها ما بعد الحرب الباردة، من جهة، ونلقي الضوء في الجزء الثاني على التقنيات المتقدمة التي استخدمت في المناورات والأهداف المحققة.

آسيا ..جسر السيطرة على العالم

تحتل أسيا منذ القدم مكاناً ريادياً في أي فكر إستراتيجي، ولطالما إرتبطت أهميتها بأنها بوابة أو جسر السيطرة على العالم، نظراً لعمقها الحضاري الضارب في التاريخ، فكانت ساحة للصراع الدولي حول الزعامة، وهو ما تمثل جلياً إبان مرحلة ماعرف بالحرب الباردة. حيث عرَفت الاقاليم الآسيوية صدامات بين عدة فواعل وأزمات لاتزال قائمة حتى الساعة؛ كان سببها التناحر العالمي حول السيطرة. لم يكن هذا التنافس وليد الترف الاستراتيجي، بل إنه كان مؤسَساً له بمعطيات جيوبوليتيكية، بدءاً من المنظِّر في علم الجيوبوليتيك البريطاني هالفورد ماكيندر في كتابه “المثل الديمقراطية والواقع” حيث افترض انه اذا خرج الاتحاد السوفياتي منتصرا من الحرب العالمية الاولى على ألمانيا فلا بد من تصنيفه كأعظم قوة برية في العالم وذلك بسبب قدرته على حماية المنطقة المركزية من اوراسيا. وقد فعلها الاتحاد السوفياتي مجددا في الحرب العالمية الثانية وصار مباشرة على تماس مع اقوى قوة بحرية في العالم وهي أميركا.

  بوتين يتعهّد مواصلة تعزيز الجيش خلال مناورات فوستوك 2018

العودة الروسية الى المنطقة التي اعتبرها ماكندر “قلب العالم” حذّر منها المستشار الأسبق للأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي، في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” بدعوة أميركا الى عدم السماح لأية قوة أن تسود في “قلب العالم”. كان الاجماع فيما بينهما كعالِمين في الجيوبوليتيك بأن آسيا هي مفتاح قيادة العالم، وبذلك يمكن أن نفسر سبب الازمات في آسيا، واعطاء تفسيرات منطقية لظاهرة ان معظم المعظلات العالمية تتمركز على المجال الاسيوي.
ويرى باحثون أن افكار مغلوطة وصورة نمطية عن بعض مناطق العالم بأنها تتمركز دائما وراء الغرب والولايات المتحدة الاميركية، ينبغي تصحيحها، فإنه جدير بالذكر بأن القارة الآسيوية التي تتوفر على أضخم الاقتصاديات العالمية، وفيها أكبر عدد من القوى النووية، وكذلك القوى العسكرية، والقارة الاكبر من حيث المساحة والكثافة السكانية، اضافة الى الموارد الطاقوية، والأرصدة المالية الضخمة، تتعزز بالقوى الآسيوية الفاعلة في النظام الدولي كالصين وروسيا واليابان، والضمانة الأساسية للحصول على المكانة العالمية هي ايجاد موطئ قدم في اسيا والسيطرة على احد اقاليمها ومحاولة تشكيل سياسة تطويق للمنطقة مخافة بروز قوى حقيقية منها.

الثقل الأميركي العسكري في شرق آسيا

بعد تربعها منفردة على عرش القوة العظمى، سعت الولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة إلى تقوية تواجدها العسكري فى منطقة شرق آسيا فعمدت إلى التحالف مع عدد من الدول كاليابان وكوريا الجنوبية واستراليا ، كما عمدت إلى الحد من قدرة الصين من خلال إبرام الاتفاقيات الدفاعية مع اليابان، والتمركز الكثيف في لوريا الجنوبية، بالإضافة إلى التهديدات المستمرة للصين. وحافظت واشنطن على علاقات عسكرية وثيقة مع تايوان كمنصة إستراتيجية للعمليات العسكرية ضد الصين وأمنها فى الطاقة .

بالإضافة إلى قيام الولايات المتحدة بالمناورات البحرية الكبرى بمشاركة دول الإقليم، والتى كان أهمها التدريبات العسكرية الأمريكية فى خان كويست بمنغوليا على الحدود الشمالية للصين فى عهد إدارة الرئيس أوباما، بما عُدَّ تحديا مباشراً للصين فى محيطها الإقليمي .فالولايات المتحدة تحتفظ حاليا بخمسين سفينة بشكل ثابت غرب المحيط الهادئ، وتراقب من خلال الرادار المتطور المنصوب في أعلى قمة في قرغيزيا كل مساحة الصين وجوارها، فيما تتمركز حاملة الطائرات جورج واشنطن فى اليابان، وتحاول واشنطن إعادة توزيع 60 % من قواتها البحرية بالمنطقة والاتفاق على وجود 2500 من قوات المارينز الأمريكية فى استراليا ونشر أربع سفن قتالية فى سنغافورة .

  روسيا تستعرض قوتها العسكرية عبر أكبر تمارين عسكرية في تاريخها

وبعد أن استمالت فيتنام الى ملعب التسلح الأميركي، ها هي الإدارة الأميركية الجديدة تستدرج كوريا الشمالية الى الحضن الغربي بإغرءات كبيرة وتنازلات لم يعرف مداها بعد، وهي تحقق في هذه الخطوة مزيداً من تطويق الجبار الصيني، وتوقف التدخل الروسي بتقديم الحماية لبيونغ يانغ وتجاربها لنووية المقلقة لوشنطن.

وتحاول الولايات المتحدة، مع توقع سريان موعد تنفيذ العقوبات على تصدير النفط الإيراني في 5 تشرين الأول/ أوكتوبر المقبل وعدم التزام الصين بمضمونها، قطع جميع الطرق التى تزود الصين بالنفط من خلال التعاون النفطي عبر الآسيوي والتى تصل مباشرة إلى الصين من خارج الممرات البحرية التقليدية المراقبة من جانب البحرية الأميركية .

“فوستوك – 2018” والرسائل الروسية

المهمة الأساسية بالنسبة للولايات المتحدة، ردع الصين، على المستويين العالمي والإقليمي…واستغلال اليابان والهند، بتسخين مخاوفهما من الصين بكل الطرق الممكنة. ومع ذلك، فإن الصين، بمشاركة نشطة من روسيا، تبطل هذه الاستراتيجية. فقد سلكت الصين طريق القوة الناعمة حتى اليوم، لكن “القيصر الروسي” بوتين لم يكتفِ بمبدأ القوة الناعمة، فأقدم في الشرق الأوسط وفي القرم، واليوم يتجه الى المنطقة الأهم في مناوراته محاولاً ارسال عدة رسائل. فالرسالة الى الداخل الروسي لدغدغة مشاعر الماضي القوي تثبت أقدام سلطته وتعطيها حوافز الإستمرارية في ظل اسلوب العقوبات الإقتصادية الأميركية على البلاد، من جهة، والرسالة الأقوى موجهة الى دول الـ “ستان” الآسيوية التي أعجبت بـ “الـعم سام” بعد ضعف المظلة الروسية بزوال الإتحاد السوفييتي،وهو ما يحاول الإيحاء به أي العودة الى المدى الحيوي للإتحاد السوفييتي.

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.