الصواريخ والاجراءت المضادة لسفن السطح

موسى القلاب *
جرى تعريف الصواريخ المضادة لسفن السطح على انها مقذوفات صاروخية موجهة، صممت خصيصا[*] لتدمير السفن والزوارق والقوارب الكبيرة الحجم، حيث أن معظم تلك الصواريخ هو من النوع الماسح لسطح البحر، ويعمل بنظامي توجيه بالملاحة بالقصور الذاتي والتوجيه الراداري، بالاضافة الى انواع اخرى ذات نُظُم توجيه بالاشعة تحت الحمراء وبالتوجيه اللاسلكي.

سجّل الحادي والعشرون من اكتوبر عام 1967 منعطفاً قتالياً تقنياً في تاريخ استخدام الصواريخ المضادة لسفن السطح القتالية، حيث اغرق زورقٌ هجوميٌ مصري سريع وصغير الحجم المدمرة البحرية العملاقة " ايلات"، امام الشواطيء المصرية، بصاروخ روسي الصنع من نوع SSN-2 ، وتركها كتلةً ملتهبةً داخل كومة من الدخان الكثيف، لتهوي سريعاً في قاع البحرالمتوسط.

هذا الأمر دفع القوات البحرية الغربية للبحث عن حلول سريعة، ليس في تطوير صناعة الصواريخ المضادة للسفن الحربية فحسب، بل في الانظمة التقنية الدفاعية التي تحمي السفن نفسها من تهديدات الصواريخ التي تُطلق من البحر، ضد مختلف انواع واحجام سفن السطح القتالية.

تلك الجهود المُبكرة في مجال الصواريخ والاجراءات المضادة لسفن السطح القتالية، اوصلت الاسلحة البحرية اليوم الى الدرجة العالية من التقدم، في مجال هذا النوع من الصواريخ ، الاسرع والاصغر حجماً، والاكثر ذكاءً ودقةً، والاشد فتكاً والابعدُ مدىً، اذا ما قورنت بأجيال الصواريخ البحرية المتقادمة من حقبة الستينات من القرن المنصرم.
وجاءت المناسبة الثانية التي اختبرت بها تلك الانظمة الصاروخية ايما اختبار حقيقي، وذلك في حرب الفوكلاند بين البحرية الملكية البريطانية والبحرية الارجنتينية، عام 1982، حيث اغرقت طائرة البحرية الارجنتينية من نوع "سوبر ايتندار" الفرنسية الصنع، بصاروخ واحد "اكزوسيت" الفرنسي الصنع؛ جو – بحر، المدمرة البريطانية الاحدث في الاسطول البريطاني؛ "شيفيلد اتش ام اس" .

بعد ذلك دمر صاروخان من نفس النوع سفينة الحاويات الضخمة البريطانية " اتلانتك"، ما جعل اكثر السفن حماية وتسليحاً في اعالي البحار تصبح هدفاً سهلاً أوكقشّة في مهب الريح.

هذان الحدثان المُروعان في تاريخ البحرية الحديثة؛ خلال النصف الثاني من القرن العشرين، آذنا بانتهاء عصر المدفعية البحرية كسلاح رئيسي؛ واستُبدل بالصواريخ البحرية وتقنياتها المضادة، حيث تبع ذلك بالضرورة تحولات نوعية راديكالية جذرية، في علم التكتيكات والعمليات والتصاميم لسفن السطح الحربية، كنتيجة حتمية لا بد منها لهذا التطور البحري الجديد المذهل، بحثاً عن النصر السريع في ظلمة البحرالموحشة والامواج المتلاطمة.

ميلاد الدفاع البحري وتطوره
كانت البداية عندما صنعت شركة سيمنز  Siemens-Shuckert Werke القنبلة الموجهة باللاسلكي عام 1915، واستخدمتها البحرية الالمانية لأول مرة خلال معارك الحرب العالمية الثانية في عام 1944، حيث تمكن الالمان من قصف سفن الحلفاء في القنال الانجليزي.

كما استخدم طيران البحرية الاميركي الصواريخ جو- بحر، العاملة بالاشعة الرادارية، خلال الحرب العالمية الثانية، واغرق عدداً من السفن اليابانية. ثم جرى تطوير واستخدام الصواريخ بحر- بحر من قبل القوات البحرية على الساحة العالمية، خلال فترة سباق التسلح في حقبة الحرب الباردة ، ما بين 1945 و 1990.

ونظراً للتحولات التي اُجريت بعد ذلك على مهام وادوار القوات المسلحة، وبشكل خاص القوات البحرية، تم تطوير وتحسين قدرات النظم الصاروخية الهجومية والدفاعية، لتتناسب وتحديات القرن الواحد والعشرين، سواء في مواجهة متطلبات الحرب على الارهاب، الحرب غير المتكافئة، أو في مجال التهديدات البحرية الذكية على الساحة العالمية.

القدرات الصاروخية البحرية في الالفية الثالثة
بدأت الاستعدادات لتطوير النظم الصاروخية البحرية، من خلال التقدم التقني وثورة الصناعات العسكرية التي جرى تحقيقها في مجال الدفاع الصاروخي المضاد للسفن الحربية. ففي عام 1993 بدأت البحرية الاميركية باجراء فحوصات واختبارات ميدانية على عدة صواريخ في القاعدة الجوية التابعة للبحرية بوينت موغو بولاية كاليفورنيا الاميركية .

ومن بين تلك الصواريخ التي جرى اختبارها صواريخ Harpoon Block lDs وExocet MM38 ، حيث تم تحييد جميع الصواريخ المنطلقة ضد اهدافها، ما دحض المعتقدات والافكار السابقة بأن الصواريخ المضادة للسفن لا يمكن اعتراضها واسقاطها. ما شكل ثورةً تقنيةً متقدمة، ليس في مجال الصواريخ جو – بحر و بحر – بحر فحسب، بل في مجال الصواريخ الدفاعية المضادة لها.

بعد ذلك اخذت القطع البحرية العاملة في الاساطيل الحربية عبر المحيطات والبحار والمياه الداخلية، بتسليح قطعها البحرية بالصواريخ المتقدمة والصواريخ المضادة على حد سواء.

المتطلبات الاساسية
تحكّم في تصميم الجيل الجديد من الصواريخ البحرية والصواريخ المضادة لها متطلبات اساسية عدة من حيث التقنيات والشكل والحجم والدور؛ ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  • ضرورة مقدرة الصاروخ على الهجوم، ليس عندما يكون الهدف المراد تدميره (سفينة او صاروخ) معزولاً في البحار المفتوحة، بل عندما يكون متواجداً أو ماراً داخل الخلجان، وبين الجزر الصغيرة والكتل الصخرية في المياه الضحلة، ومحاطاً بعدة سفن او زوارق وقوارب كثيرة العدد ومتنوعة الاشكال والاحجام، وفي داخل الميناء البحري نفسه.
  • قدرة تقنية الصاروخ على ادارة وتوجيه نفسه ذاتياً من خلال نظام العمل الذاتي – إرمي وانسى، بهدف خفض عامل المخاطرة من حيث تمكين منصة الرمي من إطلاق عدة صواريخ مزدوجة في آن واحد، لتغطي متطلبات المشاغلة السريعة لاهداف متعددة وسريعة وقريبة من النقاط الحيوية .  
  • ضرورة ان يتمتع الصاروخ بمواصفات تقنية، تقلل من عامل مشاهدته الكترونياً وبصرياً من قبل قوات العدو، وذلك بهدف توسيع نطاق وزيادة احتمالية وصوله للهدف واصابته بصورة مباشرة.
  • أهمية تحقيق القدرة على الابحار والاقتراب من هدف سريع جداً؛ وعلى ارتفاع ماسح لسطح البحر، وقد يتراوح ذلك من 10 إلى 50 قدماً فوق سطح الماء، ومن اي اتجاه ممكن، وعلى سرعة تتعدى سرعة الصوت.  
  • قدرة الصاروخ على تحقيق درجة عالية من الاصابة، من حيث ضربه هدف يقع على خط النظر البحري، وبصورة دقيقة ومثالية لاصابة محيط غرفة المحرك الكهربائي، مع امكانية اختراق الهيكل قبل مرحلة الانفجار.

 

الصواريخ الحديثة العاملة
لعل من اهم الصواريخ الاميركية الحديثة العاملة المضادة لسفن السطح، الصاروخ هاربون AGM-84 Harpoon من انتاج شركة بوينغ، والصاروخ هيلفاير Hellfire II 2 ، ومافريكAGM -65 Maverick والصاروخ مافريك AGM-65 F/G ومافريك AGM-65 J/K ، ونظام Phalanx CIWS من صناعة جنرال داينامكس General Dynamics (بات الآن ملكاً لشركة رايثيون Raytheon ) كنظم مضادة للقذائف الصاروخية والمدفعية والهاون وللصواريخ المضادة للسفن أيضاً.

وفي مجال الدفاع الجوي البحري ضد طائرات وصواريخ جو – بحر، يبرز نظام الصاروخ ذو الهيكل الدوار، صغير الحجم وخفيف الوزن ذو التوجيه بالاشعة تحت الحمراء من نوع RIM-116 Rolling Airframe Missile (RAM) .

 

اما اهم الصواريخ الاوروبية الصنع من شركة MBDA ، فهي بريمستون  Brimstoneالمشتقة من تقنيات هيلفاير، وصاروخ  AS-15TT الفرنسي وصاروخ Agrion وصاروخ بوليفم  Polyphem وصاروخ بنجوين النرويجي Penguin Mk2 Mod 7 ، من صناعة شركة Kongsberg .

خططت البحرية الاميركية لاستخدام نحو 1600 نظام و115 قاذف من نظام (رام) لتجهيز وتسليح 74 سفينة، وهي من السفن العاملة حالياً في البحرية الاميركية ومنها :

  • حاملات الطائرات من نوع نيميتز Nimitz-class aircraft carriers
  • السفن البرمائية من نوع واسب Wasp-class amphibious assault ships
  • السفن البرمائية من نوع تاراوا Tarawa-class amphibious assault ships
  • سفن النقل البحري البرمائي San Antonio-class amphibious transport dock
  • سفن الانزال من نوع ويدبي آيلاند Whidbey-Island class dock landing ships
  • سفن الانزال من نوع هاربرز فيري  Harpers Ferry-class dock landing ships
  • وهنالك خطط لتثبيت قواذف صاروخية على الفرقاطات من نوع اوليفر هازارد بيري Oliver Hazard Perry-class frigates

الجدير بالذكر ان جميع الصواريخ المضادة لسفن السطح تُحمل من قبل سفن وزوارق صاروخية سريعة، كما تُحمل من قبل طائرات البحرية ثابتة الجناح والعمودية المقاتلة على حد سواء، مع تعديلات فنية وتكتيكية ضرورية، بحيث يتناسب كل صاروخ مع المنصة البحرية او الجوية التي تحمله وتستخدمه. كما ان الصواريخ المضادة لهذه الانواع يتم استخدامها ايضاً من قبل مختلف انواع المنصات البحرية والجوية.
 

انواع التوجيه الصاروخي
يعتمد نوع وتصنيف التوجيه للصواريخ المضادة للسفن على المهمة والمواصفات الفنية التي يتميز بها الصاروخ، وهي :
1 . الصواريخ قصيرة المدى يتم توجيهها اما بواسطة نظام الامرCommand Guidance  او بالتوجيه الذاتي.
2 .الصواريخ طويلة المدى يتم توجيهها لاسلكياً او بالرادار او بالتوجيه الذاتي للصاروخ.
3 . الصواريخ الموجهة تعمل من خلال المنصات التالية :
أ . الشاطيء / السفينة / طائرة جو – جو
ب. الشاطيء/السفينة/طائرة ضد صواريخ الغواصات
ج .الشاطيء/السفينة/جو ضد الصواريخ ينطلق من الشاطيء
يُذكر ان جميع انواع الصواريخ يمكن تقسيمها حسب طريقة العمل في المستقبل الى ما يلي :

  • (1) صواريخ كروز
  • (2) صواريخ بالستية


مواصفات صواريخ القرن الواحد والعشرين

من خلال دراسة المتطلبات الاساسية الآنفة الذكر، يتضح ان صواريخ القرن الواحد والعشرين لابد وان تتميز بعدة مواصفات قتالية وفنية؛ على النحو التالي :

  • محرك دفع نفاث صغاطيRAMJET ، ما يؤمن القدرة على الدفع والنفث الذاتي بهدف تحقيق مدى طويل علاوةً على سرعات عالية تفوق سرعة الصوت، مع القدرة على التحكم بكمية الوقود الممزوجة بالاوكسيجين داخل غرفة الاحتراق الداخلي والدفع النفاث، ويعطي مرونة في تحديد المدى والسرعة المطلوبة.
  • ان الصاروخ المزود بالقدرة على تحقيق مرحلة طيران اولية في مساره نحو الهدف المراد ضربه وتدميره، يجب ان تتوفر له المقدرة على الطيران بسرعة فوق صوتية لكن منخفضة نسبياً ، اي حوالي ضعف سرعة الصوت، على مستوى سطح البحر، حيث يمكن للصاروخ ان يطير فجأةً بحركة مناورة صعوداً للاعلى وسريعة جداً، ثم يعود بطريق متعرج على سرعة 3.5 ماك (سرعة الصوت) في حركة انقضاضية نحو الهدف المراد ضربه وتدميره.  
  • يكون الصاروخ، على سرعة 3.5 ماك، قادراً على قطع مسافة 35 كلم في نصف دقيقة، وعليه لن يتيح هذا الوقت القصير، وقتاً كافياُ لدفاعات السفن البحرية واعطاء الانذار المبكر والرد السريع  من قبل الدفاعات الصاروخية عن السفن في البحر.  
  • ان هذا النوع من الجيل الجديد للصواريخ البحرية، لا بد وان له رأسين باحثين مزدوجين لتحسين احتمالية ضرب واصابة وتدمير الهدف المقصود بشكل نهائي؛ حيث يؤمن نظام التوجيه الراداري الفعال عملية التوجيه الذاتي في جميع احوال الطقس، في حين يؤمن نظام البحث بالاشعة تحت الحمراء، توجيه ضربة دقيقة واصابة غرفة المحرك اصابة مباشرةً، علاوةً على خيارات كشف الاهداف بطرق بديلة اخرى، مثل الموجات الميللمترية والرادارات الليزرية.
  • يختلف جيل صواريخ القرن الواحد والعشرين، عما قبله من اجيال كونه يستخدم موجات المايكرويف وهيكل رشيق البنية والتركيب، ودفع قوي نفاث وراس حربية شديدة الانفجار، وتقنيات حاسوبية للتحكم والسيطرة، لتبقى في الخدمة الفعلية لمدة 30 عاماً على الاقل.

 

وفي الخلاصة فانه من المتوقع ان تُحمل صواريخ المستقبل على مختلف انواعها وادوارها، من قبل زوارق بحرية أو طائرات غير مأهولة ثابتة الجناح وعمودية، ومزودة بكافة نظم الكشف والمتابعة والاشتباك والقيادة والسيطرة.

 

 

 * باحث وكاتب في الشؤون الاستراتيجية

segma
About سامي أورفلي 18799 Articles
حائز على شهادة جامعية باختصاص إدارة الأعمال. خبرته في مجال التصميم الجرافيكي وتصميم مواقع الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والطباعة تتعدى الأربعة عشر عامًا في شركات متعددة لبنانية ودولية. كان منظمًا أساسيًا في معرض ومؤتمر الأمن في الشرق الأوسط SMES2015. وهو يشغل اليوم منصب المدير المسؤول عن تطوير وصيانة موقع sdarabia.com وإدارة مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به، بالإضافة إلى تصميم وإخراج مجلة الأمن والدفاع العربي الفصلية، والتصاميم الجرافيكية والحملات الدعائية كافة.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.