تأثير “الربيع العربي” على الجيوش وقوى الامن الداخلي، مهاماً وتسليحا

عدد المشاهدات: 210

محمد نجيب
أثار اندلاع ثورات "الربيع العربي" نهاية كانون أول/ديسمبر 2010 في كل من تونس ومصر والتي امتدت لاحقا لتشمل اليمن وليبيا وسوريا -حيث زج الآلاف[*] من قوات الأمن في تلك الثورات سواء لحماية المتظاهرين، كما فعلت القوات المسلحة التونسية والمصرية، أو لقمعهم كما حدث في ليبيا ويحدث الآن في سوريا- تساؤلات كبيرة حول انعكاس تلك الثورات على دور، وعقيدة، وتدريب وتجهيز وتسليح ومهام القوات المسلحة وأجهزة الامن الداخلي والاستخبارات العربية، فضلا عن التغيير الذي طرأ على العلاقة التاريخية التي ربطت الى سنوات عديدة مضت بين المؤسسة العسكرية والحكام العرب الذين جاءوا من مؤسستي الجيش أو المخابرات، بينما يتميز القادة الجدد بأنهم قادمين من خلفيات مدنية وتفرزهم انتخابات ديمقراطية.

وقد أدت ثورات "الربيع العربي" الى تقليص الموازنة المعتمدة للقوات المسلحة، وتخصيص جزء كبير من تلك الموازنة لخلق فرص عمل للمواطنين، وتحسين مستوى معيشتهم، ورفع مستوى أجورهم؛ إذ أجل العراق في شهر آذار 2011 موافقته على تمويل صفقة شراء 18 مقاتلة F-16 أميركية بسبب الاحتجاجات الداخلية التي اندلعت في انحاء شتى من البلاد، وتم على إثرها تحويل المبلغ المخصص لتمويل تلك الصفقة الحيوية والضرورية لسلاح الجو العراقي الى تحسين الاوضاع الاقتصادية للمواطنين، على أنه أعيد العمل بالصفقة في وقت لاحق وتم طلب 18 مقاتلة إضافية أيضاً.

وبغض النظر عن حجم الاحتجاجات الشعبية السلمية وتأثيرها في رحيل أولئك الحكام، فمن وجهة نظر عسكرية كان لموقف الجيوش العربية من الحكام الذين رحلوا بفعل ثورات "الربيع العربي" دورا حاسما؛ إذ لولا تخلي الجيش التونسي عن زين العابدين بن علي والجيش المصري عن مبارك لما رحلوا بتلك السرعة، كما يؤكد خبراء عسكريون لموقع الامن والدفاع العربي SDA، فيما لعبت قوات الشرطة والدرك والأمن المركزي دورا معاكسا؛ إذ قامت بقمع المتظاهرين بعنف ووحشية، فيما تستثنى سوريا من ذلك حيث توحد الجيش والشرطة وجميع القوى الامنية -منذ ما يقارب العام وحتى الآن- على قمع المحتجين المدنيين بأقصى درجات العنف.

ويكشف الدكتور مصطفى العاني الخبير العسكري والاستراتيجي في مركز الخليج للأبحاث والدراسات ومقره دبي في حديث خاص بموقع الامن والدفاع العربي SDA "أنه ولأول مرة سيطرأ تغيير على نمط العلاقة القائمة بين الحاكم العربي الجديد القادم بعد ثورة "الربيع العربي" والجيش؛ إذ كان الحاكم العربي على مدى السنوات الماضية إما قادم من مؤسسة الجيش أو المخابرات، وينصب نفسه القائد الاعلى للقوات المسلحة بينما أفرز "الربيع العربي" وانتخاباته الديمقراطية حتى الآن حكاما مدنيين ليسو ذوي خلفيات عسكرية، وبالتالي لن يكون الحاكم الجديد ذي سطوة على الجيش، ولن يكون الجيش داعما له بما يتعارض والدستور والقانون كما كان عليه الحال سابقا وعلى مدى عشرات السنين، كما ولن يكون القائد الاعلى للقوات المسلحة.

من جهته يرى مسؤول عسكري فلسطيني برتبة لواء في حديث خص به موقعنا أن الانظمة الشمولية العربية إعتمدت سياسة "القبضة البوليسية" حيث منحت دورا كبيرا لأجهزة المخابرات، فيما أوكلت للجيش مهمة إسناد قوات الامن الداخلي وقت الحاجة، ويضيف اللواء -الذي فضل عدم ذكر اسمه- أن الانتقال من نظام عسكري وأمني شمولي إلى نظام مدني ديمقراطي منتخب، وحل جهاز الشرطة كما حدث في مصر شكل ثغرة معلوماتية، كما وأن إسناد مهمة الامن الداخلي للجيش لم تمكنه من القيام بها بجدارة لأنه لم يتلق تدريبا على مثل تلك المهمة، ولا توجد لديه وسائل ومعدات للتعامل مع التحديات الامنية الداخلية، فضلا عن أن تكليف الجيش للقيام بمهام الأمن الداخلي يفقده هيبته "الجيش المصري عمل كالصليب الاحمر في الفصل بين المتظاهرين وبقية قوى الامن الداخلي المصري"، حسب قول المسؤول العسكري الفلسطيني، فيما يوافقه الرأي العميد (م) إيلان مزراحي نائب رئيس الموساد السابق في تصريح لموقعنا في 27 كانون ثاني/يناير الجاري، حيث يقول "إن بقاء قوات كبيرة من الجيش وعناصر الأمن منتشرة في الشوارع والأماكن العامة، وفي حالة إستنفار مستمر سيحط من سمعتها ويسيء الى صورتها في نظر المواطن العربي؛ الامر الذي سينعكس سلبا على صورة نظام الحكم القائم في البلد"

ويعتقد الخبير العسكري الفلسطيني أن سيطرة الاسلاميين على البرلمانات العربية المنتخبة إثر ثورات "الربيع العربي" -حتى وإن لم تقم بتشكيل الحكومة- سوف يؤثر على مستقبل دور وسياسة أداء أجهزة الجيش والأمن في تلك البلدان، حيث ستتم إعادة هيكلتها، وإخضاع قادتها للمساءلة أمام البرلمانات في أي وقت، بالإضافة الى صياغة سياسات وتوجهات أمنية جديدة تجاه بلدان الجوار التي يحكمها الإسلاميون كليبيا والسودان بالنسبة لمصر.

ولا يتوقع الخبير العسكري الفلسطيني ان يتخذ الاسلاميون قرارات مصيرية؛ كإلغاء معاهدة السلام مع اسرائيل ونقل الجيش المصري من مرحلة السلام والاكتفاء بمهمة ضبط الحدود الى مرحلة الحرب، إذ أن خطوة كهذه كفيلة بوقف المساعدات العسكرية الاميركية السنوية للجيش المصري، وبالتالي تراجع قوته وجاهزيته مما سينعكس سلبا على قوة أداء النظام الحاكم الجديد سواء في مصر أو أي من تلك البلدان العربية التي تعتمد قواتها المسلحة بشكل كبير على المعونات العسكرية الأميركية. غير أنه من الممكن أن يطرأ تغيير على صلاحيات تلك الأجهزة؛ فمثلا تم نقل ملف تصدير الغاز المصري الى إسرائيل من مسؤولية جهاز المخابرات العامة المصرية الى وزارة الاقتصاد المصرية، فيما سيتم تعزيز قوات "الدرك" الاردنية المحمولة والمؤللة بحيث يمكن نشرها بسرعة في أي مكان وبالأعداد المطلوبة لحماية الامن الداخلي والتعامل مع أية تحديات أمنية قد تطرأ "إذا أحسن تدريب وإعداد قوات الدرك جيدا فستستطيع حماية الامن الوطني لأي دولة عربية بشكل جيد" حسب قول الخبير العسكري الفلسطيني في حديثة لموقعنا.

وكان مصدر أمني مصري رفيع المستوى قد ذكر لموقعنا في كانون الأول/ديسمبر الماضي أن رئيس المجلس الاعلى للقوات المسلحة المصرية المشير محمد حسين طنطاوي يبلور قانونا يقضي بضرورة مشاركة الجيش في أية قرارات عسكرية مصيرية يتخذها صانع القرار المصري مستقبلا، غير أنه لم يحدد حجم تلك الشراكة في التأثير على القرار إن كانت ستصل الى 50% أم دون ذلك، لكن مصادر أمنية ذكرت لموقعنا في 26 كانون ثاني 2012 أن الاسلاميين رفضوا فكرة المشير طنطاوي، كما ورفضوا مبدأ اشراك الجيش في مجلس الشورى.

ويعتقد مسؤول رفيع المستوى في جهاز الاستخبارات العسكرية الفلسطينية في حديث خص به موقعنا أن دور الجيش في الانظمة العربية سوف يشهد تراجعا وسيتم تركيز مهامه على حماية المنشآت الحيوية وضمان الاستقرار الامني الداخلي، وإعادة بنائه على أسس مهنية بعيدة عن أسلوب القمع الذي كان سائداً في الماضي، كما وسيتم التركيز على تعزيز دور قوى الامن الداخلي من شرطة ومخابرات؛ سواء في البلدان التي شهدت ثورات "ربيع عربي" أو تلك التي لم تطلها بعد، بالإضافة الى التركيز على رفع كفاءتها في مجال تكنولوجيا الالكترونية شبكات الانترنت، يوافقه الرأي اللواء صائب العاجز قائد جهاز الامن الوطني والشرطة الفلسطينية السابق؛ إذ يقول لموقعنا "أن القاسم المشترك بين ما جرى في جميع الدول العربية التي شهدت ثورات "ربيع عربي" أنهم ينادون بالإصلاح، وما دامت برامجهم داخلية ولا علاقة لها بالقضية الفلسطينية فإن تسلحهم المستقبلي سيتركز على حماية الأمن الداخلي أو درء الخطر الايراني"

ويعتقد صاموئيل كاتس الخبير المتخصص في قوات مكافحة الشغب في حديث خاص بموقعنا "أن قيام المتظاهرين والمحتجين ضد أنظمتهم باستخدام التكنولوجيا الرقمية الحديثة؛ من تصوير بالفيديو وأجهزة النقال وبثها عبر الفضائيات إلى شتى أرجاء المعمورة، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"تويتر" لنقل مشاهد قمع أجهزة الأمن للمتظاهرين قد أدى إلى ردع تلك الاجهزة إلى حد كبير عن القيام بارتكاب أعمال أكثر عنفا ضد المدنيين" ويعتقد كاتس أن رفض شركات تزويد خدمات الاتصالات الخلوية والإنترنت إطلاع أجهزة الأمن العربية على معلومات زبائنها ومشتركيها إبان احداث ثورات "الربيع العربي" تماما مثلما حدث في لندن أيلول/سبتمبر الماضي عندما رفضت شركات الاتصالات البريطانية مشاركة قاعدة بياناتها المعلوماتية مع اجهزة الامن البريطانية خلال احداث الشغب في توتنغهام، خطوة تفرض تحد على أجهزة الأمن الداخلي العربية التي يتوجب عليها التغلب على تلك المشكلة.

أهم التهديدات الأمنية التي تواجهها أجهزة الامن العربية خلال العام الجاري

تختلف التهديدات الأمنية التي تواجهها القوات العسكرية والأمنية العربية من بلد لآخر، غير أن التهديد المشترك بينها جميعا هو ضرورة متابعة امتداد مثيري الاحتجاجات الداخلية في الخارج والسيطرة على مفاصلهم في الداخل عبر تكامل الاداء الامني بين أجهزة الأمن الخارجي والداخلي، وإبداء اهتمام أكبر ب"الفضاء الافتراضي وما يشكله من خطر على الاستقرار الأمني كما يقول خبير فلسطيني في شؤون الاستخبارات العربية لموقعنا، ويضيف "مثلا المخابرات المصرية تجاهلت النظرية الاستخبارية القائمة على أن الأمن الداخلي يبدأ من الخارج، وركزت على الوضع الداخلي مثبتة سوء تقدير للموقف، ونقص في المعلومات التي تساعدها على التنبؤ بالحدث، أو سوء تقدير وتحليل للمعلومات إن كانت متوفرة لديها" ويضيف "لو قامت المخابرات المصرية العامة بمتابعة امتدادات وتشعبات المنظمات غير الحكومية في الخارج وتمويلها بشكل صحيح؛ لكان لديها تنبؤ دقيق بما حدث لاحقا"

أما الشرطة العربية التي دخلت في مواجهة مع الشعوب المحتجة فقد فقدت الكثير من هيبتها، وأدى سوء أدائها ضد مواطنيها إلى انهيارها في بعض الدول كمصر، الأمر الذي فاقم من انتشار الجريمة، فيما يرى خبراء أمنيون أن الشرطة المصرية بحاجة إلى عدة سنوات حتى تستعيد فرض هيبتها، وعليه سيبقى ملف الامن الداخلي بيد القوات المسلحة المصرية، لذا تبدو أهم التهديدات الامنية التي تواجه أجهزة الامن المصرية هو إعادة فرض هيبة الشرطة، والقدرة على التمييز بين الاسلامي المعتدل القادر على ممارسة الحياة السياسية، والإسلامي المتطرف المستعد لإثارة النعرات الطائفية، بالإضافة الى مقدرتها على مكافحة الفساد، وإدارة ملف الامن الاقتصادي بنجاح وكفاءة، أما أجهزة الأمن الأردنية فمطلوب منها إعطاء تقديرات دقيقة بخصوص خيار إشراك الاسلاميين في الحياة السياسية بشكل طبيعي، واحتمال قيام أطراف خارجية باستغلالهم لتنفيذ أجندات خارجية إقليمية.

لم يحدث في الثلاثين عاما الاخيرة أن تم الزج بألوية كاملة من القوات المسلحة العربية في مهام حفظ الأمن الداخلي بشكل مفاجئ وبدون سابق إعداد كما حصل إبان ثورات "الربيع العربي" الأخيرة الامر الذي شكل صدمة لتلك القوات التي لم تكن مستعدة للقيام بتلك المهمة؛ لا من حيث عقيدتها القتالية والتعبئة المعنوية للأفراد، ولا من حيث التشكيل والتنظيم والتجهيز.

وبرغم التصريحات التي تتحدث عن عودة القوات المسلحة الى ثكناتها ومهامها -التي أنشأت وتدربت على القيام بها- خلال نصف عام من الآن؛ إلا أن الحاجة لقيامها بمهام الأمن الداخلي، وسد الفجوة الأمنية القائمة بسبب انهيار أجهزة الشرطة يوحي باستمرار تكليفها القيام بتلك المهمة لوقت أطول بكثير؛ الأمر الذي لا يفقدها هيبتها فحسب، بل وسيجعلها غير قادرة على القيام بمهامها الأصلية عندما تعود لممارستها؛ مثلما حصل مع الجيش الاسرائيلي الذي زج به في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الثانية منذ أواخر عام 2000 وحتى حرب لبنان الثانية في تموز 2006، حيث إنعكس ذلك على أدائه في تلك الحرب بشكل سلبي بسب غيابه عن التدريبات النظامية، وإنشغاله بالقيام بمهام أمن داخلي؛ وأثر سلبا على كفاءة الافراد القتالية، ومقدرة الضباط على قيادة الافراد في العمليات القتالية، وإدارة المعركة وتوجيههم؛ بحسب ما جاء في تقرير لجنة فينوغراد.

ويرى خبير عسكري عربي تحدث لموقعنا أن القوات المسلحة العربية التي وجدت نفسها طرفا في مواجهة ثورات "الربيع العربي" ستحتاج عند عودتها الى ثكناتها -بعد وقت طويل- إلى برامج إعادة تدريب وتأهيل قد تكون مكلفة أحيانا، وأنه إذا ما استمرت المهمة لعامين قادمين فسيجد الجندي النظامي العربي وقتها فجوة كبيرة بين الدور المناط به ومقدرته على تنفيذ المهمة، مؤكدا أن المشكلة تتباين من بلد عربي لآخر، وأن هناك حاجة للحصول على معلومات دقيقة ومفصلة من داخل القوات المسلحة حول التغيير الذي طرأ على معدلات التحاق الأفراد بوحداتهم خلال العام المنصرم، ونوع تلك الوحدات، ونسبة الاكتمال، والإطلاع على التغييرات التي حصلت على برامج التدريب التكتيكية التي تجريها تلك الجيوش سنويا، وفحص إذا ما تم استدعاء قوات الاحتياط لانجاز برنامج التدريب السنوي المكرس لها أم لا، ومشتريات الجيش من المعدات، وعلى ماذا ركزت مصانع الانتاج الحربي في العام الماضي، حتى يمكن تقدير الوقت اللازم لعودة الجيش الى وضعه الطبيعي.

ويعتقد خبير أمني فلسطيني أن تكليف القوات المسلحة بمهام جانبية يؤثر سلبا على كفاءتها، ويضعف درجة استعدادها، ولياقتها البدنية وطريقة تفكيرها، ويزيد من حالة قلق الجيش من الرأي العام مما يضعف معنوياته؛ إذ بدلا من أن يشعر الجيش بأنه حامي الوطن يشعر بأنه مكروه جماهيريا.

ولعل أهم تغييرين أمنيين حصلا إثر ثورات "الربيع العربي" هما تنامي الاعتماد على قوات الدرك، فيما ازداد اهتمام أجهزة الأمن الداخلي العربية بالسيطرة على "الفضاء الافتراضي" ومتابعة مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" و"التويتر" لاستدراك ما يخطط له منظمو الاحتجاجات مسبقا، والتصدي له، أو الحد من خطورته على أمن واستقرار تلك الدول.

وترى مصادر استخبارية فلسطينية تحدثت لموقع الأمن والدفاع العربي SDA أن ثورات "الربيع العربي" أثرت سلبا على توازن الردع الذي حققته الجيوش العربية ضد الجيش الاسرائيلي "الآن اسرائيل غير قلقة من قوة الجيش المصري ولا السوري" حسب قول مصدر استخباري فلسطيني، مفسرا "صحيح أن تلك الجيوش لم تكن تستعد لحرب مع إسرائيل لكن لا أحد يمكنه التكهن بردات فعلها تجاه أي ابتزاز إسرائيلي لها"

ويضيف المصدر الاستخباري "هناك فرق بين جيوش قوية تستطيع أن تحارب، وبين جيوش ضعيفة ومشغولة في مشاكل بلدانها الأمنية الداخلية."
 

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.