2021-06-15

بركان إيافيالايوكول الأيسلندي وتأثير ضرب إيران على دول الخليج

رياض قهوجي*

ثيودور كاراسيك**

نشر البركان الأيسلندي إيافيالايوكول البلبلة والفوضى الشاملة في مجال السفر جواً عبر أوروبا. الملايين من الأشخاص قد تأثروا من ذلك وأدى إلى خسائر مادية مرتفعة في عالم يسوده الركود. وقد عانت دول مجلس التعاون الخليجي من نقص في الدخل، كما عانت من تأخر المسافرين وتأخير الشحنات ونقص في المأكولات والدواء عن أرفف المحال والصيدليات.

وما حصل خلال هذه الكارثة يعتبر غيض من فيض لما قد يحصل من فوضى عارمة بالنسبة للطائرات المدنية والعسكرية المحلقة فوق دول الخليج وحول شواطئها. والخسارة قد تطال الدخل المادي والنكبة قد تصيب المدنيين الذين سوف ولا شك يحاولون الهرب من المنطقة التي تدور فيها رحى الحرب، ناهيك عن مغبة فرص ضئيلة الاحتمال للتصعيد لتحويل الصراع من مستوى عسكري تقليدي إلى مستوى نووي عبر المواجهة مع إيران.

بالرغم من أن بركان إيافيالايوكول هو من أعمال الطبيعة، فإن المواجهة العسكرية مع إيران لها مضامين أكثر دراماتيكية. ومن المهم جداً هنا استذكار التجارب والعبر السابقة. فخلال حرب الخليج وعملية عاصفة الصحراء، عمدت القوات العراقية المنسحبة قصداً إطلاق النفط الخام من محطات التكرير والإنتاج كما قامت بإشعاله لتأخير تقدم القوات المتحالفة. الغارات الجوية المكثفة التي كانت القوات المتحالفة تنفذها انطلاقاً من العديد من القواعد الحربية في منطقة الخليج العربي عرقلت حركة الطيران بالنسبة لشركات الطيران التجارية العاملة في المنطقة. وقد أعطت حرب الخليج مثالاً للفوضى والدمار الذي قد ينتج من الأدخنة المنتشرة في الجو.

فبتاريخ 25 إلى 27 كانون الثاني/يناير 1991، قام الجيش العراقي بإشعال أكثر من 700 حقل نفط كويتي، مما جعل الدخان يغطي منطقة العمليات بأكملها. ورداً على ذلك قامت قاذفات F-111 F الأميركية بإطلاق قنابل GBU-15 الموجهة التي استطاعت تدمير مواسير توصيل النفط التي تربط خزانات التخزين بالمصافي. وبالرغم أن هذه العملية قد قطعت تدفق النفط، إلا أن حرائق النفط ظلت مشتعلة تنبعث منها كميات كبيرة من الغازات السامة.

بالإضافة إلى ذلك كانت هنالك بعض الآبار التي لم تشتعل وبالتالي كونت بركاً من النفط الخام غطت مئات الفدادين وخلقت أفخاخاً نارية محتملة تهدد بالاشتعال. لقد كانت الأدخنة المنبعثة من احتراق آبار النفط كثيفة جداً لدرجة أن الرؤية كانت محدودة جداً بالنسبة لطياري قوات الائتلاف في ميدان العمليات الكويتي. فبالنسبة للطيارين كان الدخان يؤدي بهم للانتقال الفجائي المتكرر من التحليق في سماء صافية إلى الطيران بالاعتماد على أجهزة القياس في طائراتهم. وقد أضاف المناخ أيضاً المزيد من المشاكل إذ ساهم المطر الأسود الملوث بالزيت بانسداد محركات الطائرات في الجو أو على الأرض.

خلال حروب البلقان، قامت القوات الصربية بمهاجمة المنشآت البترو- كيميائية الكرواتية التي كانت تخزن كميات كبيرة من الأمونيا اللآمائية والعديد من المواد الكيميائية الخطرة. ومنذ العام 1993 وحتى العام 1995 هوجمت هذه المنشأة 6 مرات بالقنابل والقذائف الصاروخية والمدفعية وقذائف الهاون. كما استهدفت القوات الصربية عمداً منشأة لإنتاج مبيدات الحشرات في سيزاك ومعمل لتكرير الغاز الطبيعي في إيفانيك.

وخلال قيام الصرب بحصار القوات الإسلامية في توزلا، هددت القوات الإسلامية بإطلاق كميات كبيرة من غازات الكلورين من خزانات كانت متواجدة في عربات سكك الحديد التي كانوا يسيطرون عليها، بالرغم من أن ذلك كان من الممكن أن يتسبب في إصابة أعداد كبيرة من أصدقائهم. وحصلت بعض الحوادث كذلك في الشيشان وسري لانكا وفي الشرق الأوسط حيث أدت الغازات الصناعية السامة إلى وقوع إصابات.

هذا ويرجّح أن تتركز الهجمات الإسرائيلية/ أو الأميركية/ والحليفة إذا حصلت على ثلاث مناطق إيرانية أي: أصفهان، حيث تقوم إيران بإنتاج غاز هيكزافلورايد اليورانيوم، وعلى ناتنز حيث يتم تخصيب هذا الغاز باعتماد نصف معدات الطرد المركزي تقريباً البالغ عددها ثمانية آلاف والمتواجدة هناك، وفي آراك حيث يوجد مفاعل الأبحاث الخاص بالماء الثقيل الذي من المنتظر أن يبدأ العمل فيه في العام 2012، والذي سوف يكون مثالياً لإنتاج البلوتونيوم الصالح للاستعمال كسلاح نووي. من الممكن أيضاً استهداف العديد من المواقع الأخرى مثل موقع "قم" ومواقع الطرد المركزي الأخرى غير المعروفة حتى الآن.

سوف تكون هذه المواقع الأخيرة من الأهداف الضرورية جداً، إذ أن تدميرها سوف يعيق قدرات إيران على إعادة تشغيل برنامجها النووي. وتوحي التحليلات المبدئية التي يمكن استخلاصها من الضربات التي قد تصيب هذه المواقع وغيرها بأن الممرات الجوية والبحرية حول الخليج سوف تتأثر بطريقة قاسية جداً. والمدة التي سوف تستغرقها سلسلة هذه الهجمات وتداعياتها قد يكون لها تأثيرات طويلة الأمد.

إن القيام بعملية عسكرية ضد إيران تعني أن الدخان والغبار سوف يكون لهما تأثير كبير على دول مجلس التعاون الخليجي كما على إيران. فيمكن للدخان المتواجد على ساحة العمليات، أن يخلق الإرباك ويؤثر على الرؤية كما أنه سوف يوقع الفوضى في العمليات الجوية المدنية والعسكرية. وسوف تفضل كميات المياه المخزونة في مناطق العمليات عرضة للتلوث المقصود أو العرضي.

التهديدات التي تحملها الأدخنة الكيميائية هي الأكثر تأثيراً على الطائرات المدنية والعسكرية، حيث أن اتجاه الرياح هناك معظم أيام السنة هو في الغالب شمالي/ شمالي غربي بسرعة متوسطة قدرها 5 أمتار بالثانية. سوف يؤثر وقع هذه الرياح بشكل كبير على البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة ومياه الخليج وأجوائه. وبما أن معظم العمليات الحربية مع إيران سوف تجرى بحراً وجواً فهذا يعني أن الحركة التجارية الجوية والبحرية في الخليج العربي سوف تتأثر بشكل جذري وأن معظم الموانئ والمطارات في المنطقة ربما تجبر على الإقفال.

وهنالك دائما إمكانية صغيرة لجعل الحرب تصل إلى مرحلة قد يلجأ المتحاربون خلالها إلى استعمال الأسلحة غير التقليدية. فمن المعتقد أن إيران تملك أسلحة كيميائية وبيولوجية، ويتهمها العديد من الدول الغربية بتطوير قدرات نووية. تفيد العقيدة النووية الجديدة التي تنتهجها الولايات المتحدة حيال الدول التي لا تنتمي إلى اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، أي إيران، بأنه قد يم استهدافها بواسطة الأسلحة النووية في حال وقوع صراع عسكري. ومن شأن الانفجار النووي أن يقذف بكميات هائلة من الدخان والغبار النووي في الهواء، مكوناً غيوم نووية تشكل خطراً على البيئة كما تؤثر على الحركة الجوية في المنطقة.

إن التورط في مواجهة عسكرية مع إيران، تعني بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ضرورة التخطيط الآن لكيفية تأثر الممرات الجوية جراء الحرب، بما في ذلك إيجاد ممرات بديلة وأخذ التكاليف التي ستنتج عن ذلك بعين الاعتبار. ويؤدي ذلك إلى البدء بمفاوضات مع البلدان وشركات الطيران الأخرى. كما أن هنالك حاجة إلى تحضير حملة للعلاقات العامة المستقبلية، يعلن خلالها أن طيران الإمارات والإتحاد والخطوط الجوية القطرية وطيران عمان وشركات الطيران الأخرى سوف تقوم بأعمالها "كالمعتاد"، لكي تتلافى هذه الشركات الانهيار المادي والإفلاس. كما على السفارات أن تستعد لتدافع موطني الدول المتواجدة فيها وأن يحضروا الخطط لدعم هؤلاء اللاجئين.

وقد تصبح الطرقات مكتظة وقد ينتج عن ذلك الشلل التام لحركة النقل البري. ويجب الاستعداد أيضاً لتخزين وتكديس المأكولات والماء والدواء بطريقة صحيحة لتحافظ على جودتها ونضارتها، بالإضافة إلى إيجاد طرق خاصة لتبريدها. وينبغي التأكد مسبقاً من إيجاد مصادر بديلة للحوم والفاكهة والسمك قبل بدء العدوان المحتمل، كخطة لتدعيم شعوب بلدان مجلس التعاون الخليجي (تنفذ الإمارات العربية المتحدة الآن خطة لتخزين مؤونة غذائية تكفي لثلاثة أشهر في حال وقوع الكوارث وهذه البادرة يجب أن تتبعها البلدان الأخرى.)

وتجدر الإشارة إلى أن هنالك العديد من العقاقير والأدوية الضرورية الهامة بما في ذلك الإنسولين والعديد من اللقاحات التي لا يتم تصنيعها محلياً والتي يجب استحضارها إلى المنطقة جواً داخل مستوعبات خاصة مبردة.

أخيراً هنالك إجراءات الوقاية ضد الإشعاعات التي من الضروري التفكير بها لمقاومة الغيوم السامة والدخان. كما على المسؤولين عن الدفاع المدني أن يقوموا بالتخطيط بشكل واسع في إجراءات التطهير وإزالة التلوث.

عموماً، فإن الدروس التي تعلمناها من بركان إيافيالايوكول تعتبر تنبيها لضرورات النقل الجوي، والتأثير المحتمل الناتج عن وقوع صراع في المنطقة، ومستوى إدارة الكوارث الذي سينشأ من جراء ذلك.

* الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – إينجما

** مدير قسم الأبحاث والتطوير لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – إينجما
 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.