محمود شمام ينقل رؤية المجلس الانتقالي لمستقبل ليبيا

تحت عنوان ما السبيل إلى إنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة؟ نظم مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 22/6/2011 في بيروت جلسة مناقشة مع محمود شمّام، المتحدّث باسم المجلس الوطني الانتقالي الليبي وعضو المجلس الاستشاري لمركز كارنيغي للشرق الأوسط، تطرق فيها إلى رؤية المجلس لمستقبل ليبيا، معلنا جملة من المواقف أزالت الكثير من الغموض لدى الحضور النوعي الذي دعي الى المناقشة، من دبلوماسيين ومراكز أبحاث وإعلاميين ومهتمين من لبنان وخارجه .

استعرض شمّام عدداً من التوصيات وخريطة طريق حول كيفية وضع حدٍ للنزاع القائم في ليبيا منذ أربعة أشهر. وتناول أيضاً موضوع إعادة بناء ليبيا ودمقرطتها، بدءاً من حلّ الأزمة الإنسانية، ووصولاً إلى معالجة مسألة التنافس بين القبائل.

بعد تقديمه من السيد مروان المعشّر، نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي ونائب رئيس الوزراء الأردني السابق، بدأ المحاضر بالإجابة على سؤال وجهه العقيد معمر القذافي في بداية الحراك السلمي "مَن انتم"؛ قائلاً، بصراحة نحن الشعب الليبي الذي عانى مدة 42 عاماً من حكم دكتاتوري طائش، مطالبنا لم تكن إسقاط النظام – لأن لا نظام في بلدنا – بل سلطة قمعية أنهت العمل بالدستور الليبي الذي اقر عام 1951 وفق المعايير الديمقراطية للدول بعد نيلنا استقلالنا، سلطة أنشأت كتائب لحماية انقلابها واستغنت عن الجيش؛ واستطراداً، فقد يتساءل البعض عن الضباط ذوي الرتب العالية الذين انضموا الى المقاومة فهؤلاء لم يكونوا في الخدمة بل في منازلهم منذ سنوات.

وأضاف شمام "ان ما أزعج العقيد القذافي بسؤاله من نحن هو راحة باله من أنه لا أحزاب في ليبيا، لا نقابات، ولا أية صيغة من مكونات المجتمع المدني، فكيف تسنى لهؤلاء وفي فترة وجيزة – لم تتجاوز الأسبوع – التحرك السلمي في معظم المحافظات والمدن في مساحة حوالي 1600 الف كلم مربع من مساحة ليبيا. لم نكن يوماً عشاق دماء، بل نحن مستعدون لأي حل سلمي يبني الدولة. ولكننا فجأة وجدنا أنفسنا أمام كامل جهوزية الآلة العسكرية للدكتاتور تستخدم ضد الناس العزّل. ولم يكن بداً لوقف النزف، وما يستجرّه من اقسى الممارسات القمعية، من طرح الصوت وطلب تدخل الأمم المتحدة العاجل للحماية".

وأردف قائلاً "نحن نشكر الأمم المتحدة، وكل الدول التي وقفت معنا، ولا سيما جامعة الدول العربية، ودول مجلس التعاون الخليجي، وحلف الناتو في محاولتهم وضع حد لعدوان هذا الطاغية على شعبه. ان شكرنا لحلف الناتو لم يقتصر على الشعب الليبي والمجلس الإنتقالي فإننا يكفينا عدم خروج اية تظاهرة في اي بلد عربي للتنديد بهذا التدخل لإثبات الظلم الذي مارسه القذافي على شعبه. ولا يتصورن احد ان القتال عندنا بدأ بين طرفين، بل هو دفاع مجموعة من الشباب غير المدرب ولا يملك سوى اسلحة "ما تيسر" ودون أية إمكانات، وبين قوى من الكتائب عالية التدريب مدججة ب3700 دبابة وآلاف المدافع والراجمات الصاروخية والطائرات الحربية والطوافات، ناهيك عن إمكانات هائلة مخصصة للقتال الداخلي، بالإضافة الى قطعان المرتزقة والمسعورين الذين تم شراؤهم واستقدموا لأعمال القنص والتقتيل والإجرام .

ان مَن يقصف المدن براجمات الصواريخ هم كتائب القذافي، ومَن سوّى القرى بالأرض ليست أسلحتنا البدائية، ومَن هددنا بالملاحقة من بيت الى بيت نفذ تهديده. ورغم ذلك لم نطلب تزويدنا بالأسلحة الحديثة المتطورة، واقتصرت طلباتنا بالحصول على الأسلحة المتوسطة لاستعمالها في محاولة وقف تقدم آليات ودبابات القذافي. ولم نطلب ذلك من الدول الأجنبية بل نحن مدينون لدولتين عربيتين زودتنا بتلك الأسلحة" .

وأعلن المحاضر أن المجلس الإنتقالي لم يخطط لحسم عسكري، و"نحن لسنا في العزلة؛ فالذي تزداد عزلته عالميا هو العقيد القذافي. وكل يوم نحصل على اعتراف جديد بتمثيلنا للسلطة الوطنية. نمتلك في تحركنا سلاح الوحدة الوطنية؛ من الأمازيغ الذين واجهوا مثلنا في مناطقهم العدوان الغادر في الجبل الغربي وكذلك القبائل العربية في الزنتان التي بدأت القتال في اليوم الثاني وما زالت. إن وقف الهجمات العسكرية من قبل كتائب القذافي مطلبنا، لنعود الى حراكنا السلمي؛ ونثبت للعالم بأننا فعلا لا قولا لسنا عشاق دماء. وقد يسأل البعض لماذا لم نضع العاصمة طرابلس نصب أعيننا كهدف عسكري، جوابنا واضح نحن لم نسعَ للعمل العسكري من الأساس. ومن ينظر الى طرابلس اليوم يرى الإنتشار الأمني في كافة شوارع العاصمة وأحيائها خوفاً من غضب أهلنا وانتظارهم الفرص للخروج والتعبير السلمي عن معارضتهم. ولا بد هنا من تبيان حقيقة أنه في ظل هذا الإنتشار الأمني الكثيف في العاصمة لم يستطع القذافي أن يُخرج مظاهرة واحدة من بضعة آلاف من اصل مليون وثمانماية ألف نسمة سكان طرابلس تأييدا له، وهو المسكون بحبه رؤية الجماهير من حوله".

وفي المقارنة ما بين نجاح تجربتي تونس ومصر وسبب تعثر الثورة في ليبيا، أقله الى الآن، أعاد شمام السبب الى وجود أحزاب ونقابات وجمعيات وتنظيمات المجتمع المدني – في حدها الأدنى – في الدولتين، ما لم يتوفر للحراك الليبي؛ ورغم ذلك فإن قوى الثورة الليبية توحدت في خلال مدة قصيرة من الزمن في مجلس إنتقالي جامع، وهو ما لم يتم الإتفاق عليه في اليمن أو سوريا حتى اليوم، مجلس استطاع أن يحدد لنفسه جملة من المبادئ السامية بإعلانه التعفف عن استلام أو السعي لأية سلطة او منصب سياسي طيلة فترة الإصلاحات السياسية الإنتقالية – والتي قدرها بأربع سنوات – لأي من أعضائه، والتصرف بمنتهى الشفافية لجهة الأموال. وبالرغم من ضخامة الأموال المحجوزة أو المجمدة للقذافي وعائلته وأركان نظامه في المصارف الأجنبية والمقدرة بما بين مائة وعشرين الى مائتي مليار دولار فقد آل المجلس الإنتقالي على نفسه عدم التصرف بأي فلس من هذا المال، تاركاً للحكومة المنتخبة المقبلة تقرير ما يلزم في حينه، وقد يضطرللإستدانة على هذا المال أو للحصول على قروض مضمونة لتصريف الأعمال الملحة.

وأثبت الشباب المقاوم حسن تنظيمه وإدارته الأمنية للمناطق المحررة والبالغة 38% من مساحة ليبيا المتروكة بدون غذاء ولا رواتب وخدمات، فبعد مرور اربعة اشهر على أحداث ليبيا الدامية لم يتسلم المجلس الإنتقالي اية أموال نقدية، وإن جميع التقديمات والمساعدات كانت عينية، وتمكن بفضل تبرعات الليبيين في الخارج أن يدفع الرواتب للموظفين ومتطلبات الضمان الإجتماعي للأيتام والمعاقين. الأمن مستتب رغم عدم وجود عناصر شرطة، فهناك أمن ذاتي قام به الأهالي بالتمويل الذاتي ومعدل الجريمة متدني ولايشغل البال. وقد تعافت المناطق التي لم تعد تخضع لسيطرة القذافي؛ ففي بنغازي اليوم 82 مطبوعة سياسية، اجتماعية واقتصادية لم تكن إحداها موجودة سابقا، وتعقد الندوات والمؤتمرات بمشاركة المرأة، ويمارس المجتمع المدني نشاطاته على قدم وساق، والحوار السياسي بدأ بقوة. و"لسنا لنقبل بالعودة الى حكم القذافي او لإي حكم لا ياخذ الديمقراطية أساسا للدستور، حتى لو توقفت العمليات العسكرية لحلف الناتو اعتبارا من الغد".

وأضاف: "لا يوجد في بلدنا تعددية دينية، فكلنا مسلمون ولدينا تيارات إسلامية أسوة بكافة المجتمعات العربية الأخرى، وقد تصل نسبة تلك التيارات الى عشرين بالمائة من مكونات الشعب، لكننا لا نخشى التعصب أو حالات الإسلام السياسي المتطرف، فبعد احصاء القوى المشاركة في الحراك الليبي لم يكن هناك سوى 14 عنصر لتنظيم القاعدة. ولاتصدقوا أننا قبائل تتصادم، فالقبيلة وحدة اجتماعية نلجأ اليها في تكوين المجتمع. وفي المقابل لدينا تيارات علمانية وأخرى قومية والجميع ملتزم باللعبة الديمقراطية، فقد كان لنا دستور عام 1951 أرسى اسس مجتمع ديمقراطي مدني ونحن مستعدون لأخذ ذاك الدستور كأساس لدستورنا الجديد".

في الختام أجاب المتحدث باسم المجلس الإنتقالي على التساؤل ماذا نريد، فقال: "ليست مطالبنا تعجيزية؛ نحن مع إيجاد حل لرحيل القذافي وعائلته وبطانته عن السلطة ونقبل في ان تكون إقامته في ليبيا او خارجها، وستكون هناك حكومة انتقالية، خلال اسبوعين مع مغادرته السلطة، تتسلم مهام الأمن لتأمين إجراء انتخابات حرة يكون التمثيل فيها وفقا للتكاثف السكاني، ومن ثم ُتمثل كافة المناطق بمندوبين الى المؤتمر التأسيسي لوضع الدستور الجديد، تجري بعد إقراره أول انتخابات تشريعية تمهد خلال شهرين لإنتخاب رئيس للبلاد، والزمن المقدر لاجتياز تلك الخطوات لا يزيد عن عشرة أشهر، ولن نضع اي فيتو على المشاركة في بناء الدولة سوى على العناصر الفاسدة او التي تلطخت اياديها بالدم او أساءوا استعمال السلطة" .

في الخلاصة، لقد كشف المحاضر عن حالة متقدمة ترسخت في الربيع العربي، وزوّد الجمهور بما لم يعلموه الى الأمس القريب من متانة وصلابة المطالبة الليبية بالتغيير، وتوق الشعب المتمسك بسلمية تحركه، الى الإنتماء الى العالم الجديد؛ عالم من الديمقراطية يمارس فيه المواطن حقه في المشاركة بالسلطة دون تمييز، عالم خالي من حكم الحزب الواحد والشخص الواحد الأحد، وحكم النظام التوتاليتاري وجميع الأنظمة التسلطية التي عرفها عالمنا العربي بعد تحرره من حكم الإستعمار.
 

العميد (م) ناجي ملاعب
باحث في الشؤون الاستراتيجية
 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate